مدة القراءة: 5 دقائق | إدلب, شتات ومهجر, صور, وسائط متعددة

بين “العتمة” والحرمان: غياب الكهرباء يزيد معاناة سكان المخيمات العشوائية في إدلب


سبتمبر 22, 2022

إدلب- تقضي فاطمة خالد الرحمون، 45 عاماً، ثلاث ساعات في عملية غسل الملابس يدوياً “قطعة قطعة”، لكن “لو كان التيار الكهربائي يصل إلى خيمتي وأملك غسالة لأنهيت الغسيل بنصف ساعة ومن دون جهد”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

قبل أربع سنوات نزحت فاطمة رفقة زوجها وأولادها من قرية التح في ريف إدلب الجنوبي، إلى مخيم حمل اسم قريتها، بالقرب من معرة مصرين في ريف إدلب الشمالي، ومنذ نزوحها تعيش العائلة، كما مئات النازحين في المخيمات العشوائية، من دون كهرباء.

في موعد غسيل الملابس الأسبوعي، تنقل فاطمة المياه “بدلو من خزان المياه الرئيسية، الذي يبعد عن خيمتي 20 متراً”، معتبرة أن “هذه أصعب المراحل، ويمكن الاستغناء عنها بوجود مضخة تعمل على الكهرباء لضخ المياه إلى الخيمة”. 

تغسل فاطمة الملابس بشكل يدوي أمام خيمتها في مخيم التح، بالقرب من معرة مصرين في ريف إدلب الشمالي، 15/ 09/ 2022 (عبد المجيد القرح/ سوريا على طول)

يبلغ عدد سكان المخيمات العشوائية في شمال غرب سوريا 311,782 نسمة، يتوزعون في 514 مخيماً، من أصل 1.8 مليون نازح يعيشون في 1,633 مخيماً، بحسب بيان صادر عن فريق منسقو استجابة سوريا، في 26 آب/ أغسطس الماضي.

وتعاني المخيمات من عجز في الاستجابة الإنسانية والخدمات، لاسيما العشوائية منها، إذ بحسب عبد السلام اليوسف، مدير مخيم التح، الذي تقطن فيه عائلة فاطمة، يفتقر المخيم منذ إنشائه قبل أربع سنوات للخدمات، بما في ذلك “منظومة كهربائية”، وفي المقابل “لا يمكننا تشغيل مولدات المازوت داخل المخيم خشية اندلاع حرائق في خيام النازحين”، كما أوضح لـ”سوريا على طول”.

صورة جوية لمخيم التح بريف إدلب الشمالي في فترة الغروب، 15/ 09/ 2022 (عبد المجيد القرح/ سوريا على طول)

ولا يمكن للعديد من النازحين في المخيمات العشوائية الحصول على الكهرباء عبر الطاقة البديلة، من قبيل “ألواح الطاقة الشمسية”، إذ تقدر تكلفة تركيب منظومة الطاقة الشمسية بنحو 700 دولار، تتضمن الألواح، البطاريات، ورافع جهد كهربائي (انفرتر). قالت فاطمة: “نحن خسرنا كل شيء وليس لدينا القدرة المالية لشراء ألواح الطاقة”.

“الناس هنا سواسية”، قال يوسف رمضان، 50 عاماً، النازح من ريف إدلب الجنوبي، مستدركاً في حديثه لـ”سوريا على طول”: “الجميع يتشاركون الفقر وقلة الطعام وقلة العمل”.

واضاف رمضان “قد يتساءل من يشاهد صورنا عبر التلفاز أو شاشة هاتفه المحمول كيف يعيش هؤلاء؟. نحن نعيش ظروفاً إنسانية صعبة لدرجة أننا نعيش بلا كهرباء”.

 

مصباح يوسف رمضان، الذي يتم شحنه عبر أشعة الشمس، ويستخدمه في إضاءة خيمته وشحن هاتفه المحمول، 15/ 09/ 2022 (عبد المجيد القرح/ سوريا على طول)

يعاني سكان المخيمات المحرومون من الكهرباء من “العتمة”، وتزيد هذه المعاناة مع حلول فصل الشتاء، أي في هذه الأوقات، لأن “الشمس أقل أشعة والشتاء طويل”، بحسب فاطمة، التي تعتمد في إنارة خيمتها على مصباح صغير يُشحن عبر أشعة الشمس، لذلك “إذا سطعت الشمس يمكننا استخدام البيل [المصباح] مساء، لكن إذا غابت الشمس ولم نستطع شحن المصباح نقضي ليلتنا في العتمة”.

