مدة القراءة: 5 دقائق | شتات ومهجر

بعد سنوات من الحرمان: سوريون في الأردن يستقبلون ذويهم من بوابة “السياحة”


أبريل 18, 2022

عمان- “كنت أخشى الموت قبل أن أراهم ثانية”، هكذا وصفت أم أحمد مشاعرها قبل أن تلتقي بأبنائها وأحفادها اللاجئين في الأردن، بعد عقدٍ من الفراق، نتيجة إغلاق الحدود أمام السوريين منذ العام 2013 إلا في حالات استثنائية.

وصلت أم أحمد، 60 عاماً، إلى عمّان، منتصف آذار/ مارس الماضي، في رحلة استغرقت ثماني ساعات، ولكن شعرت “كأنها سنة”، مستفيدة من قرار وزارة الداخلية الأردنية، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، السماح لحملة الجنسية السورية دخول الأردن ضمن مجموعات سياحية، شريطة أن تتقدم المكاتب السياحية بطلب مسبق للداخلية، وتحتفظ بجوازات سفر الزائرين لحين مغادرتهم البلاد.

ونسيت السيدة الدمشقية كل مشاعر الوحدة والحنين التي رافقتها منذ ربيع 2011 “بمجرد أن احتضنتهم من جديد”، كما قالت لـ”سوريا على طول”. “كانت أجمل أيام حياتي”، وصفت أم أحمد زيارتها للأردن، حيث اجتمعت من جديد مع أبنائها الثلاثة، وتعرفت على أحفادها الذين ولدوا في الأردن، وقصّت عليهم “حكايات ما قبل النوم، وحدّثتهم عن الشام وبيت العائلة” في حيّ ركن الدين الدمشقي، كذلك أعدّت بعض أطباق الطعام السوري في “استحضار مرحلة ما قبل الشتات والاغتراب”.

لكن مشاعر ابنها أحمد، الذي تكفل بإجراءات استقدامها كانت مزيجاً من الفرح والحزن، فوجه أمه “أعاد إلى ذاكرتي رائحة البلاد والطفولة، وملامح من استشهدوا خلال الثورة”، قال أحمد لـ”سوريا على طول” بصوت مرتجف.

استفادة محدودة

في مطلع العام الحالي، تواصل أحمد، 35 عاماً، اللاجئ إلى الأردن في العام 2012، والأب لطفلين، مع إحدى شركات السياحة والسفر في العاصمة الأردنية بهدف استقدام أمه، وحصل على عرض سعر مقداره 180 ديناراً أردنياً (254 دولار أميركي). تتضمن أجرة الحافلة ذهاباً وإياباً، وفحص فيروس كورونا لمن لم يحصل على اللقاح ، فضلاً عن تأمين كفيلين؛ المستقدِم، وآخر يحمل الجنسية الأردنية، وفقاً لأحمد.

إضافة لذلك، يتعين على السوريين العائدين إلى بلادهم، تصريف 100 دولار أميركي لليرة السورية بحسب سعر الصرف الرسمي، البالغ 2814 ليرة للدولار الواحد، كشرط للعودة إلى البلاد، علماً أن سعر الصرف في السوق الموازية 3925 للدولار.

ورغم انخفاض تكاليف زيارة السوريين إلى الأردن مقارنة بما كانت عليه بعد تفعيل قرار وزارة الداخلية الأردنية مباشرة، إلا أنها تبقى باهظة بالنسبة للاجئين السوريين في الأردن، حيث يعيش نحو 80% منهم تحت خط الفقر، ويعملون في قطاعات حرفية ومهنية، بعضهم وفق نظام “المياومة”. 

لذا، فإن قرار تسهيل إجراءات دخول السوريين إلى الأردن، غير كافٍ بالنسبة لنحو 674 ألف لاجئ سوري في الأردن، وفق آخر الأرقام الصادرة عن مفوضية شؤون اللاجئين، إذ إن تكاليف الزيارة المرتفعة تحول دون إمكانية استفادتهم من القرار والالتقاء بذويهم، كما ذكر عدد من اللاجئين الذين تحدثوا لـ”سوريا على طول”.

