مدة القراءة: 7 دقائق | تقارير, ريف دمشق

بعد ثلاثة سنوات من هدنة مضطربة شرقي دمشق: حملة مباغتة للنظام تعطل تجارة الأنفاق


مارس 11, 2017

يفرض النظام السوري حصاراً حول ثلاثة أحياء خاضعة لسيطرة الثوار في شرقي دمشق تُشكل مدخلا للغذاء والمحروقات وغيرها من الإمدادت التي يتم تهريبها إلى الضواحي القريبة التي تسيطر عليها المعارضة شرقي العاصمة.

وتشكل الأحياء الثلاثة الواقعة شرقي دمشق: القابون وتشرين وبرزة، معقلا صغيراً للمعارضة بين ضواحي شرقي دمشق المحاصرة، ودمشق الخاضعة لسيطرة النظام. ويفصل أوتستراد دمشق حمص الذي تسيطر عليه الحكومة، الغوطة الشرقية عن هذه الأحياء الثلاثة فقط ببضعة كيلومترات، ولكن شبكة أنفاق بناها الثوار تتشعب تحت الأوتستراد وتصل منطقتي المعارضة ببعضهما.

وتتيح الأنفاق للمهربين أن يتسللوا بالبضائع الحيوية إلى الغوطة الشرقية، التي يحاصرها النظام السوري منذ عام 2012. ورغم أن معظم البضائع تدخل الغوطة الشرقية من خلال نقاط تجارية شبه معترف بها من قبل الحكومة السورية، إلا أن الأنفاق كانت، حتى وقت قريب، إحدى الطرق القليلة المتاحة للثوار لجلب المستلزمات التي هم بأمس الحاجة إليها في الغوطة الشرقية بدون موافقة النظام.

ولكن وفي الشهر الأخير، اتجهت قوات الحكومة إلى تطويق المعقل الثوري الثورية شرقي مدينة دمشق وقطع أهم شرايين الحياة عن الغوطة الشرقية المجاورة.

وفي 17 شباط، منعت حواجز النظام المنتشرة على الطرق المتوجهة من وإلى حي برزة، الواقع في أقصى شمال دمشق، المدنيين من الخروج وحظرت إدخال الغذاء والمستلزمات.

وبِغلق كل مداخل الطرق التي تفضي إلى برزة، فإن النظام بتر خط الصلة الأول في عملية التهريب للغوطة الشرقية. وفي غضون أيام، نفد المهربون من البضائع التي يرسلونها للضواحي، وبدأت عملية التهريب عبر الأنفاق تتلاشى وتنهار.

حي القابون في 28 شباط. حقوق نشر الصورة لـ المكتب الإعلامي لحي القابون بدمشق.

وتزامن حصار برزة مع حملة القصف العنيف على الأحياء الثورية في شرقي دمشق، التي أخذت الأهالي الذين عاشوا في ظل هدنة غير رسمية لأكثر من ثلاثة سنوات على حين غرة.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، استمر النظام بقصف المنطقة بالغارات الجوية والصواريخ والهجمات البرية فيما يبدو وأنه حملة لانتزاع السيطرة على الأحياء الثلاثة من الثوار.

ومنذ بدأ الهجوم، قُتل أكثر من خمسين شخصاً وأصيب 200، وفق ما ذكر المكتب الإعلامي الموحد في دمشق، مجموعة من الإعلاميين السوريين يغطون منطقة دمشق الكبرى، في 6 أذار.

وفي يوم الإثنين وحده، ضربت ست غارات جوية على الأقل القابون، الذي ظل يُقصف بالمدفعية والصواريخ على مدى الأسبوع، وفق ما تواردت الأنباء. ولم يأت الإعلام الحكومي الرسمي على ذكر الهجوم مباشرةً، ولكن في 7 أذار أدان تقرير صادر عن وكالة أنباء سانا الحكومية استهداف “الإرهابيين” دمشق بالصواريخ التي “تشن من الغوطة الشرقية والقابون”.

ثغرات في طوق الحصار

إن خسارة أحياء برزة وتشرين والقابون ستكون صفعة كبيرة للمعارضة في الغوطة الشرقية، وتقطع “الشريان المغذي للغوطة الشرقية” وتتيح للنظام “تشديد القبضة والحصار على الغوطة”، وفق ما قال ناشط إعلامي من حي تشرين، لسوريا على طول في الشهر الماضي.

وحين سقطت منطقة المرج الخصبة؛ السلة الغذائية للغوطة الشرقية بيد النظام ساهمت أنفاق التهريب بتخفيف وطأة الخسارة من خلال تمكين الثوار من تهريب الغذاء إلى داخل الضواحي.

وفوق الأرض، فإن المدخل الرئيسي لإيصال الإمدادات للغوطة الشرقية، وبموافقة النظام، هو مدخل الوافدين عند خط الجبهة الشمالي مع قوات الحكومة.

ويتيح حاجز الوافدين، شبه الرسمي، الخاضع لحكم النظام للتجار في الغوطة الشرقية شراء البضائع الواردة من دمشق ومن ثم بيعها داخل مناطق الحصار بأسعار متضخمة جداً. ويتواطئ المنتفعون في الحرب مع مسؤولي النظام لتسهيل حركة الإمدادات إلى داخل المعقل الثوري.

