مدة القراءة: 8 دقائق | تقارير, ريف دمشق

بعد المصالحة: أهالي وادي بردى محبطون من عدم تنفيذ النظام لوعوده بـ”الحياة الطبيعية”


مارس 5, 2017

في 28 كانون الثاني، بث التلفزيون السوري صور جنود النظام وهم يرفعون علم الحكومة فوق بناء مغطى بالثلج والركام.

“نحن على نبع عين الفيجة بعد شهر وثلاثة أيام والحمد لله تم الانتصار على الإرهاب”، وفق ما قال عقيد بالقوات المسلحة في الجيش السوري للصحفيين الموالين للحكومة في اليوم التالي، وهو يقف بجانب الدعائم المتهاوية والزجاج المهشم في محطة ضخ المياه الرئيسية في العاصمة.

وكانت محطة مياه نبع عين الفيجة تغذي دمشق بنسبة 70% من مياهها. إلا أنه وفي كانون الأول الماضي، تم تدمير آليات المحطة، مما أثار أزمة مياه طالت 5.5 مليون نسمة داخل العاصمة ومحيطها. وتبادل الثوار والنظام اتهامات الإدانة فيما بينهما.

وفي آواخر كانون الأول، شن الجيش السوري والميليشيا الحليفة له حملةً لانتزاع السيطرة على المحطة من الثوار المقاتلين. وأعقب ذلك حرباً شعواء في شتى أنحاء وادي بردى، والذي يتألف من كوكبة من عشر قرى خاضعة لسيطرة المعارضة تلتف حول محطة نبع مياه عين الفيجة، والذي يبعد 15 كم شمال غرب دمشق.

لخمسة أسابيع من المعارك الدموية الطاحنة، استغل الجيش السوري فيها بشدة ما يملك من قوة بشرية وقوة نارية. واكتسح قوات المعارضة بوابل الغارات الجوية والبراميل المتفجرة والقذائف المدفعية والهاون ورصاص القناصة، مخلفاً وراءه أثار الدمار وموجة من النزوح. واستنزف النظام قوات المعارضة من ذخائرها وكبدها عشرات المقاتلين أثناء قصفه البنى المدنية التحتية وفرضه حصاراً خانقاً يضمن فيه أن لا دخول للغذاء أو الدواء لوادي بردى.

جنود الأسد يرفعون علم النظام في عين الفيجة في 28 كانون الثاني. حقوق نشر الصورة للمركز الإعلامي في وادي بردى.

وجاءت حملة الجيش العربي السوري، وهي الأوسع منذ معركة حلب، بجميع ما أتت به سابقتها: مئات الإصابات، حركة نزوح جماعية للمدنيين، وختامها نصر للنظام.

وتركت المفاوضات في آواخر كانون الثاني عشرات آلاف الأهالي في وادي بردى أمام خيارين: الرحيل إلى محافظة إدلب شمال غرب سورية، تحت حكم الثوار، أو البقاء وقبول العفو تحت مظلة النظام.

وركب نحو 2100 مقاتل من وادي بردى مع عائلاتهم في باصات الحكومة المعدة للإخلاء وغادروا، وهم يعلمون أنهم على الأغلب لن يعودوا أبداً إلى منازلهم.

ووعد نظام الأسد من قرروا البقاء والذين يقدر عددهم بـ30 ألف نسمة، بـ”العودة للحياة الطبيعية” في ظل “الأمن والاستقرار” الذي حققته القيادة العامة للجيش والقوات المسلحة. وضمنت اتفاقية المصالحة، وفق ما تواردت الأنباء، حرية الحركة لأهالي بردى، وإنهاء الحصار الخانق، وإعادة إعمار القرى المتضررة خلال مسار الحملة العسكرية “في فترة محددة”.

بعد شهر واحد من المصالحة، ذكر سبعة أشخاص من عمال الإغاثة الإنسانية والمدنيين داخل وادي بردى لسوريا على طول أن النظام انتهك الاتفاقية  من خلال الاعتقالات العشوائية للأهالي ومنع الأهالي من العودة إلى منازلهم، وحظر دخول الدواء والمحروقات إلى المنطقة. 

