مدة القراءة: 5 دقائق |

بلدان “غير آمنة” ملاذ سوريين هاربين من التجنيد في بلادهم


مارس 1, 2022

باريس- مع انعدام الخيارات وضرورة مغادرته للبلاد “هرباً من التجنيد الإجباري”، قرر الطبيب حسام الناصر “السفر إلى الصومال بغض النظر عن الأوضاع الأمنية فيها”، معتبراً أن “أسوأ الظروف هنا أفضل بالنسبة لي من المشاركة في الحرب بسوريا”.

وصل الناصر، 25 عاما، إلى العاصمة الصومالية مقديشو، في كانون الأول/ ديسمبر 2021، بعد تخرجه من كلية طب الأسنان في جامعة تشرين بمحافظة اللاذقية، واستنفاذ “فرص التأجيل الدراسي”، كما قال لـ”سوريا على طول”، مشترطاً عدم ذكر اسمه الحقيقي خوفاً على عائلته في سوريا.

وتعد الصومال واحدة من ثلاث دول يقصدها الشباب السوري مؤخراً، إلى جانب العراق وليبيا، نتيجة تردي الأوضاع الأمنية والاقتصادية في بلادهم، رغم أن الدول الثلاثة من ضمن أسوأ عشر دول في مؤشر السلام العالمي. 

وإذا كانت هجرة الشباب السوري تعني وصولهم إلى برّ الأمان، فإن “هجرة العقول”، من قبيل الأطباء وأصحاب الكفاءات العلمية والمهنية، يعمّق من الأزمة الداخلية في البلاد، ويزيد من معاناة المواطنين هناك.

الفرار من خدمة “الأسد”

بعد عمليات التسوية بين المعارضة والنظام وسط وجنوب سوريا، عام 2018، التي انتهت بسيطرة الأخير على الغوطة الشرقية ودرعا والقنيطرة وريف حمص الشمالي، أطلقت دمشق حملات أمنية بحثاً عن مطلوبين أمنياً أو للخدمة العسكرية الإجبارية والاحتياطية.

ومع شعور الشباب بمختلف توجهاتهم السياسية أنهم وقود حرب، هم الخاسر فيها، وأنْ لا إمكانية للتخلف عن الخدمة العسكرية، إلا بموجب تأجيل دراسي أو إعفاء طبي، كان خيار مغادرة البلاد إلى “أماكن غير مستقرة أمنياً” هو الأفضل بالنسبة لهم.

ففي مطلع عام 2019، سافر عمران الخالد (اسم مستعار)، 22 عاماً، إلى ليبيا، مفضلاً “الموت أثناء أداء عملي في بلد تشهد صراعات داخلية، على أن أقاتل في صفوف نظام قمعي قتل أقاربي ودمر بلدي”، بحسب ما قال لـ”سوريا على طول”.

وعاش الخالد في أماكن سيطرة المعارضة جنوب سوريا، قبل أن يدخلها النظام بموجب التسوية في صيف 2018، ليصبح مطلوباً للخدمة الإلزامية، ما دفعه إلى السفر إلى ليبيا “كونها من البلاد القليلة التي تستقبل السوريين”.

ويعمل الخالد في مجال تركيب الأرضيات، بالعاصمة طرابلس، مقابل 70 ديناراً ليبياً يومياً، أي ما يعادل 15 دولار أميركي، ويدّخر جزءاً من دخله الشهري لدعم عائلته في سوريا، ورغم أن “الراتب لا يتناسب مع طبيعة الحياة هنا، إلا أن الوضع أفضل بكثير من سوريا من كل النواحي”.

