مدة القراءة: 6 دقائق |

الموت غرقاً: سكان شمال غرب سوريا يبحثون عن الترفيه المجاني رغم مخاطره


مايو 24, 2022

باريس-  في منتصف أيار/ مايو الحالي، توفي الطفل يوسف دقماق، ذو الخمس سنوات، غرقاً في بركة ماء تستخدم لري المزروعات في قرية إبلين بجبل الزاوية جنوب إدلب، أثناء اللعب في محيط البركة، بعد خمسة أيام على وفاة طفل وأخته ببركة أخرى في مدينة بنش شرق إدلب. 

وفي الثاني من أيار/ مايو الحالي، توفيت طفلتان غرقاً في سد قسطون بسهل الغاب، شمال حماة، فيما تمكنت فرق الدفاع المدني إنقاذ الطفلة الثالثة.

سنوياً تشهد مناطق المعارضة شمال غرب سوريا وفاة عشرات الأشخاص، بينهم أطفال، أثناء الاستجمام أو السباحة في مياه الأنهار والبحيرات والبرك الزراعية، في ظل غياب وجود أماكن ترفيه عامة، أو غلاء رسوم استخدامها مقارنة مع أوضاع القاطنين في المنطقة، الذين يتجاوزون أربعة ملايين نسمة، نصفهم نازحون.

وتزداد هذه الحوادث في فصل الصيف، حيث “يتوافد الأهالي للترفيه، أو يعتمد المزارعون على برك تجميع المياه من أجل سقاية مزروعاتهم، خاصة في ريف إدلب الجنوبي وسهل الغاب”، كما قال مدير المديرية الأولى في الدفاع المدني، محمد حاج أسعد، لـ”سوريا على طول”.

منذ مطلع العام الحالي، وحتى 18 أيار/ مايو الحالي، استجابت فرق الدفاع المدني لعشرة نداءات استغاثة لحالات غرق في شمال غرب سوريا، فيما تم انتشال جثامين 12 شخصاً فقدوا حياتهم، بينهم 5 أشخاص سقطوا في آبار ماء، مقابل إنقاذ 6 أشخاص على قيد الحياة، نُقلوا إلى المستشفيات والنقاط الطبية لتلقي العلاج، وفقاً لحاج أسعد، مشيراً إلى تسجيل 54 حالة غرق في المنطقة العام الماضي.

تجاهل التحذيرات

تختلف درجة خطورة المسطحات المائية في شمال غرب سوريا، بحسب “حوافها الزلقة، وبرودة مائها، وقاعها الطيني شديد الانحدار، وتفاوت أعماقها بشكل غير ملحوظ للمدنيين أثناء سباحتهم، ومنها يتواجد داخلها أعشاب طويلة وقاسية تعيق المدنيين في السباحة والحركة ما يؤدي الى غرقهم وعدم تمكنهم من السيطرة على المياه”، بحسب حاج أسعد. ما يعني أن خطر الغرق لا يقتصر على من لا يعرفون السباحة، كون الخطورة ترتبط بطبيعة هذه المسطحات.

وأبرز المناطق التي تشهد حالات غرق، بحسب حاج أسعد، هي: ضفاف نهري العاصي والفرات، وبحيرة ميدانكي وعين الزرقاء، بالإضافة إلى تسجيل حالات في سواقي الأنهار المنتشرة شمال غرب سوريا، إلى جانب البرك المائية الاصطناعية المخصصة للزراعة، التي تسببت بحالات غرق، من بينهم أطفال.

وما يزيد من خطورة المسطحات المائية الطبيعية والاصطناعية “عدم اصطحاب الأهالي معدات السباحة اللازمة، التي قد تقلل من إمكانية الغرق”، بحسب حاج أسعد، فوق ذلك “ركوبهم للزوارق غير الصالحة للاستخدام”.

كذلك، وجود البرك الزراعية في أماكن “بعيدة عن المناطق السكنية”، ما يعني غرق الأطفال “بعيداً عن أعين ذويهم”، أو عن وجود أشخاص كبار “لمساعدة الأطفال في حال الغرق بهذه البرك”، كما قال الناشط الإعلامي عبد الرزاق ماضي، المقيم في قرية إبلين بجبل الزاوية.

