مدة القراءة: 5 دقائق | إدلب, تقارير, ثقافة ومجتمع, فيروس كورونا

بعد تفشي فيروس كورونا شمال غرب سوريا: هل يستطيع القطاع الصحي الصمود


نوفمبر 5, 2020

عمان- فوق كونها أكثر مناطق البلاد بؤساً، شهدت شمال غرب سوريا مؤخراً ما يمكن وصفه بالانفجار في أعداد الإصابات بفيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، لتصل يوم أمس إلى 7,059 إصابة، سجل 4,701 إصابة منها في تشرين الأول/أكتوبر الماضي وحده، مع توقع بارتفاع الأعداد بشكل أكبر خلال الشهر الحالي.

إذ أظهرت “الدراسة التنبؤية التي أجرتها اللجنة العلمية التابعة لفريق الاستجابة منذ تسجيل أول إصابة في الشمال السوري [في 9 تموز/يوليو 2020]”، كما قال مدير قسم الرعاية الثانوية في مديرية صحة إدلب، د. يحيى نعمة، لـ”سوريا على طول”، أن “منتصف تشرين الثاني/نوفمبر الحالي هو ذروة انتشار الوباء” في المنطقة الأخيرة الخاضعة لسيطرة المعارضة، شمال غرب سوريا.

يفاقم خطورة الوضع أن أكثر من 13% من حالات الإصابة بفيروس كورونا في شمال غرب سوريا كانت بين مشتغلين في الرعاية الصحية، إضافة إلى 7.5% بين عاملين آخرين في قطاع الصحة، وفقاً لتقرير صادر عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، في 20 تشرين الأول/أكتوبر الماضي.

مستشفيات مكتظة بالمرضى

منذ ظهور أول حالة إصابة بفيروس كورونا المستجد في شمال غرب سوريا، بدأت مديرية صحة إدلب بالتعاون مع المنظمات المحلية الشريكة بوضع خطط استجابة صحية للتعامل مع الوباء، بحسب د. نعمة. إذ من أصل تسع مستشفيات في المنطقة، تم تخصيص ست منها “منتشرة في كامل مناطق المحرر [الخارجة عن سيطرة نظام دمشق]، تستقبل الحالات العالية الخطورة من المصابين بالفيروس، و33 مركز حجر صحي مجتمعي للحالات المتوسطة الخطورة، تنسق فيما بينها وبين منظمات الدفاع المدني ومنظومات الإسعاف في مديرية صحة إدلب”، كما أضاف.

وبحسب “أوتشا”، تتوافر في مستشفيات شمال غرب سوريا 645 سريراً، 142 منها ضمن وحدات العناية المركزة، و155 جهاز تنفس. وإضافة إلى مختبر إدلب الذي يحوي جهازين لإجراء الفحص الخاص بوباء كورونا (بي. سي. آر)، افتتح في تشرين الأول/أكتوبر الماضي مختبران في مدينتي جرابلس وعفرين بريف حلب، يحتوي كل منهما على جهاز “بي. سي. آر”.

أما بشان منهجية الاستجابة الطبية للحالات المشتبه بإصابتها بالوباء، فإنه يتم الإبلاغ عن هكذا حالات “من قبل الأطباء في المؤسسات الصحية، ليتم نقل [المصابين] إلى مراكز العزل المجتمعي حيث يتم جمع العينات وإجراء فحص “بي. سي. آر” لتحديد النتيجة”، بحسب د. محمد سالم، المسؤول في برنامج الإنذار المبكر والاستجابة (EWARN) في وحدة تنسيق الدعم

لكن إجراء الفحوصات “ليس المكون الأكثر أهمية”، كما قال سالم في حديثه إلى “سوريا على طول”. إذ إن “الإجراءات الطبية التي تلي النتيجة أكثر أهمية من النتيجة ذاتها”. موضحاً أن “الاستجابة الطبية قاصرة وغير كافية، كما يوجد أخطاء في تطبيق خطط الاستجابة الطبية، لعدم وجود جسم حوكمي حقيقي يقود عملية الاستجابة في الميدان وينسق مع كل الجهات العاملة على الأرض”.

وبالرغم من الإمكانات المحدودة، “يعمل فريق التقصي الوبائي بأقصى طاقته منذ وصول الوباء إلى المنطقة” بحسب د. نعمة، “من خلال القيام بإجراء نحو 1000 تحليل “بي. سي. آر” يوميا للحالات العالية الخطورة فقط، ممن يحتاجون عناية مركزة ويعانون أمراضاً مزمنة، لأن الوباء انتشر ولا نستطيع فحص جميع الناس”. لافتاً إلى وجود “ضغط كبير على المستشفيات بسبب الأعداد الضخمة للمراجعين”، بحيث صارت “أسرّة المستشفيات جميعها ممتلئة بالمرضى، كما نعاني من نقص مولدات الأكسجين، وأدوات الوقاية الشخصية من كمامات ومعقمات”. 

وكانت منظمة الصحة العالمية أعلنت، في 24 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، تسليم شحنة “تزن 8.8 طن مجموعات طبية وأدوية لنحو 2000 مستفيد ومعدات حماية شخصية تكفي لتوفير الحماية لأكثر من 4000 من العاملين في مجال الرعاية الصحية”. لكن هذه الإمدادات تم تسليمها لوزارة الصحة التابعة لحكومة دمشق، ولا يعرف بعد ما إذا كان لشمال غرب سوريا حصة منها. وقد حاولت “سوريا على طول” التواصل مع المنظمة للحصول على تعليق، من دون رد حتى لحظة إعداد التقرير.

