مدة القراءة: 5 دقائق | الحسكة, سياسة

الممارسات الاستبدادية في مناطق الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا تبدد الحلم بـ”الديمقراطية”


يوليو 22, 2021

عمان – بالتزامن مع الذكرى التاسعة لثورة 19 تموز، أو ما تعرف بـ”ثورة روجافا”، حين طرد أهالي مدينة عين العرب (كوباني) عناصر نظام الأسد من المدينة ورفعوا أعلام الثورة السورية، العام 2012، أطلق ناشطون كرد، في 18 تموز/ يوليو الحالي، وبتوجيه من الإدارة الذاتية لشمال شرق سوريا التابعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)، حملة عبر الانترنت تدعو إلى اعتراف دولي بالإدارة الذاتية.

لكن بعد مرور تسع سنوات، يبدو أن أحلام الديمقراطية للمواطنين في شمال شرق سوريا تتعثر مع جنوح حزب الاتحاد الديمقراطي (ب ي د) -الذي يشكل مقاتلوه عماد “قسد”- إلى الممارسات الاستبدادية بشكل متزايد، آخرها اعتقال أربعة أعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا (KPD-S)، منهم ثلاثة إعلاميين، في 17 تموز/ يوليو الحالي، من قبل مسلحين تابعين لحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يهيمن على الإدارة الذاتية.

ورغم أن “ب ي د” لم يعلن مسؤوليته عن حملة الاعتقالات الأخيرة، كما لم يصدر عنه في الوقت ذاته أي بيان رسمي ينفي الاتهامات الموجهة إليه، إلا أن مصادر عدة، من بينها القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا، نوري بريمو، حمّلت “مسلحي الحزب مسؤولية الاعتقال”، كما قال بريمو لـ”سوريا على طول”.

التضييق على الإعلام

في الساعة الثانية من فجر 17 تموز/ يوليو الحالي، داهمت مجموعة مسلحة منزل الإعلامي وعضو الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا برزان حسين، في ريف المالكية (ديريك) بمحافظة الحسكة شمال شرق سوريا، واقتادته إلى مكان مجهول. 

لم تعرف عائلة حسين سبب اعتقاله، لكنها ترجح أن يكون “عمله في قناة تلفزيونية من دون الحصول على رخصة من الإدارة الذاتية”، كما أوضح أحد أفراد العائلة لـ”سوريا على طول”، طالباً عدم الكشف عن اسمه لدواع أمنية، معبّراً عن تخوفه على مصير برزان، “إذ تواصلت العائلة مع [حزب “ب ي د”] في القامشلي، حيث تم اقتياده كما قيل لنا، لكن [الحزب] في القامشلي نفوا توقيفه عندهم”.

ويأتي اعتقال حسين بعد اعتقال ستة إعلاميين على الأقل أو اختطافهم هذا العام من قبل قوات “قسد” أو مسلحين تابعين لحزب “ب ي د”، بحسب منظمة مراسلون بلا حدود.

أيضاً، وإلى جانب اعتقال صحافيين وتقييد عمل وسائل إعلام منتقدة لسياسات “ب ي د” في شمال شرق سوريا، طالت الاعتقالات أعضاء في أحزاب سياسية معارضة لـ”ب ي د” وموالين لها، كما حدث مؤخراً مع أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا. وقد نفى القيادي في “الديمقراطي الكردستاني”، نوري بريمو، أن تكون حملة الاعتقالات “على خلفية نشاط تنظيمي”، مشدداً أن “هؤلاء اعتقلوا لأنهم نشطاء مدنيين وإعلاميين”.

و”ارتكب حزب الاتحاد الديمقراطي تسعة انتهاكات من أصل 27 انتهاكاً وثقناها في النصف الأول من العام الحالي، فيما ارتكبت قوات سوريا الديمقراطية 4 انتهاكات خلال الفترة نفسها”، كما أوضح لـ”سوريا على طول”، مدير المركز السوري للحريات الصحفية، التابع لرابطة الصحفيين السوريين، إبراهيم حسين، ما يعني أن الإدارة الذاتية والجهات التابعة لها “مسؤولة عن ما يقرب نصف الانتهاكات الموثقة في سوريا لهذه الفترة”.