ليس هناك من ضمانات

ويعرف وادي بردى بين السوريين، باحتضانه الجميل لعين الفيجة، الذي يؤمن المياه العذبة للعديد من أحياء العاصمة، بما فيها المزة والمالكي، الأحياء الثرية التي تضم بين سكانها كبار مسؤولي النظام والموالين له. وتصطف عشرات المحال والمطاعم على طريق النبع، مما جعله وجهةً يقصدها آلاف الدمشقيين في عطلهم.

اليوم بلدة عين الفيجة التي تضم النبع ومحطة الضخ، ليست سوى هيكلاً لما كانت عليه ذات يوم.

خلال الحملة العسكرية للجيش العربي السوري والتي استمرت خمسة أسابيع، قُتل على الأقل نحو “200 شخص”، وأصيب “400 آخرين”، وفق ما تواردت الأنباء ونزح آلاف الأهالي من منازلهم، وأطلقت مجموعة من المنظمات المدنية في وادي بردى “نداء استغاثة”، نشر على الانترنت في الشهر الماضي، وأكدته عدة مصادر لسوريا على طول.

 قوات الجيش السوري داخل عين الفيجة في 30 كانون الأول. حقوق نشر الصورة لـ STRINGER/AFP/Getty Images. 

وكثيراً ما اضطر الأطباء خلال المعارك، إلى اللجوء لبتر الأطراف كإجراء طبي أولي ووحيد أمامهم، بسبب افتقارهم إلى التدريب على حالات الطوارئ ونقص الموارد، بالإضافة إلى أنه لم يكن يُسمح بدخول اللوازم الأساسية مثل الغذاء والدواء والوقود إلى الجيب الخاضع لسيطرة الثوار، كما أن النظام طوق الجيب الثوري بالحواجز وجعله تحت رقابة مشددة ليضمن أن لا مهرب للأهالي.

“لم يختلف الاتفاق في الوادي عن المصالحة في كل المناطق الأخرى؛ النظام يحاصر الأهالي ويقوم بتجويع الناس وتهجيرهم للرضوخ وتحقيق مطالبه في النهاية”، وفق ما قال علي، 27 عاماً، بنّاء سابق في وادي بردى لسوريا على طول.

وقال شخص آخر من أهالي وادي بردى، وهو ما يزال على سرير المستشفى في محافظة إدلب، وطلب عدم ذكر اسمه أنه رحل نتيجة سياسة “الأرض المحروقة” التي انتهجها النظام في حملته، “لا لست نادم على خروجي من وادي بردى فأفضل أن أُترك وجراحي تنزف وتأكلني الوحوش ولا أعيش مع هذا الجيش الذي قتل أبناء البلد وهجرهم واحتل أراضيهم وخطف زهرة شبابهم وعاث بالأرض فساداً”.

إذن فلماذا اختار عشرات آلاف الناس البقاء، والخضوع للنظام والإذعان له برسم نهاية لانخراطهم في الثورة؟

حين سئلوا، تحدث ثلاثة من أهالي وادي بردى لسوريا على طول عن أمالهم الكبيرة، ـالتي لم تتحقق، ــوالتي وعد النظام أن يلتزم بها في البنود الواردة في اتفاقية المصالحة.

“النظام قدم ضمانات بعدم الدخول الى قرى وادي بردى وإعادة تفعيل المؤسسات وفتح الطرقات وتحسين الوضع المعيشي، الأمر الذي جعلني أفضل البقاء في منزلي مهما حدث”، وفق ما قال علي، وبعد شهر من المصالحة “ليس لدينا أي ثقة بالنظام فلا عهود له ولا ومواثيق ولا يعرف الإنسانية ولا الرحمة”.

من جهة ما، لبى النظام بعض بنود الاتفاقية؛ فالموادالغذائية دخلت أخيراً إلى وادي بردى، وعادت الكهرباء إلى بعض القرى، وأصبحت الحركة بين البلدات ممكنة أخيراً، دون الخوف المستمر من القنص والقصف.