أزمة إنسانية-اقتصادية تفاقم التردي صحياً

لا يعد مفاجئاً تفشي وباء كورونا بهذا الشكل في مناطق شمال غرب سوريا، من حقيقة الأوضاع الإنسانية الصعبة التي يعيشها نحو 4 ملايين شخص هناك. وكان وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية ومنسق الإغاثة في حالات الطوارئ في الأمم المتحدة، مارك لوكوك، قد ذكر في إيجازه لمجلس الأمن الدولي الشهر الماضي أن “الانتشار السريع للفيروس [في منطقة الباب، بمحافظة حلب، حيث تم تسجيل 30% من الحالات هناك] لا يعد مفاجئاً بدرجة كبيرة”. موضحاً أن “نقص المياه منذ العام 2017 مسّ 185 ألف شخص في المنطقة، مع توقف الإمداد من محطة عين البيضاء. إذ منذ ذلك الحين أصبحت الباب واحدة من بين أكثر أربع مناطق سجلت أمراضاً منقولة بالمياه”.

وإضافة إلى “نقص المياه ووسائل النظافة الشخصية واستخدام الحمامات المشتركة”، كما أكد مدير مشفى شام للعزل الصحي في مدينة الدانا بريف إدلب الشمالي، د.عبد الرحمن حلاق، فإن “السبب الرئيس لزيادة الحالات هو الكثافة السكانية في المخيمات والتجمعات الكبيرة هناك”. كما إن “الأهالي هناك لا يستطيعون عزل أنفسهم بسبب الاكتظاظ”، كما أضاف لـ”سوريا على طول”.

وبالرغم من “محاولات فرق التوعية المجتمعية العمل على توعية أهالي المخيمات بمخاطر الفيروس، وتخصيص زيارات دورية تصل المخيمات الحدودية كافة، وتوزيعنا كمامات قماشية متعددة الاستعمال وقابلة للغسيل، على أهالي المخيمات، مطابقة للمواصفات التي أطلقتها منظمة الصحة العالمية، إلا أننا لا زلنا نشهد نوعا من اللامبالاة وعدم الالتزام بالإرشادات الصحية لدى البعض”، بحسب المشرف التقني في قسم الصحة المجتمعية بمنظمة خبراء الإغاثة، د. محمد خيرت. 

في هذا السياق، رأى د. سالم أنه “ليس من السهل إقناع المجتمع المصدوم والمظلوم في الحالة السورية باتباع إجراءات وقاية من شأنها نظريا أن تزيد من معاناته”. موضحاً أن “منع التجمعات ولبس الكمامات وزيادة استخدام المعقمات تشكل عبئا اقتصاديا عليهم، ناهيك عن عدم وجود سلطة حقيقية تستطيع فرض أي إجراءات عزل أو مخالفات”. 

فوق ذلك، “فإننا نستطيع أن نرى مصاباً بفيروس كورونا يذهب إلى عمله بدلا من أن يحجر نفسه”، كما قال د. صلاح الدين الصالح، مدير مشفى الزراعة في إدلب، أحد المشافي المخصصة لاستقبال مرضى فيروس كورونا. مضيفاً أن “حجته مبررة بأنه يريد أن يعيش، فلا يستطيع التوقف عن العمل كي لا ينقطع مصدر رزقه”. 

وبحسب بيان صادر عن المنظمات الإنسانية العاملة في شمال غرب سوريا، في 28 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، ونشر على صفحة مديرية صحة إدلب على “فيسبوك”، فإن “71% من الأسر غير قادرة على تغطية احتياجاتها المعيشية”، كما أن “أكثر من ثلث العوائل أثرت [جائحة كورونا] على مدخولاتهم المالية”.

وتعد النساء الأكثر تأثراً في هذا السياق، لأنهن أكثر عرضة للعمل في القطاع غير الرسمي الأكثر هشاشة في مواجهة الوباء. 

وبحسب تحليل صادر عن منظمة كير العالمية، في نيسان/أبريل الماضي، حول تأثير فيروس كورونا في الشرق الأوسط، فإن تأثر النساء بالوباء يشمل خسائر في سوق العمل غير الرسمي، ومستويات مرتفعة من العنف ضدهن، وزيادة أعباء رعاية الأطفال خارج المدرسة، كما المرضى وكبار السن من أفراد الأسرة.

وقد أظهرت دراسة صادرة عن مؤسسة فريديش إيبرت في تموز/يوليو الماضي أنه “عندما يمرض [أحد أفراد الأسرة]، تزداد احتمالية تقديم النساء الرعاية له، ما يعرضهن لخطر الإصابة بالفيروس بشكل أكبر”. محذرة من مخاطر إضافية على المدى البعيد، من قبيل “ضعف التعليم الذي قد يتسبب أيضا في زيادة عمالة الأطفال، كما الزواج القسري نتيجة معاناة الناس ماليا”.

وتمنى نعمة أن “تنظر الجهات الدولية الممولة لمنطقتنا بجدية أكثر من حيث رفع الإمكانات الطبية ودعم البنى التحتية والقطاع الغذائي والإنساني، لأن قادم الأيام سيكون أسوأ مما هو الآن، فكل التوقعات تشير إلى كارثة مرتقبة”.

آخر التقارير…