واستشهد ماضي بحادثة غرق الطفل يوسف دقماق، الذي سقط في بركة ماء زراعية، ولم يعرف أهله ذلك إلا “بعد ساعة من غيابه عنهم”، ورغم محاولات الدفاع المدني إنقاذه إلا أنه “فارق الحياة قبل وصوله إلى المستشفى”.

ويبدو مألوفاً لأهالي المنطقة سباحة الأطفال في البرك الزراعية، بحسب الماضي، مشدداً على ضرورة أن “يتم سقف هذه البرك لمنع تكرار حوادث الغرق فيها”.

وتنتشر البرك الزراعية بكثرة خصوصاً في ريف إدلب الجنوبي وسهل الغاب، حيث يستخدمها المزارعون “لتجميع المياه من أجل سقاية الأراضي الزراعية”، وفقاً لمحمد حاج أسعد، مؤكداً أنها “تشكل خطراً كبيراً على الأطفال لأنها مكشوفة ومتساوية مع سطح الأرض وغير مسوّرة”.

عموماً، تعد المسطحات المائية الطبيعية والاصطناعية، المنتشرة في شمال غرب سوريا، “خطرة جداً ولا تصلح للسباحة”، يؤكد ذلك تكرار تسجيل حالات غرق فيها، وفقاً لحاج أسعد، ومع ذلك يتجاهل معظم أهالي المنطقة ذلك “ويتوافدون إليها باعتبارها مكاناً للتنفس وسط الظروف المعيشية التي يمرون بها”.

الحد من الخطر

على ضفاف نهر عفرين، في ريف حلب الشمالي الغربي، أنشأت منظمات تركية مخيم المحمدية، في نيسان/ أبريل 2018، لاستقبال المهجرين من ضواحي دمشق، وتسبب النهر بغرق عدد من قاطني المخيم أو غيرهم ممن يسبحون في مياهه، وفقاً للصحفي فادي شباط، المهجر من جنوب دمشق ويقيم في المخيم.

ونتيجة لتكرار حالات الغرق طيلة السنوات الماضية، لا سيما في العامين 2020 و2021، ناشد نشطاء وأهالي المخيم جهاز الشرطة المدنية، في المنطقة الواقعة تحت سيطرة الجيش الوطني المدعوم من تركيا، “لمنع السباحة في النهر بسبب خطورته”، كما قال شباط لـ”سوريا على طول”.

استجابت الشرطة لمطالب الأهالي، وسيّرت دوريات على طول النهر “مهمتها منع السباحة فيه”، وفقاً لشباط، وعليه “تراجعت نسبة حالات الغرق منذ صيف العام الماضي”.

وفي إدلب تنظم فرق الدفاع المدني جولات ميدانية، وتعمل على تركيب لوحات توعوية في المناطق التي يقصدها الأهالي للسباحة، لتوعية المدنيين بمخاطر السباحة في الأنهار والبحيرات والسواقي المنتشرة في المنطقة وتقديم النصائح الإرشادية لهم، وكذلك تستخدم معرفاتها على وسائل التواصل الاجتماعي لإيصال رسالتها لأكبر عدد ممكن، بحسب حاج أسعد.

وتستجيب الفرق المختصة في الدفاع المدني لأي بلاغ “عن وجود حالة غرق وتعمل على الإنقاذ أو انتشال الجثث من المياه”، إلى جانب تكثيف وجودها “في المسطحات المائية أيام العطل والأعياد” وفقاً لحاج أسعد.

ويعمل الدفاع المدني على وضع خطط جديدة لـ”توعية المدنيين”، سيتم الإعلان عنها قريباً، كما قال حاج أسعد، بالإضافة إلى إطلاق حملة لـ”إغلاق الآبار القديمة غير المستخدمة وردم الحفر العميقة التي تتجمع فيها مياه الأمطار لمنع وقوع حوادث السقوط فيها”.

لا قدرة على الترفيه الآمن

“لا يوجد أماكن ترفيه مائية في المخيم أو في المنطقة”، باستثناء “مسبح صغير خاص في مدينة عفرين”، تبلغ قيمة الدخولية للشخص الواحد 25 ليرة تركية (1.5 دولاراً أميركياً)، في الوقت الذي يتراوح معدل الأجر اليومي للعامل في شمال غرب سوريا بين 30 و50 ليرة تركية (1.80 و3.10 دولاراً)، وفقاً للصحفي فادي شباط.

