مدة القراءة: 5 دقائق | إدلب, تقارير, حلب, سياسة

بعد “الخذلان” من تصريحات أوغلو: “لن نصالح” صرخة سورية رداً على تركيا


أغسطس 12, 2022

عمان- “لا تصالح!. ولو منحوك الذهب، أترى حين أفقأ عينيك، ثم أثبت جوهرتين مكانهما، هل ترى؟ هي أشياء لا تشترى”. 

بهذا البيت للشاعر المصري أمل دنقل، ردّ السوريون بغضب على تصريحات وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، أمس الخميس في مؤتمر صحفي عقده على هامش اجتماعات المؤتمر الـ13 للسفراء الأتراك المنعقد في العاصمة التركية أنقرة، الذي كشف فيه عن لقائه بوزير خارجية النظام السوري، فيصل المقداد، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، على هامش اجتماع حركة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الصربية بلغراد.

وقال أوغلو:”علينا أن نصالح المعارضة والنظام في سوريا بطريقة ما، وإلا فلن يكون هناك سلام دائم”.

وشهدت معظم مناطق النفوذ التركي في شمال سوريا، ومناطق سيطرة هيئة تحرير الشام في محافظة إدلب، خروج مظاهرات منددة بتصريحات أوغلو، اليوم الجمعة، استمراراً للاحتجاجات التي اندلعت أمس الخميس.

ردد المحتجون هتافات رافضة لتصريحات أوغلو، وأحرقوا إطارات السيارات، وبلغت الاحتجاجات ذروتها، الخميس، بحرق العلم التركي، في خطوة غير مسبوقة، فيما تفاعلت أعداد كبيرة من السوريين على وسائل التواصل الاجتماعي مع الحدث تحت وسم “لن نصالح”.

“الخذلان” من التصريحات التركية الأخيرة، كان سيد الموقف بالنسبة لعدد من المدنيين والنشطاء والسياسيين والعسكريين التابعين للمعارضة، الذين تحدثوا إلى “سوريا على طول”، مجتمعين على رفض طرح أنقرة.

وفي ذلك، وصف ماجد عبد النور، الصحفي المقيم في إدلب، تصريحات أوغلو بأنها “طعنة غدر في ظهر الثورة السورية”، معتبراً أن السوريين “كانوا يعولون على تركيا بشكل كبير، لدرجة أننا خسرنا المحيط العربي إرضاء لتركيا، لكن الأخيرة حولت فصائلنا إلى مرتزقة في ليبيا وأذربيجان مقابل أن تستمر تركيا في دعم ثورتنا وقضيتنا”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وبدورها، شاركت سناء العلي، التي تنحدر من مدينة كفرنبل جنوب إدلب، بالمظاهرات “لنؤكد على موقفنا الرافض للمصالحة مع النظام”، كما قالت لـ”سوريا على طول”، مشددة على “استحالة أن ننسى تهجيرنا من منازلنا، ودماء شهدائنا، وآلام معتقلينا”.

ونددت العلي، المقيمة حالياً في مدينة إدلب، بتصريحات أوغلو، قائلة: “إذا أرادت تركيا والمعارضة أن تصالح النظام هذا شأنهم. أما نحن صامدون وثوار إلى الأبد غصباً عن تركيا والأسد”.

وقرأت الصحافية عائشة صبري، المقيمة في تركيا، السياسة التركية الأخيرة، بما في ذلك تصريحات أوغلو على أنها “مراوغات سياسية من أجل الانتخابات التركية القادمة في عام 2023 إرضاء للشارع التركي”، وتمهيداً لـ”للعملية العسكرية المزمع إطلاقها [ضد وحدات حماية الشعب] في تل رفعت ومنبج”.

وبمعزلٍ عن مصالح تركيا، فإن القضية بالنسبة للسوريين “قضية شعب ثار ضد حكم مستبد، وليس خلافات سياسية يُمكن حلّها بالمصالحة بينهما”، بحسب صبري. مقابل ذلك، شددت في حديثها لـ”سوريا على طول” أن يستمر السوريون في احتجاجهم على أن يكون “التظاهر سلمياً”، متوقعة أن تستجيب أنقرة لمطالب السوريين “لأنها تدرك خطورة انقلاب الشارع السوري الذي كان جنباً إلى جنب مع الأتراك”.