وفيما استند أحمد على مساعدة مالية من خاله، المقيم في أوروبا، لتأمين تكاليف استقدام والدته، فإن محمد الحريري، الذي ينحدر من قرية الغارية الغربية في محافظة درعا جنوب سوريا، اضطر لعدة أشهر اقتطاع جزء من راتبه، البالغ 350 دينار أردني شهرياً (492 دولار تقريباً) لتأمين مبلغ استقدام والده، الذي يعيش وحيداً في سوريا بعد وفاة زوجته، كذلك استدان جزءاً من التكاليف. 

وقال الحريري لـ”سوريا على طول”: “الإنسان مستعد لدفع أي ثمن مقابل رؤية الأحباب بعد سنوات من الغياب”.

لكن، عدا عن أن فتح الحدود، حتى إن كان مشروطاً، أمام السوريين “غدا نافذة للقاء اللاجئين بعائلاتهم”، فإن قرار الداخلية الأردنية أسهم في تنشيط حركة مكاتب السياحة في الأردن، وفقاً لراجح مصطفى، الإداري في إحدى الشركات التي تعمل على استقدام السوريين.

وعشية العمل بقرار تسهيل دخول السوريين إلى الأردن ضمن “جروبات سياحية”، ارتفعت أعداد السوريين القادمين إلى الأردن، كما قال مسؤول في جمعية وكلاء السياحة والسفر الأردنية لـ”سوريا على طول”، مقدراً عددهم منذ تشرين الأول/ أكتوبر الماضي بنحو 7000 زائر.

ومنذ اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، شددت الحكومة الأردنية على حركة المعابر الحدودية الرسمية مع سوريا، وصولاً إلى إغلاقها كلياً في نيسان/ أبريل 2015، بعد أن اندلعت المعارك بين النظام والمعارضة، حيث سيطرت الأخيرة على معبر نصيب الحدودي، ورغم إعادة فتح الحدود بين الجانبين في أواخر 2018، إلا أن حركة السوريين كانت باتجاه واحد، من الأردن إلى سوريا بغرض العودة النهائية أو الزيارة، إلا في استثناءات محددة سُمح لبعض السوريين دخول الأردن.

تطبيع “رفيع المستوى”

بعد الإجراءات المشددة لمواجهة فيروس كوفيد-19، أعادت الحكومة الأردنية في، أيلول/ سبتمبر 2021 فتح حدودها البرية مع سوريا، مع حزمة من التسهيلات “لغايات تنشيط الحركة التجارية والسياحية بين البلدين الشقيقين مع مراعاة الإجراءات الأمنية والصحية المطلوبة”، وفقاً لما جاء في بيان صحفي لوزارة الداخلية الأردنية.

وتزامن ذلك، مع لقاء جمع قائد الجيش الأردني يوسف الحنيطي بوزير دفاع  النظام، العماد علي أيوب في عمان، واستقبال رئيس الوزراء الأردني، بشر الخصاونة وفداً من الحكومة السورية، ضم وزراء الاقتصاد والموارد المائية والزراعة والكهرباء.

لكن، بلغ التطبيع بين الجانبين ذروته، في 3 تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، عندما تلقى الملك الأردني، عبد الله الثاني، اتصالاً هاتفيا من بشار الأسد، تناول العلاقات بين البلدين وسبل تعزيزها.

