مدة القراءة: 7 دقائق | ثقافة ومجتمع, حلب, دمشق, مقابلات

بطل سوريا في كمال الأجسام: مع انتشار الأمراض المعدية والجوع، دفنت بيدي معتقلين في باحة السجن


أبريل 12, 2016

قدرت الشبكة لسورية لحقوق الإنسان،  في تقرير نشرته مؤخراً أن عدد المعتقلين من قبل جميع الأطراف خلال الحرب بلغ نحو 215ألف والغالبية العظمى من قبل النظام السوري.

إبراهيم شهابي، بطل الجمهورية في كمال الأجسام، من حلب، هو واحد من هؤلاء المعتقلين،  اعتقل من نادي كمال الأجسام الخاص به، بتهمة تجارة الأدوية دونما ترخيص في أواخر كانون الثاني عام 2011، التهمة التي نفاها شهابي  قائلا “هو جرم ليس لي به علاقة نهائيا“.

وبذلك، حكم بالسجن لثلاثين شهراً، السجن الذي ترك أولئك الذين لم يموتوا في درجة من الجوع ليأكلوا حتى من الحيطان. ويبدو  وصف شهابي للحياة في السجن في كل مشاهده وتفاصيله  كما الحال في العصور الوسطى، حيث الحراس يخشون الأمراض المعدية من السجناء االذين أضناهم المرض وأنهكهم الجوع “كانوا يرمون لنا مخصصاتنا البخسة من أسفل باب الزنزانة، خوفا من العدوى،  وعند حدوث وفاة يرموا لنا المفتاح من شباك الزنزانة لنخرج وندفنه في الساحة” وفق  ما سرد الشهابي لـ ألاء نصار، مراسلة سوريا على طول.

وكان الشهابي وله أفراد من عائلته وأصدقائه ينتمون للجيش الحر، أحد السبعة الذي أطلق سراحهم في اتفاقية تبادل أسرى مابين الجيش الحر والنظام في تموز 2013.

وغادر السجن ووزنه أقل بـ 80  كغ بالإضافة إلى الكثير من الإصابات التي تلتئم والعظام المكسورة. أما الآن عاد بقوة إلى مجال الرياضة، و قام بتحضير فريق سوري باسم سوريا الحرة محرزاً المركز الأول في تركيا لمرتين على التوالي في بطولة كمال الأجسام وتأهل لبطولات أوروبية.

 

بعد عامين ونصف في السجن، شهابي تغير وزنه من 124كغ إلى 44 كغ. حقوق نشر الصورة لإبراهيم شهابي

 

متى تم اعتقالك ؟وما التهمة الموجهة إليك ؟ولماذا تم تأخير الافراج عنك إن كانت تهمتك ملفقة؟

أنا من مواليد 1977 من مدينة الباب الشمالية في محافظة حلب كنت من عائلة ميسورة الحال، فتحت نادي بعد إنهائي للخدمة الإلزامية في سوريا وكانت أموري ميسورة

تم اعتقالي بتاريخ 28\1\2011 من نادي كمال الأجسام الخاص بي في مساكن هنانو والذي افتتحته  إلى سجن حلب المركزي بجرم تجارة الأدوية بدون ترخيص وهو جرم ليس لي به علاقة نهائيا مع أني كنت من أعضاء الاتحاد الرياضي السوري سابقا ومعي شهادة حكم دولية حاصل عليه بسوريا وحاصل على أكثر من 15 شهادة بطل سوريا والعرب وبطل الأندية العربية

طبعا أنا كنت قد حصلت على ميداليات عالمية في أوروبا وداخل سوريا وسافرت وتعلمت في أوروبا تصميم الاحذية النسائية إلى جانب تدريبي للشباب في نوادي رياضية وفي سنة 1996 عدت إلى سوريا لأرى أهلي بعد غياب طويل فأوقفتني السلطات في المطار وسحبوني تلقائيا لأداء الخدمة الإلزامية فأنا متخلف عن الجيش بالنسبة لهم وبقيت خمس سنوات في الجيش بين هروب وسجن وعقوبات، إلى أن قررت بعد خروجي من السجن أن أفتتح نادي في حلب وأن أستقر في بلدي وفي 2011 تم اعتقالي وحدث ماحدث .

وبالنسبة لتأخير الإفراج عني كان ذلك “لتشليح الناس أموالها” كل فترة بحجة دراسة وضع المعتقل وكل الاموال التي دفعت لإخراج المعتقلين ذهبت سدى فلم يفرج النظام عن أي منهم بل على العكس كانوا يتعرضون لأبشع أنواع القهر والتعذيب داخل السجن وأنا كنت واحدا منهم، صوري وفيديوهاتي قبل وبعد الاعتقال أكبر دليل على العنف والجوع الذي تعرضت له .

