مدة القراءة: 8 دقائق | ثقافة ومجتمع, حمص, دمشق, مقابلات

الناطق باسم الصليب الأحمر: المشكلة الحقيقية لسوريا لن تحل بالمساعدات الإنسانية


مايو 16, 2016

حاصرت قوات النظام الرستن، ومجموعة من البلدات المحيطة بها، في شمال حمص، والتي تبعد نحو 20 كم إلى شمال مدينة حمص، منذ أكثر من عامين.

وحتى نهاية الشهر الماضي، كانت آخر دفعة مساعدات تدخلها الأمم المتحدة والهلال الأحمر العربي السوري للمدينة منذ أكثر من سنة؛ ففي 21نيسان، وزعت اللجنة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر العربي السوري والأمم المتحدة  قافلة مساعدات من 65 شاحنة، محمّلة بالمواد الغذائية والطبية ومواد لمعالجة المياه إلى مدينة الرستن البالغ تعداد سكانها نحو 12 ألف نسمة، وهم مزيج نصفه من أهالي المدينة ونصفه الآخر من السوريين النازحين داخلياً.

وسبق هذه القافلة مجموعة أخرى من الشاحنات بلغ عددها 35، ليصل المجموع إلى مئة شاحنة محملة بالمساعدات إلى الرستن، كانت الدفعة الأكبر التي تدخل أي بلدة محاصرة، في سورية، إلى الآن، وفق ما قال باول كرزيسك، الناطق باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر.

ويقول كرزيسك بشفافية لـسامويل كيك، من سوريا على طول، “إلى أن يفك الحصار، (المساعدات الإنسانية) ستبقى حلاً مؤقتاً”.                                                              

وزيارة كرزيسك الأخيرة للرستن كانت السادسة له إلى المناطق المحاصرة، والتي تبدو جميعها “كسجون صغيرة منتشرة وسط الحرب، ولا يمكنك أن تعيش كذلك”.

ويؤكد الناطق “هناك حاجة لحل سياسي، كيفما كان. وهذا شيء خارج عن استطاعة الهيئة الدولية للصليب الأحمر (…) وما نوزعه لن يحل المشكلة الحقيقية لهذه البلد ولهؤلاء الناس”.

اللجنة الدولية معنية في إخلاء الحالات الطبية من البلدات التي يطوقها النظام. فكيف تبدو عملية التفاوض لإخراج شخص ما من منطقة محاصرة؟

كل حالة طبية للإخلاء من المناطق المحاصرة تتطلب قدراً لا بأس به من التفاوض والتنسيق مع كلا الطرفين. ولابد من ذلك، للأسف. وهذا يستغرق وقتاً. ولكن لا يمكنك حقيقة أن تتجاوزه فكيف يمكنك أن  تتخطاهم إذا كان هؤلاء الناس الذين تتفاوض معهم هم من يقرورن السماح لك  أو عدم السماح بمرور الحاجز؟

وعلينا أن نعي أن هذه سورية، وفي سورية مهمة المساعدات الإنسانية أمر صعب للغاية. فهل نحن مسرورين أو مرتاحين بذلك، بالطبع لا، لأننا اختبرنا ذلك مراراً، رأينا ذلك في حالة مضايا، في بعض الأحيان بالكاد تدبرنا أن نقوم بشيء، وفي الكثير من الأوقات لم يكن بوسعنا أن نفعل أي شيء. وفات الأوان، وهو شيء علينا أن نتعايش معه. وأقصد أنه عبء يثقل كاهلنا ونشعر أننا نخيب أمل الناس، ويحدث أن نخذلهم مراراً. ولكن لا يمكنك أن تحلق فوق هذه الحواجز. لا بد من التفاوض.

 

و”جاء طفل في الخامسة صباحاً ليجمع علب الكرتون والنفايات بعد إفراغ شاحناتنا بحيث يمكن لأمه (أن توقد ناراً) لتحضر له شاي الصباح”ــ باول كرزيسك 

الصليب الأحمر لا يمكنه أن يمنح وعوداً، لأن الصليب الأحمر منظمة إنسانية حيادية. فنحن حقيقة لا ننخرط في السياسة ولا في المفاوضات السياسية. وللأسف، الحصار اليوم، هو مسألة سياسية. ويؤسفني قول هذا. أعني أننا في كل يوم سنتصل لرفع الحصار عن تلك المناطق، لأنه الحل الوحيد لهؤلاء الناس. وهو الحل الوحيد لينجو الكثيرين.