أفضل الموت أثناء أداء عملي في بلد تشهد صراعات داخلية، على أن أقاتل في صفوف نظام قمعي قتل أقاربي ودمر بلدي

وكذلك، اختار عمر الربيع (اسم مستعار)، 28 عاماً، وهو ابن محافظة درعا أيضاً “السفر إلى ليبيا حتى لا أساق إلى الخدمة العسكرية وأجبر على المشاركة في الحرب”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وغادر الربيع البلاد قبل أن تنتهي مهلة “تصويب الأوضاع” التي منحها النظام للمطلوبين والمتخلفين عن الخدمة العسكرية، متجهاً إلى “مدينة بنغازي [التي تتبع للجيش الوطني الليبي الذي كان يقوده خليفة حفتر]، ومن ثم أكمل طريقه إلى مدينة طرابلس [التابعة لحكومة الوفاق]”، حيث يعيش الآن.

وفيما يقف يائل سليمان (اسم مستعار)، 24 عاماً، على النقيض مع التوجه السياسي للخالد والربيع، ولم يواجه مشاكل مع حكومة دمشق إلى حين مغادرته مدينة طرطوس الساحلية، المحسوبة على النظام السوري، لكنه قرر مغادرة سوريا، في أواخر عام 2021، قاصداً العاصمة العراقية بغداد، بعد أن فقد فرصته “في التأجيل الدراسي”.

أنهى سليمان دراسته في تخصص علم النفس، في العام الدراسي 2020 – 2021، ليجد نفسه أمام خيارين “إما الالتحاق بالخدمة العسكرية، أو السفر، وكان هذا الخيار الأنسب بالنسبة لي”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

هجرة العقول

في عام 2021، أنهى الطبيب أنس غانم، 32 عاماً، تخصصه الطبي بجراحة القلب في مستشفى ابن النفيس الحكومي في العاصمة دمشق، ليواجه هو الآخر مشكلة التجنيد الإجباري.

وعلى عكس غالبية المطلوبين للخدمة العسكرية، يمكن لغانم أن يلتحق “في الجيش كطبيب، أقضي خدمتي في المستشفيات العسكرية”، لكنه فضّل “مغادرة البلاد على تأدية الخدمة العسكرية”، كما قال لـ”سوريا على طول”، بهدف “إيجاد فرصة عمل جيدة تؤمن لي حياة كريمة”.

بدأ غانم رحلة البحث عن فرصة عمل خارج البلاد عبر شركات متخصصة باستقدام الكفاءات العلمية، إلى أن أتيحت له “فرصة عمل بمركز طبي في العاصمة العراقية بغداد، براتب شهري مقداره 1800 دولار أميركي”، وفقاً لغانم، الذي كان يحصل على راتب، كطبيب مقيم، “مقداره 99 ألف ليرة سورية”، أي ما يعادل 26 دولاراً، وقد يصل راتبه في حال عمله بأحد المستشفيات الخاصة إلى “250 دولاراً فقط”.

ويحظى الطبيب السوري بسمعة طيبة في العراق، بحسب زاهر زاهر، مدير مكتب زاهر للتوظيف الطبي المرخص في العراق، مشيراً في حديثه لـ”سوريا على طول” أن “المكتب يؤمن فرص عمل بالتنسيق مع المراكز الطبية والمستشفيات في كل المحافظات العراقية”، على أن يدفع الطبيب “في حال توقيع العقد مبلغاً يتراوح بين 500 إلى 2000 دولار أميركي، بحسب مدة العقد والراتب”.

يقدر عدد الأطباء في الصومال بنحو 300 طبيباً مقابل 1000 طبيب في العراق

وفيما حصل الطبيب غانم على فرصة عمل بمجال تخصصه وقبل وصوله إلى بغداد، لم يجد يائل سليمان فرصة عمل في مجال تخصصه بعلم النفس، ويعمل حالياً “في أحد الفنادق بمدينة الصدر في بغداد”.

