مدة القراءة: 5 دقائق | اقتصاد, تقارير, حماة, سياسة

“المقاومة الإسلامية في سوريا” أو حزب الله السوري: توسع وتربح في المنطقة الوسطى


سبتمبر 1, 2020

حماة- على امتداد العقد الماضي، وفي سبيل قمع ثورة العام 2011، أخذت أذرع إيران ومليشياتها بالتوسع الإقليمي والمذهبي ضمن الأراضي السورية. وفيما استحوذت ألوية “فاطميون” و”أبو الفضل العباس” و”السيدة زينب” و”الباقر” و”الغالبون” على كثير من الاهتمام الإعلامي، فقد يكون الأكثر رسوخاً وتأثيراً بين المليشيات الإيرانية في سوريا ما يعرف بـ”المقاومة الإسلامية في سوريا”، أو الجناح السوري لحزب الله اللبناني، والتي تواصل التمدد ضمن المحافظات السورية بهدف جمع عدد أكبر من المتطوعين، ومن ذلك محافظة حماه.

وبخلاف حزب الله اللبناني، وأغلب المليشيات الإيرانية الأخرى، لا يشترط بالمتطوع في حزب الله السوري الانتماء للمذهب الشيعي ابتداء. وهو ما يسمح بضم متطوعين من مختلف الفئات والمحافظات السورية، وبحيث صار الحزب اليوم من أهم المليشيات التي تتبع أصله اللبناني/الإيراني.

النشأة

يتخذ “حزب الله السوري” من مدينة كسب، بريف اللاذقية، مركزاً رئيساً له، فيما ينشط عناصره أيضاً في محافظة حلب وريف حماة وريف دمشق، وبعض مناطق ريف إدلب التي سيطرت عليها القوات الحكومية مؤخراً، مثل مدينة خان شيخون. 

وكان الحزب السوري الذي يقوده قيادي في حزب الله اللبناني يعرف باسم “الحاج علي”، قد تأسس مطلع العام 2015 من عناصر لبنانية ينتمون لحزب الله. لتتبع ذلك عمليات تجنيد على نطاق ضيق جداً من أبناء المذهبين الشيعي والعلوي السوريين حصراً في العام 2016، غالبيتهم من منطقة الساحل. 

مع توسع نفوذه ونشاطه ضمن المعارك على الأرض السورية، بدأ “حزب الله السوري” بتوسيع نطاق عملياته للتجنيد، لتشمل السوريين بشكل عام وليس الشيعة والعلويين فقط، إنما وفق شروط حددها الحزب اللبناني، وبعد موافقة القيادة اللبنانية الموجودة في سوريا.

وفيما يتعلق بمحافظة حماة تحديداً، فإنه بعد إثبات حضوره في معارك سيطرة النظام على ريف حماة الشمالي، عمد حزب الله السوري، منتصف أيار/مايو الماضي، إلى فتح مقرّ قيادة رسمي في المحافظة، يغطي المنطقة الوسطى من سوريا. وترتفع على المقر الواقع في قرية الجاجية بريف حماة الجنوبي الشرقي، على طريق حماة-سلمية، أعلام سوداء وحمراء وصفراء تحمل شعارات حزب الله اللبناني و”تلبية” لـ”السيدة زينب” وشعارات من المذهب الشيعي.

وقد انضم كريم، وهو شاب عشريني من مدينة حماة، إلى الحزب قبل قرابة ثلاثة أشهر، عبر أصدقاء له، من خلال المركز الموجود في المحافظة. معللاً قراره، بالمغريات المالية والنفوذ الأمني الذي يملكه عناصر الحزب أمنياً، وذلك على الرغم من التشيّع المفروض لاحقاً على المتطوعين عند تقديم طلبات الانضمام، كما قال لـ”سوريا على طول”.