وللأسف نحن لا نملك سلطة نطالب بها الأطراف أن ترفع الحصار، ولابد من أن يفك الحصار في النهاية؟ لابد من ذلك.

وهذا ما نفعله بكل ثقة وهو أمر ضروري جداً جداً وذلك لتحافظ على ثقة كل الأطراف. ولكن ما يمكنني قوله، وعلى سبيل المثال، كان لدينا حالة مماثلة تماماً لحالة الولد الذي يحتاج للإخلاء في الحولة حين ذهبنا إلى هناك المرة الماضية، وكنت شخصيا موجوداً في الحولة. وزرناه.

سجلنا كل التفاصيل عنه. ومن ثم تأخذ هذه التفاصيل وتحاول أن تتواصل مع كل من تعرفه في تلك المنطقة لتأخذ إذناً وتيسر إخلاء هذا الشخص. في الحولة، نجحنا بذلك. ولكن في الرستن أخفقت جهودنا. فكل شيء ممكن. ولكننا نقوم بذلك اعتماداً على الجهات التي نعرفها. وكما تعلم فنحن منظمة حيادية، ولدينا جهات من الطرفين. وهذه هي طريقة عملنا.

هل يمكنك أن تحدثنا بما رأيته وأنت في الرستن خلال تسليم المساعدات، وماذا سمعت من الناس الذين تحدثوا لك؟

رأيت الإحباط واليأس الكبير. وهذه الزيارة السادسة لي للمناطق المحاصرة في سورية. وفي كل مكان كهذا أرى القنوط وأسمعه. الضغط الجسدي والفكري على أولئك الناس. كل تلك المناطق المحاصرة أشبه بسجون صغيرة منتشرة وسط الحرب والصراع والاقتتال وقصف المدفعية والهاون وانعدام الأمن. ولا يمكنك العيش كذلك. لنأخذ الرستن أو تلبيسة كمثال، العمل الوحيد الذي يجيدونه هو الزراعة.

ولكن الآن لم يعد بوسعهم. لم يعد بمقدورهم أن يزرعوا. يزرعون لاستهلاكهم الخاص، بيدّ أن  مزارعهم الشاسعة أصبحت الآن جبهات للقتال. ومن الصعب أن يحصلوا على البذور. وأقنية الري مسدودة أو مدمرة بسبب الإقتتال. وكما تعلم هؤلاء الناس وإن أنتجوا محصولا، فهم محاصرون، وبالنتيجة لا يمكنهم بيعه. لذلك فهم فقدوا الإحساس والمعنى بمن كانوا وبكل ما كانوا يستطيعون عمله.  

تلبيسة وكان عدد ساكنيها 30 ألفا من قبل. وفي الشهرين الماضيين ونتيجة الاقتتال، فإن كلاً من الرستن وتلبيسة وعلى سبيل المثال  تضاعف عدد السكان المحليين فيهما. ونحو 60 ألفا من المهجرين داخلياً هربوا من ريف حماة الشمالي من الاقتتال، ليحلوا في الرستن المحاصرة. فيما اتجه أكثر من 50 ألفا إلى تلبيسة ليتضاعف عدد السكان في تلك المناطق المستنزفة أصلاً من حيث الموارد.

أليس الناس مستنزفين؟ هم بالكاد يملكون بعض الموارد الشحيحة. والناس المهجرين أتوا دون شيء. لا يملكون بساتين ليزرعوها. وليس لديهم ممتلكات. وضعوا ضغطاً هائلاً على الأهالي الذين استقبلوهم. ويمكنني القول أن أهالي الرستن مضيافين وعظيمين. وإحساس التضامن والتضاعد مع بعضهم الآخر مذهل. ولكن الحال قاس جداَ.