أمام ردة فعل السوريين، أصدرت الخارجية التركية بياناً، اليوم الجمعة، أكدت فيه مواصلة أنقرة “جهودها الحثيثة من أجل إيجاد حل دائم للنزاع في سوريا بما يتماشى مع تطلعات الشعب السوري”. قبل ذلك عدّلت وكالة الأناضول التركية تصريح أوغلو، مستبدلة كلمة “مصالحة” إلى “اتفاق” بين المعارضة والنظام.

موقف المعارضة

سارعت مؤسسات وشخصيات سياسية وعسكرية معارضة، بما في ذلك المدعومين من تركيا أو الذين يعملون في مناطق نفوذها، بإعلان رفض فكرة المصالحة مع النظام السوري، كما جاء في مجموعة تغريدات قادة وأعضاء “هيئة ثائرون للتحرير” التابعة للجيش الوطني السوري (المعارض) المدعوم من تركيا، نُشرت اليوم الجمعة، منها تغريدة القائد العام للهيئة، فهيم عيسى، الذي اعتبر أن “بشار الأسد رأس الإرهاب في سورية ومصدره”، مشدداً على أنه “لا مكان للأسد أو النظام في مستقبل سوريا”.

وبدوره، نشر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة، اليوم الجمعة، بياناً أكد فيه على أن “نظام الأسد نظام إبادة ارتكب آلاف جرائم الحرب بحق الشعب السوري”، وشدّد على ضرورة “العمل الجاد من كل دول العالم الحر من أجل بناء تحالف دولي لمحاسبة نظام الأسد”.

وقال عضو الهيئة السياسية في الائتلاف، هادي البحرة، الذي يشغل أيضاً منصب الرئيس المشترك للجنة الدستورية عن المعارضة، أنه لا يمكن تحقيق السلام “إلا عبر إجراء انتقال سياسي شامل وحازم، على أساس قرار مجلس الأمن رقم 2254 وبيان جنيف لعام 2012”. 

وفي هذا السياق، قال عضو سابق في الائتلاف الوطني، شريطة عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية، أن تصريحات أوغلو ليست تحولاً في سياسة تركيا وإنما استمرار في موقفها، مستدلاً على ذلك بإبلاغ الجانب التركي لرئيس الائتلاف السابق خالد خوجة أن “تركيا لا تهدف إلى إسقاط النظام، وإنما تتحرك وفق مصالحها وأمنها القومي”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وفي الوقت الذي عبّرت تلك المؤسسات عن دعم السوريين الرافضين للتصريحات التركية، حاولت أن تمسك العصا من المنتصف، والاعتراف بموقف أنقرة. إذ نشرت الحكومة السورية المؤقتة التابعة للائتلاف بياناً ثمّنت فيه ما قدمته تركيا على كافة الأصعدة العسكرية والمدنية والخدمية، معتبرة أنها كانت “مثالاً للدعم الصادق والموقف الحق”.

وطالبت الحكومة المؤقتة احترام رموز الآخرين، في إشارة إلى حرق العلم التركي من قبل أحد المحتجين شمال غرب سوريا، معتبرة أن “للعلم التركي رمزية… لذلك يجب علينا احترام هذه الرمزية والخصوصية التي تم التجاوز عليها”، من قبل من وصفتهم بـ”المغرضين والجاهلين الذين لا يمثلون قيم الثورة والسوريين”.

ورغم التصريحات الإعلامية الصادرة عن مؤسسات وشخصيات معارضة، التي تدعم موقف الشارع السوري في شمال غرب سوريا، أبدت عدة مصادر تحدثت إلى “سوريا على طول”، موقفاً سلبياً من كيانات المعارضة، كونها “لم تحقق مطالب الشعب السوري”، كما قالت عائشة صبري، معتبرة أن ردة فعل الشارع مهمة لـ”التفريق بين المعارضين والثوار”، كما أنها “فرصة أخيرة للمعارضة من أجل الاصطفاف إلى جانب الشارع الثائر ضد الأسد”.