ويدير معبر الوافدين محي الدين المنفوش، عرّاب حرب محلي، وشخصية مراوغة تُشتهر بامتلاكها شركة توزيع أغذية وألبان.

ووقع المنفوش عقوداً مع كل من النظام والثوار للسماح للمهربين بشراء الغذاء في الغوطة الشرقية، بعد أن ملأ مخازن البقالة بمنتجاته، وجعلت منه الاتفاقية رجلاً ثرياً، وفق ما جاء في تقرير للمجلس الأطلسي، مركز أبحاث مقره العاصمة واشنطن.   

ورغم أنه من غير الواضح كيف صنع المنفوش علاقته بالنظام، إلا أن رشاويه المنتظمة لمسؤولي الحكومة التي تبلغ “مئات آلاف الدولارات” تبقي معبر الوافدين مفتوحاً، وفق ما قال عضو المجلس المحلي في برزة لسوريا على طول.

ورغم أن حملة النظام الأخيرة في شرقي دمشق، أوقفت حركة الإمدادات عبر أنفاق التهريب تحت الأرض، إلا أن معبر الوافدين ما يزال يعمل بشكل طبيعي، وإن كان “بأسعار مرتفعة”، وفق ما قال عضو المجلس المحلي.

ويعترف كبار الثوار والمدنيون على حد سواء بالدور الهام الذي يحتله المنفوش بتغذية الغوطة الشرقية. ويقدِر محمد راتب، صراف عملة يعمل بشكل وثيق مع الشركات الدولية والمنظمات الإنسانية أن 150طنا من المواد الضرورية تدخل يومياً عبر حاجز الوافدين.

وإن فقدت المعارضة أنفاق تهريب البضائع، فإن الغوطة الشرقية بأكملها ستصبح على الأغلب تحت رحمة النظام بجميع ما تحتاجه. فالمحروقات والغذاء والدواء والذخيرة لن تعد تتدفق عبر الأنفاق، وسيُجبر الثوار على التفاوض أو التنسيق مع النظام لجلب حتى أبسط المقومات الأساسية.

وفي حال أغلق النظام معبر الوافدين، ومع خروج الأنفاق عن الخدمة، فيمكن أن تشهد الغوطة الشرقية “كارثة”، وفق ما حذر رئيس منظمة الإغاثة الإنسانية، العاملة في الجيب الثوري المحاصر.

ويشعل الحصار الخانق ونقص الغذاء الذي يلوح بالأفق الذعر بين الأهالي البالغ تعدادهم 45000 نسمة، ولا سيما مع ارتفاع أسعار البضائع اليومية إلى ثلاثة أضعاف في بعض الأحيان، مع مسارعة الأهالي لادخار الغذاء.

حملة شرسة

وقعت كل من أحياء برزة والقابون وتشرين اتفاقية هدنة مع النظام، منذ أكثر من ثلاث سنوات.

ففي كانون الثاني عام 2014، وافق حي برزة على هدنة غير رسمية، مع النظام، والتي أدت إلى توقف القتال في الحي، كما سمحت للثوار بالبقاء فيه.

وبعد شهر واحد، في شباط 2014، وافق الثوار في حي القابون وتشرين على هدنة غير رسمية مماثلة. وبالرغم من وقوع اشتباكات على فترات متقطعة، وحصار النظام للمنطقة، استمرت الهدنة حتى الشهر الماضي.

في تلك الأثناء، استفادت كل من الحكومة والمعارضة من الهدنة؛ فبالرغم من تطويق النظام للمنطقة وتفتيش البضائع التي تمر عبر الحواجز، تمكن الأطفال من العودة إلى مدارسهم، كما تمكن طلاب الجامعات من المغادرة للالتحاق بالمحاضرات الجامعية وسط مدينة دمشق، وعمل النظام على توفير المياه والكهرباء لمعظم أجزاء المنطقة، وشيئاً فشيئاً عادت الحياة إلى طبيعتها.

كما نصت الهدنة على استعادة النظام إمكانية الوصول إلى أوتستراد هام، يمر عبر برزة، ويربط دمشق الخاضعة لسيطرة النظام بضاحية الأسد ذات الغالبية العلوية، وهي منطقة يحكمها النظام تقع شمال الغوطة الشرقية، وتضم عددا كبيرا من كبار ضباط الجيش والمسؤولين.

إلا أن النظام، وقبل عدة أشهر، أضاف شرطا آخر لشروط الهدنة: أن يوقف ثوار القابون إرسال السلع عبر أنفاق التهريب.

وقال عضو في المجلس المحلي في برزة، لسوريا على طول “كان النظام يطالب بإغلاق الأنفاق التي تربط القابون بالغوطة وكان من المتوقع أن يقوم بحملة عسكرية لإغلاقها لزيادة الضغط على الغوطة. ولكن ليس بهذه الشراسة”.

وأضاف “كان إغلاق الطرق متوقعاً، ولكن التوقيت كان غير معروف مسبقا”.