 

حدثني عن تجربة اعتقالك ومشاهداتك اليومية داخل السجن؟

منذ بداية الثورة ومع اعتقالنا بقينا معزولين عن باقي المعتقلين في السجن ليعطوهم فكرة بأننا إرهابيين، كنا حوالي 633 معتقل وكل 5 أشخاص في زنزانة، في غرف متر إلى متر ونصف فقط وعندما خططنا للهروب وقبضوا علينا عزلونا كل شخص لوحده  وقد ماتوا خلال فترة وجودي في المعتقل ودفنتهم بيدي ولم يبق في النهاية سوى أنا وشخص آخر، بسبب بنية جسدي الرياضية كنت قادرا على تحمل الضغوطات الجسدية والتعذيب النفسي والموت البطيء مقارنة بغيري من السجناء.

كانوا يجعلوننا نقوم بأنفسنا بدفن من يموت منا في باحة السجن خوفا على أنفسهم من العدوى من أمراضنا.

لا أدري من أين سأبدأ فوحشية النظام في التعامل معنا كمعتقلين سياسيين لا توصف، كنا نخرج للتعذيب فرداً فردااًوبالإجبار والضرب وكانت أساليب التعذيب خيالية، شيء لايمكن لعقل بشري أن  يصدقه، كانوا يضربوننا بشكل عشوائي بإسطونات حديدية على رؤوسنا وأجسامنا دون أن يكترثوا أين ستأتي ضربة الاسطوانة، فأنا شخصيا خرجت بـ 3 كسور في رأسي وكسر في كتفي كما أن ظهري مشوّه من الضرب، وقد أجريت 11 عملية تجميل لظهري. منذ خروجي من السجن وإلى الآن أعاني من الكسور التي أصابتني خلال فترة وجودي في السجن، وكلفتني حوالي 30 ألف دولار إلى الآن ومازلت أقوم بتلك العمليات، كما توفي حوالي 500 معتقل تحت التعذيب ومن تبقى مات من الجوع .

كانت مخصصات كل معتقل شهريا في السجن رغيف خبز واحد وليترين ماء فقط ، قضيت 30 شهرا وأنا على هذا الحال مع عدد كبير من المعتقلين، كان وزني 124 كيلو غراما، خرجت من السجن بوزن 44 كيلو .

أصدقائي أكلتهم الديدان وهم على قيد الحياة من شدة القذارة وقلة المياه المقدمة لنا (ليترين من الماء فقط) والتي لاتسمح لنا بالاستحمام، كما انتشرت أمراض السل والإسهال في السجن وقد عانيت منها أنا أيضا، كان كأس الماء وقطعة الخبز حلم بالنسبة لنا، “لك أكلنا الحيط من جوعنا ” وممنوع على أي ضابط أن يحادثنا.

 

كيف كانت تتم عملية التعذيب؟

أول 6 شهور كان التعذيب كل ساعة  بشتى الأساليب الإجرامية دون رحمة أو شفقة، ولكن بعد دخول مرض السل والإسهال والامراض المعدية امتنعوا من الدخول إلينا خوفا من العدوى، وكانوا يرمون لنا مخصصاتنا البخسة من أسفل باب الزنزانة، وعند حدوث وفاة يرموا لنا المفتاح من شباك الزنزانة لنخرج وندفنه في الساحة.

 

كيف كنتم تعلمون بوفاة رفاقكم ؟ وكيف تخبروا مسؤولي السجن عن ذلك ؟

أنا كنت أخبرهم عند حدوث وفاة بالمناداة بصوت عالي بشكل متواصل حتى يردوا ، كنا نعرف بوفاة الشخص بالصراخ من خلف القضبان كوننا معزولين عن بعضنا فكل شخص ينادي للذي بعده في الزنزانة  إن رد عليه فهذا يعني انه حي وإن لم يرد نعلم أنه قد توفي فننادي المسؤول لدفنه.

كان لدي واحد من أقربائي برتبة مساعد موظف في السجن تفاجأ عندما رآني مازلت على قيد الحياة، ولم أستفد شيئا من وجوده في السجن فقد كان ممنوعا من دخول أي شخص إلينا سوى ضابط علوي يدعى نزار العبد الله من مدينة جبلة، لايمكن تصنيفه من البشر على معاملته الوحشية معنا، والجدير بالذكر أن قريبي خرج مع مرافقة الهلال الأحمر التي كانت تقلنا لتسليمنا إلى الحر وانشق خلال عملية الإفراج عنا.

 

كيف تم الإفراج عنك ومن طالب فيك حتى اندرج اسمك على لائحة المطالب بهم ؟

تم الإفراج عني بتاريخ 7\10\2013 بعد مفاوضات جرت بين المعارضة والنظام برعاية الهلال الأحمر تم من خلالها الإفراج عن 7أشخاص كنت واحدا منهم مقابل 3 ضباط من بينهم شبيح.