مزايا مادية وحصانة أمنية

استناداً إلى ما رواه كريم، فقد بدأت رحلة انضمامه إلى الحزب السوري بتوجهه إلى الحاج أبو القاسم، المسؤول عن قطاع حماة (الحاج رتبة قيادية وفق المفردات العسكرية لحزب الله، تشير إلى الضابط المسؤول عن قطاع)، وقام بتقديم أوراقه الثبوتية التي كانت عبارة عن هويته الشخصية ونسختين عنها، وست صور شخصية، ودفتر خدمته العسكرية الإلزامية، وشهادة عدم محكومية صادرة عن الأمن الجنائي السوري.

بعد موافقة أبو القاسم، يتم إعطاء المقاتل بطاقة أمنية يتم تجديدها كل ثلاثة أشهر، مكتوب عليها “بطاقة حمل سلاح”. وبالإضافة إلى حمله سلاحاً، يحصل المتطوع على راتب شهري يبدأ من حوالي مائتي دولار أميركي، أو ما يعادل 400 ألف ليرة سورية (وفق سعر صرف 2,000 ليرة للدولار).

وبحسب كريم، يخضع المتطوع حديثاً لدورة تدريبية مدتها حوالي أربعة عشر يوماً في مركز الحزب بحماة أو في كسب بريف اللاذقية. وترافق التدريبات تلبيات ونداءات مع شعارات مذهبية شيعية، من مثل “لبيك يا زينب” و”لبيك يا حسين”، مع إلزام المتطوعين وضع عصائب خضراء على جباههم. كما تتخلل الحصص التدريبية دروس مذهبية دينية عن الجهاد للدفاع عن المقامات المقدسة، وكذلك عن “المقاومة الإسلامية” في لبنان وسوريا وأهدافها. 

بعد انتهاء الدورة، يتم فرز المقاتلين، كما أوضح كريم، حسب الواسطات والخوّات المقدمة لـ”الحجّاج”، مثل أبو القاسم وسواه من المسؤولين في مركز الحزب في كسب. ومن ثم، يتم توزيعهم بين خطوط الجبهات بريف حماة الشمالي وريف إدلب، والنقاط الثابته بريف حماة، إضافة إلى تعيين بعضهم في المركز ذاته من خلال ما يسمى “التفييش”، أي دفع رشى للحاج أبوالقاسم، بحيث يبقى المتطوع في المركز إن لم يكن في بيته، من دون المخاطرة بالقتال على الجبهات.

علي، ذو الثلاثين عاماً، والذي تطوع منذ عام في مركز كسب ثم تم نقله لمحافظة حماة، يؤكد ما ذكره كريم بأن الشعبية الكبيرة التي حظي بها حزب الله السوري سببها الإغراء المالي الكبير والسلطة الأمنية التي يتمتع بها أفراده وتفوق ما تملكه جميع أجهزة المخابرات التابعة للنظام.

فإضافة إلى وجبات الطعام الفاخرة، على حد وصف علي، ووسائل النقل المقدمة لمقاتلي الحزب دوناً عن عناصر القوات الحكومية، كما الأماكن المريحة للإقامة في نقاطهم الثابتة المنتشرة في المحافظات السورية، يُمنع التعرض لعناصر الحزب أو حاملي بطاقته من قبل أي جهة أمنية، بمن في ذلك الشرطة العسكرية، بخلاف حال المنتمين للأفرع الأمنية الأخرى كافة. وتعد قيادة الحزب الجهة الوحيدة المخولّة بمحاسبة عناصره. هذا عدا عن تسيير معاملاتهم بشكل فوري في المؤسسات الحكومية. وهو ما يفسر تطوع عدد كبير من المطلوبين للخدمة العسكرية الإلزامية والاحتياطية في صفوفه كونهم يصبحون محميين من الملاحقة العسكرية والأمنية. 

كذلك، فإن قيام روسيا مؤخراً بنقل عدد من المتطوعين السوريين في مليشياتها إلى ليبيا، ومقتل عدد منهم هناك، وجّه أنظار معظم الشباب السوري إلى المليشيات الشيعية، بحسب علي الذين يقدر وصول عدد المتطوعين في قطاع حماة إلى أكثر من مائتي شاب من المحافظة، إضافة إلى ستين شاباً من محافظة حمص، خلال أقل من تسعين يوماً. لافتاً أيضاً إلى أنه يتم نقل قيود المتطوعين من المنطقة الوسطى في مركز كسب تباعاً إلى قطاع حماة.