ولهذا السبب، فإن المساعدات الإنسانية لهؤلاء الناس كشريان الحياة الوحيد. ولهذا السبب، بالنسبة لنا، ما يهم هو أن نعود. ما نجلبه لا يكفي. وبالطبع لن يكفي. لأن الحل الوحيد لهؤلاء الناس هو فك الحصار والسماح بدخول المساعدات الإنسانية بانتظام ودون  عوائق. وهذا كل شيء. فليس الحل بالنسبة لأهالي مضايا والزبداني والفوعة وكفريا والرستن وتلبيسة أن تأتي مرة وتمضي. وعلينا باستمرار أن نرفد مستودعاتهم. وأن نجلب كمية أكبر من الدواء.  

في تلبيسة، جئنا لهم بجلسات غسيل الكلى، ولكنها ستنتهي وعلينا أن نأتي بالمزيد. ويمكنك أن تقوم بذلك فقط حين تستطيع الدخول بانتظام، دون شك. وحتى يفك الحصار فسيكون حلاً مؤقتاً. المساعدات الإنسانية لن تحل الحصار في سورية. هناك حاجة لحل سياسي، كيفما كان، وهو أمر يفوق استطاعة اللجنة الدولية للصليب الأحمر. ما نسلمه لن يحل المشكلة الحقيقية للبلد ولهؤلاء الناس.

ماذا تعني الحيادية للجنة الدولية للصليب الأحمر؟

هذا هو جوهر نموذج عملنا. وهذه المنظمة تتبع الإجراءات عينها، منذ بداية تأسيسها، قبل ما يزيد عن 160عاماً.

الحيادية قضية مهمة. وتتجلى أهميتها في كل صراع. فلماذا؟ لأننا في حرب وهذه الحرب لا تحدث فقط على الأرض أو في الجو، إنما  تنتشر أيضا وبشكل أكبر وأكبر في الرأي العام.  

لهذا، وبشكل أساسي، الحيادية تعني لنا أن نتحدث مع أيٍ كان متى أمكن ذلك ونستأهل ثقتهم المطلقة. فكيف ينجز ذلك؟. يتم ذلك باتباع نهج حذر جداً، وبالنظر إليها على أنها منظمة منفصلة، ولكني أؤكد ثانية أنها منفصلة عن أي نوع من الجدل السياسي في القضايا ولكن ليس عن معاناة الناس. وأريد أن أوضح أن عدم الإنخراط في الجدل السياسي لا يعني عدم الإنخراط في المعاناة الإنسانية. على العكس، مازلنا نجاهر بقوة بمعاناة الناس في مناطق مثل الرستن ومضايا أو أي مكان محاصر آخر.

وكما في كل صراع، عليك أن تفاوض، وعليك أن تعبر خطوط الجبهات، وعليك أن تعبر الحواجز. لكن هذا يتطلب المفاوضات. وهذا يتطلب ثقة الطرف الأول. وحالما يسمح هذا الطرف بالمساعدات، فيجب أن تحظى بثقة الأطراف الأخرى، الذين يتحكمون بالجانب الآخر من خط الجبهة بحيث تستطيع تسليم هذه المساعدات فعلياً دون أن تعرض طاقمك للخطر.

وكما أشرت، بعض المنظمات، بعض المجموعات كانوا أكثر جرأة. هذا جيد. وهذا خيارهم ولا أعتقد أننا نتعارض مع تلك المنظمات على أي جانب من خط المواجهة كانوا. على العكس، نحن نتكامل معهم. بالنسبة لنا ما يهم هو بدلاً من إشارة أصبع الإتهام إلى جهة أو أخرى، سنتمكن فعلياً من تسليم المساعدات إلى أولئك الناس. وأننا سوف نؤجج السجال بما شهدناه على الأرض، من خلال الحديث مع الأهالي، وبالحديث مع الأطباء، وبالحديث إلى المرأة الحامل التي أنجبت (طفلتها) في مرآب للسيارات. ولنقوم بذلك، علينا أن نصل لهذا المكان.

تفويضنا وشرعيتنا مستمدة من القانون الدولي للإنسانية، لذا فنحن مدعوون حقيقة للبلد لنقدم الدعم الإنساني. ويجب أن نكون هنا لأجل الشعب السوري.