كان اسمي أول اسم مطروح للإفراج لأنني كنت اتواصل مع كتائب الجيش الحر وعدة قادة طالبوا بي كان أولهم أخي في لواء التوحيد

، خلال فترة وجودي في السجن، كنت في الوقت الذي يستشهد فيه أحد المعتقلين وبعد خروجي لساحة السجن ودفن السجين أذهب إلى غرفة المستوصف وأسرق الهواتف المحمولة الخاصة بشرطة المستوصف أو الدكاترة في كل مرة كنت أسرق هاتفا لأحادث أخي، يبقى معي يومين أو ثلاث حتى تفرغ بطاريته ومن ثم أرميه، وقد حاولت مرة أن أهرب أنا و13 سجين من رفاقي، وعند وصولي للسور استهدفني القناص برصاصة فألقوا القبض عليّ وعلى 10 سجناء معي، بينما استطاع 3 سجناء الهرب منهم وظهروا فيما بعد على قناة الجزيرة بلقاء وتحدثوا عن معاناتهم داخل السجن، ومن ثم أعادونا إلى الزنزانة وكسروا عظامنا تحت التعذيب، وبرغم كل المصاعب لم أكن لأستسلم، بل ما شاهدته داخل السجن زاد من عزيمتي وإصراري على تحديهم بأنني لن اكون ضحية لجرائمهم البشعة.

 

  كيف يتم التعامل مع الدول لتنسيق المشاركة بالبطولات الرياضية ومن يقوم بتمويلكم كفرق سورية؟

التمويل والتنسيق من الاتحاد الرياضي التركي، وأنا سأشارك ببطولة العالم باسم تركيا ضمن الاتحاد وأدرب المشاركين من خلاله كوني لا أملك نادي، كما أنني أعمل إلى جانب التدريبات الرياضية بتصميم الأحذية النسائية في شركة Schuster، بعد خروجي من الشركة أنزل للنادي وأبدأ بالتدريب ،طبعا عندما كنت في إيطاليا كنت أعمل بالتصميم للأحذية النسائية قبل أن أحترف المجال الرياضي.

 

كيف عدت للإنطلاق وتأسيس نفسك بعد الإفراج عنك؟

بعد خروجي من السجن غادرت مدينة حلب إلى تركيا بتاريخ 4\2\2014 وعدت لممارسة الرياضة واستعدت لياقتي البدنية ولله الحمد، وأعمل مدرب في نادي بإحدى النوادي بمدينة اسطنبول التركية.

وقد خرّجت 5 أبطال سوريين في تركيا منهم حسن النعسان ومحمود حسن وحسن الخالد وحصلوا على نتائج ممتازة على مستوى الجمهورية، وأنا الآن أقوم بتجهيز نفسي للمشاركة في بطولة أوروبا لكمال الأجسام  تحت اسم سوريا الحرة.

وانا من هنا أعلنت انشقاقي عن النظام وسأرفع صورة أردوغان لأنه الوحيد الذي يدعمني في البطولات الحالية.

وقد شاركت بفيلم بطل مع المخرج المعروف عدنان جتو أسرد فيها قصة اعتقالي وماحدث معي خلال مسيرتي الرياضية وماأنا عليه الآن. 

ما الضغوطات التي كنتم تتعرضون لها كرياضيين قبل الثورة ؟وماالذي تغير الآن بعد انضمامك للهيئة العامة للرياضة والشباب كهيئة مناهضة لحزب البعث وممارساته؟

 

بالنسبة للضغوطات النظام كان يضغط علينا كثيرا، وحقوقنا دائما مستباحة، فكانت له أساليب قذرة جدا في التعامل،على سبيل المثال، كانت تُحيى بطولة “سيد الشاطئ” في كل عام بمدينة الباسل في محافظة اللاذقية ،وفي كل سنة يشارك شبان من الطائفة العلوية، وهم طبعا لهم الأولوية في البطولة حتى لو كان المشاركون  أجمل منهم  لياقة وجسما، بالإضافة إلى أنه لم يكن يصلنا أي مبلغ من  كل الجوائز المالية التي كان  يقدمها الاتحاد الرياضي للرياضيين، حيث كانت تتم سرقتها أو توزيعها على رياضيي الطائفة العلوية.

أما الآن فالوضع اختلف كليا، أصبحنا نستطيع أن ندلي بآرائنا ونتشاور فيما بيننا لإرضاء الجميع والعمل بأريحية وتدريب اليافعين واليافعات على الرياضة بالتعاون مع الهيئة مع بذل كل مابوسعنا لإسعادهم وإنشاء جيل رياضي محترف بعيدا عن قذارة السياسة البعثية التي سلبت حقوقنا.

كيف هي  نظرتك للنظام، الآن ؟

أنا منذ دخولي لمطار سوريا منذ 1996 واعتقالي من داخل المطار قبل أن أرى أهلي، تغيرت نظرتي في هذا النظام الفاشل الفاجر وا برأيي لم يبق شيئا اسمه نظام في سوريا منذ بداية الثورة لولا دعم الأنظمة له ، نظام ساقط دمر البلد وقتل شعبه تعجز كلماتي عن وصف وحشيته وهمجيته وإجرامه فما رأيته بأم عيني في المعتقلات لا يستطيع عقل أن يتقبله.

 

ترجمة : فاطمة عاشور

آخر التقارير…