حاولت “سوريا على طول” الحصول على تعليق من رئيس الائتلاف، سالم المسلط، وشخصيات أخرى في الائتلاف، لكنها لم تتلق رداً حتى لحظة نشر هذا التقرير. وبدوره اعتذر الناطق الرسمي باسم الجيش الوطني، يوسف الحمود، عن التعليق، كونه خارج مهامه منذ ثلاثة أشهر “والمنصب شاغر حالياً”، وفق قوله.

التداعيات على العلاقات

عبّرت بعض الأصوات التركية عن صدمتها بتصريحات وزير خارجيتها، إذ “من الغرابة بعد 11 عاماً أن يكون هناك اعتقاد بأن نظام الأسد يمكن أن يعقد السلام مع المعارضة”، كما جاء في تغريدة الباحث التركي إسماعيل جوكتان، مضيفاً: “إذا كنت رئيس مركز أبحاث وطرح أحد الباحثين عندي ذلك لما تركته في وظيفته دقيقة واحدة”.

في المقابل، تسبب حرق العلم التركي وإزالته من فوق أبنية بعض مؤسسات المعارضة في شمال غرب سوريا بردة فعل غاضبة من الشارع التركي، وذهبت مواقع إلكترونية تركية إلى تحميل “الجيش السوري الحر” مسؤوليته حرق العلم التركي.

ورغم توقعه أن تحاول تركيا “امتصاص الغضب الشعبي السوري” الرافض لتصريحات أوغلو، إلا أن ما حدث “قد يؤثر على مستقبل العلاقة بين تركيا والثورة السورية”، كما قال النقيب المنشق عبد السلام عبد الرزاق لـ”سوريا على طول”، من مكان إقامته في ريف حلب الشمالي.

من جهتها، أصدرت نقابة المحامين الأحرار، في 11 آب/ أغسطس الحالي، بياناً طالبت فيه بـ”وقف كافة أشكال الوصاية التركية على الثورة السورية”، و”إسقاط كل شخص أو هيئة تتابع المفاوضات السياسية مع هذا النظام الإرهابي”، إضافة إلى بنود أخرى.

واستنكر محمود الهادي، نقيب المحامين الأحرار، التصريحات التركية، مشدداً على أن “الشعب السوري الذي ثار وانتفض في وجه القمع والظلم هو من يقرر مصيره ولا أحد يقرر عنه”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

ومع تأكيده على “رفع الوصاية على الشعب السوري”، أشار الهادي إلى “ضرورة التحالف مع الجانب التركي وأن تبقى العلاقات جيدة بفضل العقلاء والحكماء من الشعبين”.

مؤخراً، لم يعد الصحفي محمد حاج قدور، المقيم في ريف حلب الشمالي، ينظر إلى تركيا على أنها “دولة صديقة أو حليفة” بسبب مواقفها وسياساتها بما في ذلك “دورها في اتفاقية أستانة التي خسرنا بعدها كل شيء”، كما قال لـ”سوريا على طول”، موضحاً أنه يحاول “تحذير الدائرة المحيطة من سياساتها”.

ومع أن الأتراك “سيحاولون تدارك تأثير تصريحات أوغلو بعد ردة فعل الشارع”، إلا أنه على صعيد شخصي “لن أصدق أي تصريح من الجانب التركي”.

يتفق مع ذلك الناشط الإعلامي أحمد رحال، المقيم في إدلب، معتبراً أنه لا يمكن الحديث عن قطع العلاقات مع تركيا “لأنها الواجهة الشمالية لسوريا والشريان الرئيسي للمنطقة”، وأضاف متهكماً: “إذا ما أرادت تركيا لنا السلام مع النظام، فإننا ندعوها إلى تحقيق سلام دائم مع قسد [قوات سوريا الديمقراطية]”.

آخر التقارير…