الإعلام يتخذ مواقف، وفي الغالب، وأقولها  تماما دون جزع أو سخط، ولكن وغالباً الإعلام سواء إن كان مع طرف أو آخر فإنه يتبنى موقفاً.

فإذا كان لدينا هذه البيئة المستقطبة والمسيسة، فإننا اليوم بحاجة إلى منظمة حيادية، ولكنها وبرغم ذلك ستقف إلى جانب الشعب، أياً كانوا، وستستمر بالحفاظ على فعاليتها التنفيذية وحضورها. تخيل إذا جاهرنا بأننا مع هذا الطرف أو ذاك. فهل سنستطيع أن نعبر خطوط الجبهات ونسلم المساعدات بأمان؟، وهل نريد أن نخاطر في إمكانيتنا بمساعدة الملايين كما نفعل في سورية؟. لا أعتقد أننا نفعلها.

ودون شك، ودعني أوضح، نحن لا ننقذ سورية، نحن ننقذ الشعب السوري. وعلينا أن نكون متواضعين، أيا كان ما نفعله، وفي كل شهر نقوم بأكثر وأكثر، ولكن هذا ما يزال غير كاف. في كل شهر هناك احتياجات أكثر في شتى أنحاء سورية. ليس فقط في الرستن وتلبيسة ومضايا والزبداني والفوعة وكفريا وداريا والغوطة، ليس فقط في المناطق المحاصرة، ولكن ما يسمى بمناطق الحكومة. وهناك أناس من داريا موجودون في ريف دمشق يعيشون في الخيام أو الأبنية غير المكتملة في ظروف رهيبة. فإذا لم نساعدهم، فمن سيفعل؟.

وهذا المنهج فعال. انظر إلى عملنا داخل السجون. ما أعنيه إن زرت سجناً، فأنت تمنح ثقة من الحكومة تخولك الزيارة. فما غايتك؟. غايتك ليست الذهاب إلى السجن، لترى ما تراه، وتسجل محضراً وتتحدث عن ذلك. غايتك عودة السجناء.

ومن أجل أن يعودوا، عليك أن تعمل على حوار الثقة والذي سياعدك على أن تحظى بثقة السلطات الذين يملكون النفوذ في ذلك المكان. ولهذا السبب كانت الهيئة الدولية للصليب الأحمر بهذه الفعالية في السجون. وإذا كان ولابد أن نتحدث أو نستحث شخصا ما فسنفعل ذلك “من تحت لتحت” في حوار سري ثنائي الأطراف. وربما سيستغرق ذلك وقتاً أطول. ولكن على الأقل فسيخولنا أن نأتي بالأمل معنا دورياً وفي كل مرة نزور بها أولئك السجناء.

في بداية هذا الشهر، عدنا من مضايا لنرسل أربعة قوافل قد مضى عليها شهر تقريباً، لاحظنا اختلافاً عن المرة الأولى التي ذهبت فيها. حين ذهبت للمرة الأولى رأيت الجوع، رأيت مشاهد مريعة. والآن، حين عدنا بعد أربعة شهور، وبالطبع لم يحصل الجميع على فرصة يتحسن بها لأن هناك حالات تتطلب العناية المخصصة وهذه العناية ما تزال غير متوفرة، ولست هنا لأقول أن كل شيء على مايرام، أبداً، ما تزال حياة تحت الحصار، وما تزال صعبة.

ولكنك تلحظ تحسناً في الوضع. ولكن ماذا يحتاج هؤلاء الناس حقيقة هو ما أخبرتني به فتاة صغيرة من معضمية الشام، يريدون أن يتركوا الحصار ورائهم. (معضمية الشام، مدينة يحكمها الثوار، وتقع على بعد 12كم جنوب غرب مركز العاصمة، ورغم أنها من أوائل من وقع هدنة مع النظام في 2013، إلا أن قوات الأسد أعادت فرض الحصار عليها).

يريدون أن يذهبوا إلى المدارس والجامعات ويريدون أن يتلقوا العلاج والدواء الذي يحتاجونه وليس أملهم في الحقيقة أن تصلهم المنظمات الإنسانية. هذا هو ما يحتاجه الشعب.

 

ترجمة : فاطمة عاشور

 

آخر التقارير…