ولكن ومن جهة أخرى، ورغم الضمانات التي منحها مفاوضو النظام، فإنه إلى الآن لم يف بوعده بإعادة أهالي افرة وهريرة وعين الفيجة وبسيمة التي تقع خارج حدود المناطق العسكرية التي تسيطر عليها الحكومة.

وقال علي “لم يف النظام بوعده بإعادة الأهالي، ولا يوجد موعد محدد لإعادتهم أو مصداقية في إعادتهم. وفي الحقيقة لا أؤمن بإعادة أهالي بسيمة وعين الفيجة وأعتقد أنه لن يسمح لهم بالعودة”.

في السياق، قال شهود عيان، من القرى المجاورة، لسوريا على طول، أنهم سمعوا أصوات الانفجارات ورأوا الدخان يتصاعد من بلدة عين الفيجة، التي تضم نبع الماء المتنازع عليه. وقال أبو أيمن، أحد المدنيين الذين بقوا في وادي بردى، وهو أب لثلاثة أطفال، إن “تفجير المنازل في بسيمة وعين الفيجة هو توسيع لحرم النبع واستملاك للقرية”.

من جهتها، نقلت وسائل الإعلام الرسمية السورية، عن محافظ ريف دمشق، علاء إبراهيم، قوله إن “عمليات إصلاح محطة ضخ المياه سيتم إنجازها في أقرب وقت ممكن”، لكنها لم تعلق بشأن تدمير المنازل في عين الفيجة.

 المدنيون يستعدون لقبول تسوية النظام، ومغادرة وادي بردى في  11 كانون الثاني. تصوير: سانا. 

وقالت عدة مصادر لسوريا على طول، أن النظام يلقي منشورات في جميع أنحاء وادي بردى، يزعم فيها أنه سوف يسمح للأسر بالعودة إلى قراها، مقابل تطوع الرجال بالفرقة الخامسة التابعة للجيش العربي السوري، وهي الفرقة المكلفة بالقتال في محافظة درعا.

وقال علي “الناس تعيش حالة من الخوف والحذر والترقب (…) والنظام خرق الاتفاق باعتقال بعض المدنيين بالرغم من أنه تعهد أن لا يتعرض لأحد”، مشيرا إلى أن التنقل بين القرى داخل وادي بردى أصبح أمراً صعباً بالنسبة للأهالي الذين يواجهون خطر الاعتقال.

وأضاف “لا يوجد أي تصريح أو تبرير منه حول ذلك، إنما مجرد مماطلة ومراوغة”.

وبحسب عدة مصادر، فإن ما يقارب “20 شخصا، رجال، نساء ومراهقين، يُعتقلون كل أسبوع على حواجز النظام المنتشرة بين القرى.

وقال أبو أحمد، واحد من أهالي وادي بردى، وطلب عدم ذكر اسمه، أنه عندما يتم اعتقال الأهالي من قبل الضباط، دون تقديم أي تفسير، يبقى “مصيرهم غير معروف، حيث يتم اقتيادهم لجهة مجهولة”، مضيفاً “هذا خرق واضح للاتفاق الذي توصل إليه الثوار مع النظام برعاية روسية، دون أي رادع للنظام (…) ففي الواقع ليس هناك من ضمانات”.

“ندمت على بقائي”

ومع منع النازحين من العودة إلى القرى التي يسيطر عليها النظام، يعيش عشرات الآلاف من الأهالي في عدد من البلدات المكتظة، والتي تفتقر إلى الخدمات، ولم يُسمح للأمم المتحدة أو اللجنة الدولية للصليب الأحمر بتوصيل المساعدات الإنسانية منذ اتفاق كانون الثاني.

وقالت ليندا توم، المتحدثة باسم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لسوريا على طول، من دمشق أن “ما يصل إلى 17.500 شخص نزحوا من وادي بردى إلى القرى المجاورة، منذ بدء القتال، في 23 كانون الأول 2016. وعلى الرغم من توقيع الاتفاقيات، إلا أن انعدام التعاون بين الطرفين يشكل عائقا أمام وصول المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين”.