ومن بدائل الترفيه في المنطقة، تأجير المزارع، لكن تكلفة استئجار المزرعة ليوم واحد تتراوح بين 100 و150 دولاراً، بحسب شباط، وهو “رقم كبير بالنسبة لنا”، مشيراً إلى أنه يحاول التنسيق منذ شهر مع مجموعة من أصدقائه “لاستئجار مزرعة وقضاء يوم واحد فيها، لكن “التكلفة المادية حالت دون ذلك”.

صورة ليلية لمزرعة محمد أبو عبدو، المخصصة للإيجار في منطقة دركوش بريف إدلب الغربي

ورغم أن شباط وأصدقاءه يعملون بدخل شهري مقداره 200 دولار لكل واحد منهم، إلا أن “الجانب المالي حال دون استئجار المزرعة”، كون “أولوية الكثير منا هي تأمين احتياجات المنزل الأساسية”.

وبحسب الأرقام التي أوردها شباط، فإن دخولية المسبح لشخص واحد تعادل أجر عامل ليوم كامل، فيما يتعين على الشخص إنفاق دخله الشهري أو معظم دخله لاستئجار مزرعة ليوم واحد، وهذا ما يدفع بعض سكان المنطقة إلى المسطحات المائية المجانية رغم خطورتها، فيما “غالبية الناس لا تفكر بوسائل الترفيه والسباحة”، إذ ينحصر تفكيرها في “تأمين لقمة العيش”.

وبشكل عام لا توجد خيارات ترفيه كثيرة أمام سكان عفرين وما حولها، نظراً لأن “غالبية السكان من المهجرين وظروفهم الاقتصادية صعبة جداً”، بحسب شباط، ما يعني أن المشاريع التجارية الترفيهية لن تلقى رواجاً كما في مناطق أخرى.

أما في إدلب، حيث يعيش محمد النصيرات، المهجر من مدينة درعا جنوب سوريا عام 2018 بفعل اتفاقية التسوية بين النظام وفصائل المعارضة، تكثر المسابح الخاصة والمزارع، لا سيما في منطقة دركوش غرب إدلب.

لكن الظروف الاقتصادية لسكان إدلب، وتراجع سعر صرف الليرة التركية، أدى إلى رفع الأسعار بما في ذلك أماكن الترفيه، وفقاً لنصيرات الذي يعمل في تجارة الهواتف المحمولة، مشيراً إلى أن دخولية المسبح تتراوح بين 20 و30 ليرة تركية (1.2 و 1.8 دولاراً)، فيما تصل أجرة المزرعة لليوم الواحد إلى 150 دولاراً، كما ذكر عدد من مؤجري المزارع لـ”سوريا على طول”.

في العام الماضي استأجر النصيرات مزرعة ليوم واحد “بتكلفة 250 ليرة تركية”، أي ما يعادل (31 دولاراً بحسب سعر الصرف آنذاك) لكن الأسعار ارتفعت هذا العام، نظراً لتراجع سعر صرف الليرة التركية، وهي العملة المتداولة في المنطقة، لذلك “لا يمكنني استئجار مزرعة هذا العام”، وبدلاً من ذلك أخرج مع عائلتي “للتنزه في الأماكن العامة”.

تأكيداً على ذلك، اشتكى زكوان العلي، صاحب مزرعة في منطقة دركوش، من ضعف الإقبال لهذا العام، عازياً ذلك إلى “تراجع الوضع الاقتصادي لمعظم سكان المنطقة، إضافة إلى حالة الطقس المتقلبة هذا العام”. وعليه، يفضّل الناس الذهاب إلى السدود والأنهار والأماكن المفتوحة، وفقاً للعلي “كونها مجانية ولا تكلفهم شيئاً”.

لذلك، لا ترتبط المشكلة بانعدام أماكن الترفيه الآمنة، وإنما بالظروف الاقتصادية الصعبة للسكان، وفقاً لمحمد حاج أسعد، وبما أن الأماكن العامة هي البديل المناسب، يتعين على الراغبين في السباحة أو الترفيه “اختيار الأنهار الصغيرة، ذات المنسوب القليل، المنتشرة في المنطقة”، كونها أكثر أماناً من غيرها.