وكانت الإدارة الذاتية أغلقت في 20 حزيران/ يونيو الماضي مكتب مؤسسة “كردستان 24” الإعلامية في شمال شرق سوريا، والتي يتواجد مقرها الرئيس في إقليم كردستان العراق، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بعائلة رئيس الوزراء الحالي للإقليم، مسرور برزاني.

صراع يؤخر الحوار

لطالما تأثرت محاولات التقارب الكردي-الكردي بين حزب الاتحاد الديمقراطي وخصومه السياسيين الممثلين بالمجلس الوطني الكردي بأحداث سياسية. كذلك، تعيق الممارسات القمعية في المنطقة، كما في حملة الاعتقالات الأخيرة التي شهدتها مناطق الإدارة الذاتية أي تقدم على طريق الحوار الكردي-الكردي.

وعلى خلفية اعتقال عدد من أعضاء حزبه، قال القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا، حسن رمزي، أن “استمرار حزب الاتحاد الديمقراطي في سياسة اعتقال وخطف أعضاء المجلس الوطني الكردي دليل على عدم إيمانه بالشراكة وقبول الآخر”.

وقد دفعت سياسة القمع التي ينتهجها حزب “ب ي د”، وذراعه العسكرية “قسد”، الأحزاب السياسية المناهضة له، كما الحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى “عدم السماح لأعضائنا ممارسة أي نشاط حزبي قد يعرضهم للخطر”، كما قال القيادي بريمو، كون “سلامة أعضائنا ومؤيدينا أهم من الأنشطة التنظيمية”.

لكن هذا لا يحمي مؤيدي الأحزاب الكردية المناهضة لسياسات ُ”ب ي د” من الاعتقال. إذ لمجرد كون الصحافي كاميران سعدون ليس “مع حزب الاتحاد الديمقراطي سياسياً، كانوا دائماً يثيرون المشاكل ضدي حتى لو لم أكتب عنهم أي شيء”، كما قال لـ”سوريا على طول”، ومن ذلك اعتقاله من قبل “قسد” في 16 حزيران/يونيو الماضي.

وأضاف سعدون: “بنشر أي قصة ضد الإدارة الذاتية والجماعات الموالية لحزب الاتحاد الديمقراطي سيغلقون القناة ويوقفون الصحافي”.

في المقابل، تتعرض حرية التعبير في كردستان العراق، الذي يحكمه الحزب الديمقراطي الكردستاني (KDP) للتهديد أيضاً. وقد وثقت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان 33 حالة اعتقال تعسفي وانتهاكات لإجراءات التوقيف استهدفت صحافيين وناشطين في الفترة بين آذار/مارس 2020 ونيسان/أبريل 2021. كما تم سجن خمسة صحافيين في آذار/مارس الماضي على خلفية تغطيتهم الاحتجاجات المناهضة لـKDP.

وخلال الأسابيع الماضية، اتهم الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا قوى الأمن الداخلي شمال شرق سوريا (الأسايش) بخطف عدد من عناصره، فيما نددت الإدارة الذاتية باعتقال أحد ممثليها في أربيل واثنين من أعضاء حزب الاتحاد الديمقراطي، في 10 حزيران/ يونيو الماضي، من قبل سلطات كردستان العراق. 

ومع أن التوتر بين “الديمقراطي الكردستاني” الذي تتزعمه عائلة برزاني في العراق و”الاتحاد الديمقراطي” الذي يهيمن على شمال شرق سوريا هو توتر تاريخي، كون الأخير نسخة سورية من حزب العمال الكردستاني التركي (PKK) المنافس تاريخي لحزب KDP، إلا أنه يمكن قراءة الاعتقالات الأخيرة على أنها “نتيجة لزيادة التوترات بين قوات البيشمركة [الجناح العسكري للحزب الديمقراطي الكردستاني]، وحزب العمال الكردستاني في المناطق الحدودية [في كردستان العراق]، وزيادة العمليات العسكرية التركية ضد حزب العمال الكردستاني هذا الصيف”، كما قال لـ”سوريا على طول” فلاديمير فان فيلغنبورغ، الصحافي والمؤلف المشارك لكتاب “الحلفاء العرضيون: شراكة القوات الديمقراطية السورية الأميركية ضد تنظيم الدولة الإسلامية”.

