مدة القراءة: 5 دقائق | ثقافة ومجتمع, دمشق, شتات ومهجر, مقابلات

بعد تطوعه مع جمعيات خيرية في الأردن: معلم سوري يؤسس مركزا لتعليم المتسربين من المدارس


يونيو 23, 2017

في واحد من أحياء شمال عمان، يمشي هيثم الوزير، 44 عاما، في ممرات مركز التبيان التعليمي برفقة طلابه الصغار.

افتُتح مركز التبيان التعليمي العام الماضي، ويضم الآن 80 طفلا لاجئا ويتيما في الصفوف المتدرجة من الروضة حتى الصف الخامس. وأسس الوزير المدرسة بمباركة من الحكومة الأردنية كوسيلة لتعليم الصغار السوريين الذين لم تتح لهم فرصة الالتحاق بالمدارس.

يقول الوزير إن “النتائج إيجابية جدا بفضل الله”، ويضيف “ما أروع الطفل عندما نراه متعلقا بمشروعنا”.

وقبل أن يصبح معلما في مدينته، درس الوزير، وهو ابن مدينة دوما في الغوطة الشرقية، اللغة العربية والشريعة الإسلامية في جامعة دمشق. وعندما وصلت أحداث العنف إلى مسقط رأسه، عام 2013، فر مع عائلته إلى الأردن.

وعند وصوله، استقر الوزير في منطقة صويلح، شمال العاصمة الأردنية. وطوال ثلاث سنوات، عمل الوزير كمتطوع في عدة مؤسسات خيرية ومبادرات تعنى باللاجئين.

ومن خلال عمله في مساعدة العائلات السورية، لاحظ الوزير شيئا أثار قلقه، وهو أن العديد من السوريين لم يسجلوا أطفالهم بالمدارس بالرغم من وجودهم في الأردن منذ سنوات، حيث وجدت بعض الأسر أن عملية التسجيل “صعبة”.

وتُعرف الحكومة الأردنية بأنها “تطلب أكواما من الأوراق الثبوتية وغيرها لأبسط الأمور”، إلا أن بعض الأسر السورية لا تمتلك هذه الأوراق كونها فرت من الحرب على أمل العودة سريعا.

أطفال مركز التبيان في وقت الفراغ. تصوير: مركز التبيان.

يقول الوزير، لمراسلة سوريا على طول، آلاء نصار، والتي زارت المركز هذا الأسبوع، أن عدد الأطفال السوريين المتسربين من المدارس بـ”الآلاف”. ويتابع “هذا رقم مخيف”.

واليوم، يعمل الوزير على إعادة الأطفال السوريين إلى المدارس. وتمكن الوزير، بدعم من الجمعيات الخيرية الأردنية وأفراد عائلته، من وضع قائمة بأسماء الطلاب الذين توقفوا عن التعلم بسبب الحرب، في حيه.

ويتلقى أطفال التبيان دورات في اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات. والهدف الرئيسي للوزير هو جعل الأطفال مستعدين للالتحاق بالمدارس الحكومية، بحسب ما يقوله لسوريا على طول.

يقول الوزير “أنا كمعلم أوجه اهتمامي نحو العلم وبناء الجيل، والأمة الجاهلة لا وجود لها ولا مستقبل لأبنائها”.

ما هي أبرز الأسباب التي فاقمت ظاهرة تسرب الطلبة السوريين من المدارس؟

الذي توصلت إليه أن سبب التسرب أولا هو جهل الأهالي وضعف المتابعة للأطفال، وكم ظن منهم أن الحرب قصيرة وسيعودون إلى مدارسهم في سوريا ومرت السنين ومازالوا ينتظرون، والبعض على علم أن من لم يحمل أوراقه الثبوتية لا يتم تسجيله، ولكن هناك تعليمات جديدة بالتعاون بين الحكومة الأردنية واليونيسيف على قبول هؤلاء الاطفال.

يضاف إليها عمالة الأطفال، وكم من أطفال بسبب فقر اللجوء تركوا المدارس وذهبوا للعمل وهذه ظاهرة للأسف كبيرة.

هل هناك أي جهة تمول المركز؟ وما هي أبرز الصعوبات التي واجهتكم بعد إنشائه؟

لا اخفيك وهذا معلوم أن الدعم اليوم أصبح أمرا شاقا جدا ونزل إلى أقل مستوياته، ويهدد بقاء واستمرار هذه المشروعات الرائعة مع الأسف “شبح قلة الدعم”.

ليس هناك جهة ممولة لأن المشروع يقوم على جهود تطوعية ومبادرات إنسانية بحتة، وتم الترتيب القانوني مع جمعية الكتاب والسنة التي اعتبرت مشروع التبيان التعليمي من مشروعاتها.

ومبادرتي هذه يساعدني بها بعض أهلي وأصدقائي المهتمين والذين أتواصل معهم وأبّين لهم أهمية متابعة مشروع التعليم هذا.

واجهنا مشكله جديدة وهي أن هؤلاء الطلاب متاخرين دراسيا عن أقرانهم، مما اضطر الحكومة أن تخصص لهم منهاجا خاصا سمي منهجا استدراكيا.