فاطمة وجاراتها يجلسن قبل مغيب الشمس أمام خيمتها في مخيم التح، 15/ 09/ 2022 (عبد المجيد القرح/ سوريا على طول)

أحياناً، تضطر فاطمة إلى الاستعانة بمصباح صغير مثبت على ولاعة الغاز المستخدمة في إشعال النار، ولكن “هذا المصباح يستخدم عند الضرورة، لأن نوره خافت جداً، وبالكاد تستطيع الرؤية”، بحسب قولها.

وأضافت فاطمة بتهكم “عندما يحتاج أحد أولادي استخدام الحمام المشترك الموجود خارج الخيمة ليلاً، يطأ بقدميه إخوانه النائمين لأنه لا يرى شيئاً”، وفي موعد الاستحمام ترافق الأم أطفالها “لإنارة الحمّام بالمصباح”.

في حوزة فاطمة هاتفاً محمولاً (موبايل)، تشحنه من مصباح الطاقة الشمسية، الذي بالكاد يكفيهم لإنارة الخيمة، لذلك “قد يبقى موبايلي أياماً من دون شحن”، بحسب قولها، مضيفة: “هذه عيشتنا منذ أربع سنوات، لكن أن تتخيل ذلك؟”.

“تعاني النساء بشكل مضاعف في ظل غياب الكهرباء عن المخيم، بما في ذلك عدم قدرتهنّ على شحن هواتفهنّ المحمولة”، قال رمضان، بينما الرجال يمكنهم شحن هواتفهم خارج المخيم، حيث “أشحن هاتفي في النقطة الطبية أو المركز التعليمي بالقرب من المخيم”.

أمام هذا الواقع، يُحرم غالبية سكان مخيم التح، الذي يضم حوالي 300 عائلة، أي ما يقارب 1750 نسمة، من السهر ليلاً. ينام أبناء فاطمة “بعد غروب الشمس”، كما أوضحت. وقال رمضان “مصابيح الطاقة الشمسية لا تكفينا إلا في الساعات الأولى بعد الغروب”.

أبناء فاطمة خالد الرحمون يقضون ليلتهم داخل خيمتهم وسط ظلام دامس يكسر حدته مصباح كهربائي يعمل على الطاقة الشمسية، 15/ 09/ 2022 (عبد المجيد القرح/ سوريا على طول)

وسجّل المخيم “عدة حالات كسور، خصوصاً عند ذوي الإعاقة وكبار السن، لعدم توفر الإضاءة الكافية ليلاً عند ذهابهم إلى دورات المياه”، وفق عبد السلام اليوسف، ناهيك عن بذل الآباء والأمهات جهداً إضافياً في مرافقة أبنائهم إلى دورات المياه ليلاً “خوفاً عليهم من الكلاب البرية أو الضباع”، لأن المخيم “ليس مسوراً”، بعكس المخيمات الرسمية الأخرى.

وحاول اليوسف التواصل مع جهات لدعم المخيم بألواح الطاقة الشمسية أو البطاريات لإمداد المخيم بالكهرباء وإنارته “لكن لم نتلق أي استجابة حتى الآن”.

وإلى أن تصل الكهرباء إلى مخيم التح، ستبقى معاناة سكانه صيفاً وشتاءً، بحسب يوسف رمضان، إذ “لا يمكننا في الصيف تحضير كميات طعام تزيد عن حاجتنا اليومية لأنها تخرب من دون ثلاجة”، ناهيك عن “عدم وجود مراوح في ساعات الحر الشديد”.

في يوم صيفي، حاولت فاطمة عدم التفريط ببقايا الطعام “لأن السلة الغذائية الشهرية التي نحصل عليها لا تغطي احتياجاتنا”، ولكن نظراً لعدم إمكانية حفظه “فسد الطعام وأصبنا بالتسمم”، وفق قولها.

يتحسر يوسف، وكذلك فاطمة، عندما يقارنان  معيشتهما مع الذين “يملكون طباخاً ليزرياً ويشاهدون الشاشات، بينما نحن نوقد النار من القمامة”، قال يوسف، وتساءلت فاطمة “هل نحن بشر مثلهم؟”.

آخر التقارير…