وفي الشهر ذاته، استكملت الإجراءات الأردنية بالإعلان عن استئناف الرحلات الجوية بين عمّان ودمشق، ومنها تسهيل إجراءات دخول السوريين عبر “جروبات سياحية”. لكن هذه الإجراءات “لم تستهدف السوريين بشكل خاص”، بحسب مصدر رسمي أردني، طلب عدم الكشف عن اسمه، مشيراً إلى أن بروز السوريين في قرار تسهيل السوريين يعود إلى كونهم الأكثر استفادة “نظراً للحدود المشتركة وارتفاع نسبة اللاجئين منهم للأراضي الأردنية، مقارنة مع غيرهم من الجنسيات الأخرى التي شملها القرار”، وهي جنسيات (ليبيا، نيجيريا، كولومبيا، الباكستان، ألبانيا، مولدافيا).

وتعدّ التسهيلات الأخيرة المرتبطة بزيارة السوريين إلى الأردن واحدة من الخطوات الرسمية في إطار تطبيع العلاقات الرسمية بين الأردن وسوريا، التي بدأت في شباط/ فبراير 2019، بمشاركة رئيس مجلس الشعب السوري التابع للنظام في مؤتمر الاتحاد البرلماني العربي بعمَّان. وفي آذار/ مارس 2020 التقى وزير الصناعة والتجارة الأردني، طارق الحموري، في دمشق، مع نظيره السوري محمد سامر الخليل.

الفراق مجدداً

يستذكر محمد الحريري لحظة استقبال أبيه، الذي تجاوز السبعين من عمره، أمام مكتب السياحة والسفر في العاصمة عمان، في كانون الثاني/ يناير الماضي، إذ بعد للوهلة الأولى لم يتعرف أبو محمد على ابنه، “12 عاماً من الغربة والشقاء كانت كفيلة بأن تغير ملامحنا”، بحسب الابن.

كان اللقاء مؤثراً بين الأب وابنه الذي غادر سوريا في أواخر عام 2011 واستقر في مدينة الرمثا شمال الأردن، لكن “دموع والدي كانت كفيلة بأن تفتح مواجعي”، وفقاً للشاب الثلاثيني، الذي لم يسبق له رؤية دموع والده “حتى في أحلك الظروف”.

وسرعان ما انقضت فترة الزيارة، المحددة بأربعة عشر يوماً من دون أن يشبع الابن من رؤية والده، كما قال، معتبراً أن الزيارة “قصيرة جداً مقارنة مع كل هذا الغياب”، لكنها كانت فرصة “للترويح عن نفس أبي، الذي لم يبق له في درعا سوى أشقائه”.

وبدوره، من باب “السياحة” الذي فُتح مؤخراً، استفاد جمعة اليوسف، المقيم في محافظة مادبا، جنوب غرب عمان منذ العام 2012، من التسهيلات الخاصة بزيارة السوريين لاستقدام أخته بهدف مراجعة أحد مستشفيات عمان.

وفي كانون الثاني/ يناير الماضي، استقدم اليوسف أخته لعلاج جرح أصاب إحدى عينيها، كاد أن يفقدها البصر، “على نفقة أخينا المغترب”، كما أوضح لـ”سوريا على طول”، لكنها اضطرت للعودة إلى سوريا “قبل انتهاء رحلة العلاج”، ويعمل حالياً على استقدامها مجدداً “لاستكمال علاجها”.

وبغض النظر عن العلاج، قضى اليوسف أياماً “فرحنا فيها كما لم نفرح منذ 11 عاماً”، على حدّ تعبيره، إذ رافقها في جولات سياحية اشتملت مناطق أثرية في محافظات الأردن “من المدرج الروماني في عمان، إلى البحر الميت، وإربد شمال المملكة”.

أما بالنسبة لأم أحمد، التي لم تغالب دموعها أثناء وداع أبنائها وأحفادها عائد إلى دمشق، مطلع الشهر الحالي، إلا أنها سعيدة بفرصة تعرفها على أحفادها، وبالنسبة لها “كلمة تيتا تسوى كل العمر”، على حد وصفها.

لكن هذا لا ينفي مخاوف السوريين من عدم اللقاء مرة أخرى، كما قال محمد الحريري، الذي ودّع أباه “وكلانا يخشى أن لا نلتقي مرة أخرى”.

آخر التقارير…