هل اعتمدتم آلية معينة لاستقبال الطلبة في المركز، وهل طلبتم أية أوراق ثبوتية معينة؟ هل هناك أي نشاطات أخرى يقدمها المركز سوى التعليم؟

يقبل الطالب السوري في مشروعنا ضمن سن الروضة الابتدائي (كونه يعاني من تخلف دراسي بسبب وضع الحرب واللجوء)، ونحاول تقديم الدعم النفسي العاطفي ونوفر له جو الأمان والرعاية النفسية كي يتقبل المادة المعرفية، كما نعتني بالجانب التربوي التنموي من خلال منهج خاص لليتيم السوري اعتمدته ووضعته اللجنة العلمية بجمعية الكتاب والسنة، وما نطلبه من أوراق هي  صورة المفوضية فقط لتثبيت المعلومات عن الطالب والتواصل مع أهله، وقد سجل عندنا بعض الأطفال اليمنيين، وهم يتعلمون مع أقرانهم السوريين.

عملت على الاهتمام أولا بالأيتام، وعملت على ثلاثة محاور معهم: المحور العاطفي المشاعري والمحور التربوي السلوكي ومن ثم المحور التعليمي، لأن الطفل اللاجىء يحتاج إلى مشاعر قبل العلم، كما أنني وجهت الاهتمام بشكل خاص لأطفال الروضة لأن طفل الروضة ليس لديه مدرسة حكومية ولا يستطيع الأهل تسجيله في روضة خاصة لغلاء أجورها، حيث أن مشروعنا يقوم على رعاية أطفال الروضه عبر منهاج روضة متكامل مع معلمة متطوعة متخصصة والنتائج إيجابية جدا بفضل الله.

كما أننا نحاول كذلك عمل ورشات عمل مع الأهالي حول الارشاد الأسري وقد شاركت مؤسسة نور الحسين مشكورة بعمل فعالية حول العنف الاسري مع أهالي الأطفال.

بعد أن ينهي الطالب تأسيسه لديكم، أنتم من تحولوه لمدرسة حكومية معينة أم الحكومة من تقرر؟

حول وضع الطالب في المدرسة الحكومية فهي من يقرر في أي صف يوضع حسب عمره وما وصل اليه من صف سابق في مدرسته.

هل الشهادة التي يقدمها المركز معترف بها في المدارس الحكومية في المملكة؟

بالتاكيد نحن مبادرة تطوعية خدمية إنسانية، نساعد الطفل كي يتجاوز المرحلة الأولى للحاق بمستوى زملائه في المدارس الحكومية، وليس عندنا منح أي شهادة في دوراتنا العملية.

كم عدد الطلبة في المركز حاليا؟ وكم عدد المعلمات داخل المركز وهل جميعهن سوريات؟

أطمح إلى مكان متسع ليستوعب قاعة إضافية، فالمركز صغير يستوعب نحو 100 طفل فقط، غالبيتهم سوريون، وهناك بعض الطلبة اليمنيين والأردنيين ممن يقطنون في الجوار.

المعلمات سوريات متطوعات عددهن  3 وهن من سكان الحي نفسه مما يوفر المواصلات لديهن، وتم مقابلتهن حيث هن جميعا من خريجات جامعات وأهل اختصاص وخبرة.

برأيك كم سيساعد عمل هذا المركز بتغيير حياة ومستقبل طفل كان سيقضي حياته أميّا دون تعليم؟

بالتاكيد هذه المشروعات تحتاج لدعم لاكمال مسيرتها في تربية الجيل لأن التخلف والجهل يجعل صاحبه مستقبلا إنسانا مجرما أو متسولا عاطلا، فالعلم والتربية أساس الأمان الإجتماعي والسلم الأهلي.

ونحن على تواصل دائم مع أهالي الطلبة عن طريق اجتماعات ينفذها المركز لأولياء الطلبة، حيث أن هذا التواصل مهم جدا في نجاح العمل التعليمي.

ما هي أكثر قصة أثرت بك، واستطعت مساعدتها؟

أكثر طفل أثر بي هو طفل يتيم اسمه محمد. كان في الثامنة من عمره عندما أحضرته أمه إلى المركز لتناقش معنا أمرا شخصيا.

بدأ ينظر حوله ويشاهد الطلاب يلعبون. وكان من الواضح أن ذلك أحزنه.

سألت والدته عن سببه التفاته حوله بهذا الشكل. وأخبرتني أنه منقطع عن المدرسة ولا يستطيع الكتابة أو القراءة.

أشعر بالحزن والرغبة بالبكاء عندما أتذكر كيف كان ينظر بعينيه إلى الأطفال والمركز حوله.  

تدبرت الأمر وقمت بتسجيله في المركز. ولا أستطيع أن أشرح لك مدى سعادتي عندما أصبحت أراه لاحقا وهو يرتدي زي المركز ويحمل كتبه والابتسامة ترتسم على شفتيه.  

وهذا الشيء من منطلق ديني هو مماثل للصلاة والصيام وقراءة القرآن.

ترجمة: سما محمد.

آخر التقارير…