ومنذ اندلاع الثورة السورية في آذار/ مارس 2011 تستنزف سوريا الكفاءات العلمية، بما في ذلك الأطباء، إذ من أصل 32 ألف طبيب مسجل لدى نقابة أطباء سوريا في أنحاء البلاد لا يوجد منهم إلا 20 ألف طبيب فقط، بحسب تصريح نقيب الأطباء، كمال عامر، لصحيفة الوطن الموالية في شباط/ فبراير 2021.

الاستنزاف في الكوادر الطبية تحديداً، جعل بعض التخصصات الطبية نادرة في سوريا، من قبيل: التخدير، الصدرية، الجراحة الصدرية، العصبية، والجراحة العصبية، كما جاء في تصريح نائب نقيب أطباء سوريا، غسان فندي، لصحيفة الوطن، في كانون الأول/ ديسمبر 2021.

وقدّر نقيب التمريض والمهن الطبية والصحية في حلب، في كانون الثاني/ يناير 2022، عدد الأطباء السوريين في الصومال بنحو 300 طيبيباً، مقابل 1000 طبيب في العراق، معتبراً أن “سوريا تتربع راهناً على رأس قائمة أكبر بلد مصدر للشهادات الطبية”، ك

استقرار مؤقت!

بعد كل انفجار أو اشتباك في العاصمة الصومالية مقديشو، حيث يقيم الطبيب حسام الناصر، ينتابه “شعور بالقلق”، لكن يحاول أن يمارس حياته “بشكل طبيعي، فلا يوجد لدي خيارات أخرى”، كما قال، معتبراً أنه لو عاد إلى إلى سوريا فسيكون “جزءاً من الحرب هناك”.

وتشهد الصومال هجمات مستمرة لـ”حركة الشباب” الموالية لتنظيم القاعدة، آخرها، في 16 شباط/ فبراير الماضي، حيث شنت هجوماً على مراكز للشرطة ونقاط تفتيش أمنية تابعة للحكومة الصومالية بمقديشو.

لا مستقبل لي في هذه البلاد، ولكنني سأواصل عملي إلى أن تسوء الأحوال أكثر من ذلك، أو تتاح لي فرصة عمل في بلد أكثر أماناً

وأودت الهجمات في مقديشو بحياة مدنيين، طال بعضها لاجئين سوريين، إذ سجلت البلاد مقتل عدد من الأطباء السوريين هناك، كما في حالة الطبيب السوري مهند علي أحمد، الذي قتل نتيجة تفجير استهدف سيارته في كانون الثاني/ يناير 2019.

قبل ذلك، لقي 6 أطباء حتفهم في هجوم مسلح على أطراف مقديشو، في كانون الأول/ ديسمبر 2013، بينهم 3 أطباء سوريين، وأصيب طبيب سوري رابع بجروح. 

مع هذه الأوضاع الأمنية غير المستقرة لا يخاف الناصر من الموت بقدر من خوفه “بعيداً عائلتي”، مستدركاً “لكن ربما الموت بعيداً عن العائلة أفضل من أن أموت قاتلاً”.

ويدرك الناصر أن “لا مستقبل لي في هذه البلاد، ولكنني سأواصل عملي إلى أن تسوء الأحوال أكثر من ذلك، أو تتاح لي فرصة عمل في بلد أكثر أماناً”. 

أما بالنسبة للشاب عمران الخالد، المقيم في طرابلس الليبية، لم تدفعه الاشتباكات المتقطعة بين القوى المتصارعة هناك إلى التفكير بالبحث عن بلد آخر، لكن “النظرة السلبية عند بعض الليبيين تجاه السوريين وتحولها إلى أفعال، تجعلني دائم التفكير في البحث عن بلد آخر”.

وتعرض الخالد لحادثة سلب، في أواخر عام 2019، “من شبان ليبيين اعتدوا عليّ بعد أن عرفوا أنني سوري، وسرقوا ما أحمله من فلوس وعدّة العمل”، قال الخالد، مختتماً حديثه “لم يبق أمامي إلا ركوب البحر إما أموت أو أصل”.