من تثبت جدارته القتالية والقيادية في المعارك وولاؤه لحزب الله، تتم ترقيته، وفقاً لما ذكر علي، إلى مدرّب في الحزب (السوري)، عقب إخضاعه لمعسكر تدريبي في الضاحية الجنوبية ببيروت، يحصل بعدها على بطاقة أمنية صفراء غير محددة الصلاحية، صادرة عن حزب الله اللبناني وتحمل ختمه مع قيد إقامة (سكن) في جنوب لبنان، وبحيث يعامل حامل البطاقة معاملة مقاتلي حزب الله لبنانيي الجنسية. كما تتم زيادة راتبه إلى 600 دولار (مليون وثلاثمائة ألف ليرة سورية) شهرياً، وقد يصل إلى ألف أو ألفي دولار، حسب المهام الموكلة إليه.

بعد ذلك يتم نقل “المدربين” إلى مركز القيادة في كسب، أو إلى مراكز الحزب الموجودة في ريف دمشق قرب منطقة دير عطية، حيث تتمركز هناك نقاط ثابتة لمسؤولين لبنانيين من حزب الله.

الاتجار بالبطاقات الأمنية

لا يتوقف عمل حزب الله السوري على زيادة عدد مقاتليه، بل يستخدم سطوته الأمنية تحديداً للتربح على حساب السوريين، كما حال أجهزة المخابرات في سوريا، وذلك من خلال بيع بطاقاته الأمنية من دون الحاجة إلى انخراط حامليها في القتال إلى جانبه، كما أكد علي، إلى حد خلق سماسرة عملهم الرئيس بيع هذه البطاقات التي تنقسم إلى نوعين: بطاقة مقاتل (تجيز حمل سلاح)، وبطاقة عضوية. 

وقد وصل سعر “بطاقة مقاتل” في محافظة حماة إلى مائة وخمسين ألف ليرة سورية (55 دولاراً)، يتم دفعها كل ثلاثة أشهر، هي مدة صلاحية البطاقة، إلى قطاع (مركز قيادة) حماة. تضاف إلى ذلك الرشى التي يجب تقديمها للحاج أبو القاسم لكي يقوم بالتغطية على حاملها.

أما “بطاقة عضوية”، فتباع ابتداء بحوالي مائة ألف ليرة سورية (43 دولاراً)، ويتم تجديدها كل ستة أشهر مقابل خمسين ألف ليرة. وهي تسمح لحاملها بالتجول في الأراضي السورية وعبور الحواجز العسكرية، فيما لا يتمتع حاملها بالحماية ذاتها التي يحوزها حملة “بطاقة مقاتل”.

وقد شاعت هذه البطاقات بشكل كبير في حماة، حيث تُعرف باسم “بطاقات حزب الله”، عقب افتتاح مقر الحزب في المحافظة، بحسب الناشط في مدينة حماة نضال الياسين. مضيفاً أن ذلك تزامن مع توسع ظهور شعارات حزب الله اللبناني وصور حسن نصر الله في المحافظة، لاسيما على السيارات الخاصة.

ورغم استهداف إيران سابقاً للمنطقة الوسطى بأنشطتها التجنيدية، من خلال التطوع في اللواء 47 الموجود في ريف حماة الجنوبي، لاسيما بين العامين 2015 و2018، فإن ما يميز المرحلة الحالية، بحسب الياسين، هو عمل حزب الله الآن ضمن خطط ممنهجة بشكل أكبر منذ مطلع العام الحالي، بحيث يخشى السوريون هناك انتشار التشيع بشكل أكبر في منطقتهم.

*تم استبدال الأسماء الحقيقية للمصادر بأخرى مستعارة حفاظاً على سلامتهم.

آخر التقارير…