وبحسب توم، دخلت آخر شحنة مساعدات أممية إلى وادي بردى في عام 2014، كما أن طلب الأمم المتحدة لإدخال المساعدات في كانون الثاني 2017 “تم رفضه من قبل الحكومة”، بينما وصلت قافلة مساعدات تابعة للهلال الأحمر العربي السوري، إلى أهالي وادي بردى في 12 شباط.

وفي حين يسمح النظام بإدخال كميات قليلة من المواد الغذائية إلى وادي بردى، يمنع دخول الإمدادات الحيوية كالوقود والأدوية والمعدات الطبية، منعاً باتاً.

في سياق متصل، قالت إنجى صدقي، المتحدثة باسم اللجنة الدولية للصليب الأحمر، في دمشق، لسوريا على طول، إن “دخول المساعدات الإنسانية بشكل سريع ودونما عوائق هو أمر ضروري”.

 موظفو الهلال الأحمر العربي السوري يوزعون المساعدات الغذائية في وادي بردى في 12شباط. تصوير: الهلال الأحمر العربي السوري في ريف دمشق

ويقول سكان وادي بردى أنهم يتلقون معاملة مجحفة فيما يتعلق بتأمين مياه الشرب بأسعار معقولة. وبحسب علي “المياه لم تعد إلى الآن، ولكن تم ضخها بشكل إسعافي إلى أحياء دمشق وريفها كما يستمر العمل على صيانة نبع عين الفيجة وخط مياه بردى”.

ونتيجة لذلك، يعاني سكان وادي بردى من “نقص مياه الشرب”، وفقا لما قالته مالين جنسن، المتحدثة باسم مكتب اليونسيف الإقليمي في الشرق الأوسط، لسوريا على طول.

وأضافت جنسن إن قرى وادي بردى “يتم تزويدها عادة بالمياه من الآبار المتصلة بالشبكة الرئيسية. أما الآن، ومع نقص الكهرباء والوقود اللازمة لتشغيل الآبار، بالإضافة إلى الأضرار الناجمة عن القتال الأخير، في خط أنابيب وادي بردى، الذي يمر بهذه القرى، فإن إمدادات مياه الشرب انخفضت بشكل كبير”.

ومن المحتمل “أن تستغرق إعادة ترميم مضخة مياه نبع الفيجة حتى نهاية عام 2017″، وفقا لما قالته جنسن، مشيرة إلى أن “اليونيسف دخلت المنطقة وساهمت في تقييم حجم الأضرار تقنيا”.

وبعد شهر واحد من تسوية الأوضاع مع النظام، يلجأ الأهالي الآن إلى الآبار الخاصة غير النظامية والتي تجعلهم عرضة للأمراض بسبب احتمال تلوث المياه.

وعبّر جميع أهالي وادي بردى الذين تحدثت معهم سوريا على طول عن يأسهم وتلاشي الأمل لديهم “بالعودة إلى الحياة الطبيعية”. وسادت حالة غضب بسبب عدم التزام النظام بوعوده، وبالكاد هناك أدلة تشير إلى أنه سيحترم بنود الاتفاق. كما عبّر البعض منهم عن ندمه على البقاء وعدم الذهاب إلى إدلب حين أتيحت لهم الفرصة.

وقال أبو أيمن “لا أحد يجرؤ على سؤال قوات النظام عن عدم إيفائهم بوعودهم (…) ولا أظن إن بقي الوضع هكذا أن نبقى في وادي بردى، فلم يعد لدينا قدرة على تحمل أوجاع وقهر أكثر مما تحملنا”.

وأضاف “ندمت على بقائي، فلو خرجنا ونمنا في أزقة إدلب لكان أشرف لنا من أن نرى بلادنا، وتعب عشرات السنوات، يُفجّر بلحظة وبدم بارد دون أن نتجرأ على التفوه بكلمة”.

 

آخر التقارير…