مدة القراءة: 4 دقائق | درعا, مقابلات

بعد خمس سنوات من المرض والفقدان: مزارع في درعا يستسلم لليأس بتمني الموت في كل دقيقة


ديسمبر 13, 2016

قرر أبو أيمن مؤخرا التوقف عن غسيل الكلى، فقطع مسافة 100 كم مرتين أسبوعياً من ريف درعا الغربي الخاضع لسيطرة المعارضة إلى العاصمة دمشق لتلقي العلاج لم يكن بالأمر السهل على رجل مسن مثله.

وكونه مدني، يستطيع أبو أيمن العبور إلى مناطق سيطرة النظام لتلقي العلاج الطبي، الذي يحتاجه حيث توقف المشفى القريب من بلدته في مدينة نوى غرب درعا، عن تقديم خدمات العلاج.

لكن بعد خمس سنوات من إصابته بمرض الكلى، ومعاناته مرض السكري المزمن، يقول المزارع من مدينة درعا لمراسلة سوريا على طول بهيرة الزرير، أنه لم يعد يهتم بصحته، أو حتى حياته.

ويضيف أبو أيمن بعد أن خيم اليأس على كل ما ينظر إليه بعد أن فقد ابنيه في الثورة، التي لم تزح الأسد عن السلطة، “أشعر بالألم ولم أعد متمسك بالحياة،  فلم يعد هناك ما يميز الحياة عن الموت”.

“ملامح وطن” لأكرم أبو الفوز وبسام الحكيم. حقوق نشر الصورة لـ الذاكرة الإبداعية للثورة السورية

  • أبو أيمن، 52، مزارع من نوى، درعا مريض كلية وسكري

صف لي حالك الآن؟

أنا رجل كبير بالسن في ظل الحرب، ليس لدي معيل كان لدي شابان قتلا في المظاهرات السلمية في مدينة نوى منذ بداية الثورة، وأعتمد على مبلغ من المال يقدمه لي فاعلو الخير لأعيش به أنا وزوجتي.

والذي زاد وضعي سوءاً هو حاجتي للعلاج، وعدم توفره في مدينة تسيل منذ أربعة أعوام.

هل تشعر أن مرضك أصبح عبئاً عليك في ظل الحرب؟

نعم غياب العلاج شكل لي عبئاً إضافياً من الخوف وانعدام الأمان، وحزني على بلدي وأبنائي كل كلماتي لا تعبر عن القهر بداخلي، أصبحت أتمنى الموت بكل دقيقة، لأن كل شيء في بلدي أصبح صعب المنال الدواء والأمان، حتى أبنائي قتلهم النظام.

حدثني عن معاناتك مع المرض خلال السنوات الخمسة، وخاصة ما بعد غسيل الكلى؟

أول سنة كان العلاج بالأدوية، وكانت متوفرة والوضع طبيعي.

ولكن بعد مضي سنة على إصابتي بالفشل الكلوي، وحاجتي إلى غسيل الكلى الذي لم يعد متوفراً في المنطقة الغربية، كنت أمام خيارين،أحدهما العلاج في مشافي دمشق، وثانيهما الذهاب إلى مشفى نصيب.

وكنت أختار غالباً  الذهاب إلى مشافي  دمشق، لأني أستطيع أن أذهب بالباص، الذي يكلفني 300 ليرة سوري، بينما الذهاب إلى نصيب كان  يكلفني الضعف لأني أضطر إلى أن أستأجر سيارة خاصة.

أذهب إلى نصيب فقط عند الحالات الإسعافية فقط.  

هل تستطيع أن تعيش حياة طبيعية رغم مرضك؟

أشعر بالألم ولا أشعر بطعم الحياة، فلم يعد هناك ما يميز الحياة عن الموت، وفي الكثير من الأيام لا أذهب الى غسيل الكلى إلا مرة اسبوعياً.

لأنني كل مرة أذهب بها إلى مشافي دمشق، أشعر أننا بعد كل الذي جرى منذ بداية الثورة حتى الآن لم نحقق من مطالبنا شيئاً وأصبحنا نقطع مسافة كبيرة الى دمشق للعلاج، وهذا الكلام يعني أننا مازلنا نعترف بالنظام وهو مازال سيد البلاد، رغم كل الدماء والدمار الذي أحدثه.

لم أعد متمسكا بالحياة، لأننا تعبنا كل شيء بات غير متوفر العلاج، المال، الأمان.

في الشهر الماضي افتتح مستشفى تسيل مركز غسيل الكلى لأول مرة منذ أربع سنوات، ولكنه يستوعب فقط ستة مرضى من أصل 17مريضا في ريف درعا الغربي، كيف كان شعورك حين علمت أنك لن تتمكن من الاستفادة من آلات الغسيل الجديدة؟

ببداية الأمر فرحت فرحاً شديداً وأخيراً  بعد أربعة أعوام من عدم توفر غسيل الكلى في مشفى تسيل، ومعاناة التنقل بين مشافي دمشق ومشفى نصيب، أصبح ذلك متاحاً.

ولكن صدمت عند مراجعتي للمشفى وقالوا لي أنه تم الحصول فقط على جهاز واحد ويلبي احتياجات المرضى الأقرب فقط من المشفى.

إذن، فأنت تذهب للعلاج في دمشق، حدثني عن رحلتك، وكم مرة تذهب، وكيف تتم معاملتك على الحواجز؟

في عام 2013 بدأت معاناتي بالذهاب الى مشافي دمشق للعلاج، وذلك بعد إغلاق قسم غسيل الكلى في تسيل وتحويلي من قبل الطبيب إلى دمشق.

كنت أذهب لغسيل الكلى كل شهر مرتين، في العاصمة دمشق، ولكن كنت أتعرض على حواجز النظام للتفتيش وخاصة بسبب اسم عائلتي، كون العديد منهم انضموا للقتال، فأصبحت أذهب مرة واحدة في الشهر.

وكل مرة يقولون لي على الحواجز “أهلا وسهلاً بالإرهابي”، هذا عندما ينظرون إلى هويتي ويقولون لي مازلتم تريدون حرية إلى الآن يا أهل درعا؟

ويسألوني “أين أولادك هل أنت قادم لوحدك دون أبنائك؟”، أجيبهم أبنائي “توفوا”، فيضحكون ويقولون “لأنهم إرهابيين قتلناهم لو نعرف بماذا فادتكم الثورة!”.

بما أن المشفى في تسيل لا يلبي حاجاتك الصحية، فلماذا لا تسكن في دمشق حيث تستطيع أن تتلقى علاجاً؟ مالذي يدفعك للبقاء في درعا؟

لا أريد أن أخرج من منزلي وسأبقى صامداً فيه حتى أموت لم يبق لي سوى هذا المنزل من أيامي قبل الحرب.

ترجمة: فاطمة عاشور

آخر التقارير…