وبدأت أُولى الضربات الجوية على الأحياء الثلاث، بحي القابون، في الثاني من شباط، والتي أسفرت عن مقتل اثنين من المدنيين، وفقا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، الشهر الماضي.

في السياق، قال محمد عبد الرحمن، صاحب محل تجاري في الغوطة الشرقية “انخفض دخول المواد إلى الغوطة الشرقية مع أول ضربة على القابون، وبعض الأصناف انقطع دخولها تماما”.

ولم يتبعها أي هجمات أخرى حتى 17 شباط، عندما أطلقت الحكومة عشرات الصواريخ وقصفت الحي جواً. وبعد ذلك بيوم، أعلن موقع المصدر نيوز، الموالي للنظام عن “عملية عسكرية كبيرة” في الأحياء الثلاثة لـ”طرد الإرهابيين” من المنطقة.

من جهته، قال المحلل العسكري والعميد السابق في الجيش العربي السوري علي مقصود، لروسيا اليوم، من دمشق، في 21 شباط، إن الهجوم على الأحياء الثلاثة جاء بعد “أن بدأ الثوار القيام بأعمال تجارية عبر الأنفاق التي تربط القابون بالغوطة الشرقية”.

وتابع مقصود “لهذا السبب جاءت هذه العملية لطرد الإرهابيين من ضواحي دمشق”.

الحصار الاقتصادي

إن شبكة الأنفاق التي تربط الغوطة الشرقية بالقابون وبرزة ليست سراً، مع ذلك، ولكنها ما تزال موضوعاً حساسا بين الأهالي وفصائل المعارضة، قلما يتم الحديث عنه. حيث رفضت عدة مصادر التعليق على تجارة الأنفاق. وقال أحد أعضاء المجلس المحلي في الغوطة الشرقية لسوريا على طول إنه تلقى إنذاراً، من جيش الإسلام، الفصيل المسيطر في المنطقة، لعدم مناقشة هذا الموضوع مع الصحفيين.

إلى ذلك، بدأت عمليات حفر الأنفاق الرئيسية في عام 2014، حين دخلت الهدنة غير الرسمية حيز التنفيذ في برزة، وفي وقت لاحق القابون وتشرين. وبالرغم من وقف عمليات العنف، بقيت الأحياء تحت سيطرة الثوار، وبسبب قربها من الغوطة الشرقية المحاصرة، شكلت هذه الأحياء موقعا مثاليا، لنقل السلع والبضائع إلى الغوطة المحاصرة.

وتتفاوت تقديرات حجم السلع التي تدخل الغوطة الشرقية من خلال أنفاق التهريب. ووفقا لمحمد راتب، الذي يعمل صرافا للعملة، فإن نصف السلع التي تباع في الغوطة الشرقية تأتي من الأنفاق. في حين قال مسؤولون في المعارضة، أن حجمها لا يتجاوز الـ10%.

وعمل النظام على الحد من دخول الإمدادات الرئيسية من خلال معبر الوافدين، كالوقود الذي تم حظره، إلا أنه لم يوقف الأمر تماما، وهو ما ساعد على إدخال الطعام إلى ثوار الغوطة من جهة وملء جيوب مسؤولي النظام بالمال من جهة أخرى.

وأوضح عضو المجلس المحلي، أنه في حال أُغلق معبر الوافدين وفرض النظام سيطرته على أنفاق التهريب، فإن المخزون الاستراتيجي من المواد الغذائية والأساسية يمكن أن يصمد مدة “4-5 أشهر فقط”.

“تضييق الخناق”

يستغل “الانتهازيون” من أصحاب المحال التجارية، في الغوطة الشرقية، مخاوف السكان، فيرفعون الأسعار لتلبية الطلب المتزايد. وفي بعض الحالات، يحتكرون بعض السلع ويغلقون أبوابهم، بانتظار فتحها بعد أن يرفع التصعيد العسكري، مستقبلاً، الأسعار مرة أخرى.

وجاء الحصار الأخير للغوطة الشرقية في عام 2014، عندما قام النظام بتطويق معقل الثوار كلياً ومنع المساعدات الإنسانية والمواد الأساسية من دخول المنطقة.

وقال خالد، شاب من مدينة دوما، في الغوطة الشرقية “الوضع مضطرب، ولست مضطراً لأجرب حظي، فالشراء الآن بسعر مرتفع أفضل من الشراء بأضعاف مضاعفة”.

وبحسب رئيس إحدى المنظمات الإنسانية في الجيب الثوري المحاصرة، فإن فقدان برزة والقابون وتشرين “من شأنه أن يضيق الخناق على الغوطة الشرقية”، مضيفاً “في النهاية، النظام يريد استعادة السيطرة على المنطقة بأية وسيلة ممكنة، سواءً بالقتل أو الغارات الجوية أو القصف المدفعي أو التجويع وحتى استخدام الكيماوي أو أي شيء آخر (…) رأينا بأعيينا ما حدث لحلب”.

المادة الأصلية للصوت السوري  لـ عبد الحق همام.

ترجمة: فاطمة عاشور

آخر التقارير…