وقد “أدى هذا التصعيد إلى مخاوف من اندلاع حرب أهلية كردية بعد اشتباكات قتل فيها مقاتلو حزب العمال الكردستاني ومقاتلو البيشمركة”، بحسب فيلغنبورغ.

استياء شعبي

تضاف الممارسات القمعية التي تتبعها السلطات في شمال شرق سوريا إلى قرارات تعزز من تصاعد المعارضة الشعبية، بما في ذلك الكرد الذين يمثلون الحاضنة الشعبية للإدارة الذاتية من وجهة نظر الأخيرة.

ففي أيار/ مايو الماضي، اندلعت احتجاجات دامية في مدينة القامشلي وقرى أخرى في شمال شرق سوريا على خلفية قرار المجلس التنفيذي في الإدارة الذاتية رفع أسعار المحروقات، وليكشف القرار الذي تم إلغاؤه لاحقاً احتقاناً شعبياً متزايداً.

قبل ذلك، شهد شمال شرق سوريا احتجاجات واسعة أيضاً ضد التجنيد الإجباري وفرض مناهج تعليمية خاصة بالإدارة الذاتية، ولتقوم الأجهزة الأمنية التابعة للأخيرة بحملة اعتقالات طالت معلمين وطلبة اعتمدوا مناهج غير معتمدة.

هذه التحديات الداخلية أدت إلى تقليص المساحة المخصصة للصحافيين، إذ إن بعض القضايا المهمة من قبيل “النفط والتجنيد الإجباري موضوعان لا يحب أحد [من مسؤولي] الإدارة الذاتية إثارتهما، ولن يمنح الصحافيون حق الوصول [إلى المعلومة]”، بحسب الصحافي سعدون.

وقد ردت السلطات في شمال شرق سوريا على الانتقادات الموجهة ضدها بقوة. إذ وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان 369 حالة اعتقال تعسفي على يد “قسد” في النصف الأول من العام 2021، كما حالات تعذيب في سجون “قسد” “مشابهة لتلك التي مارسها النظام السوري”، وصولاً إلى “مقتل 8 أشخاص بسبب التعذيب وإهمال الرعاية الصحية في المراكز التابعة لقوات سوريا الديمقراطية منذ مطلع العام الجاري”.

وفي 30 حزيران/ يونيو، أدى مقتل عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا أمين عيسى العلي داخل سجون “قسد” إلى حالة استنكار واسعة، خاصة وأنه قتل تحت التعذيب، بحسب رواية “الديمقراطي الكردستاني”، فيما ذهبت الرواية الرسمية لحزب “ب ي د” إلى أن الوفاة كانت بسبب سكتة دماغية.

لكن رغم كل المؤشرات على تدهور الحريات في شمال شرق سوريا، ما تزال الإدارة الذاتية والمؤسسات التابعة لها تتمتع بعلاقات مميزة مع الديمقراطيات الغربية، كونها الشريك المحلي الذي لا غنى عنه للتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم “داعش”. فيما يقتصر دور الولايات المتحدة على “رصد حالات انتهاكات حقوق الإنسان في كردستان العراق وشمال شرق سوريا، والضغط لمنع أي انتهاك محتمل في المنطقة”، بحسب فيلغنبورغ. معتبراً أنه “من دون استمرار الحوار الكردي- الكردي، أشك في إطلاق سراح أعضاء الحزب الديمقراطي الكردستاني- سوريا”.

وفيما عبّر القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني-سوريا، نوري بريمو، عن قلقه على أعضاء حزبه “المعتقلين أو المختطفين على يد مسلحي حزب الاتحاد الديمقراطي”، فإنه حذر من أن ما يحدث في شمال شرق سوريا هو “حلقة من حلقات كم الأفواه والاعتقال السياسي، من حلقات حكم الحزب الواحد والجماعة الواحدة”.

آخر التقارير…