مدة القراءة: 5 دقائق | تقارير, ثقافة ومجتمع, ريف دمشق

تحت جنح الظلام: الجوع يمشي بسكان مضايا غير الآبهين بالموت إلى الألغام الأرضية


أبريل 19, 2016

في ليلة مظلمة وباردة في كانون الثاني الماضي، خطى حسين مضايا غير آبه بالموت المحدق به، عبر منطقة مزروعة بالألغام ليعود بما يسد رمق أطفاله وزوجه في بلدة مضايا المتضورة جوعا جراء حصار النظام الطويل لها.

ويقول حسين، البالغ من العمر أربعين عاما، وهو أب لأربعة أطفال، “كان يوما غير عاديا، فالطعام كان نادر الوجود في مضايا، وحالة من الهستيريا أصابت الناس يومها، قررت الذهاب ليلا خارج مضايا”.

لم يكن حسين يعلم تماماً إلى أين يمضي، ولكنه يعلم تماما أنه أتى من الجوع، وهذا كل ما  كان يشغله، وخيل له أنه لابد وأن يوجد شيئا هناك ما وراء الحصار.

وكان حسين يمشي ومعه بعض الشباب الأخرين عبر الأراضي الزراعية في السهل الفسيح الواقع إلى غرب مضايا، وتترائى من خلاله جبال القلمون منتصبة من بعيد، “حين اهتزت الارض بي وشعرت بانفجار قوي هزني، لم أدرك لحظتها أني فقدت قدمي فالألم كان أكبر مما تتصور”.

 

الزعتر البري يحيط بلغم أرضي في مضايا. حقوق نشر الصورة لـلهيئة الإغاثية الموحدة في مضايا والزبداني

 

وتنتشر هذه الألغام بكثافة كبيرة عبر الأراضي المنتشرة حول مضايا إلى الغرب والجنوب والشرق. ويقدر عددها بنحو ثمانية آلاف لغم أرضي، حسب ما قال الناشط الميداني وعضو المجلس المحلي حسام مضايا لسوريا على طول.

وما يجعل حصار مضايا وبقين خانقا لهذه الدرجة، أن بلدات ريف دمشق المجاورة لها مطوقة بألآف الألغام، التي زرعها مقاتلو حزب الله في بداية صيف عام 2015. وبالإضافة إلى الأدوات المتفجرة، يحكم قناصو النظام وحزب الله حصار البلدة ويحولون دون دخول وخروج أي شخص أو أي شيء.

و”هذه المناطق الملغمة هي بالأساس خط الحصار”،حسب ما ذكر غسان الشامي، ناشط إعلامي مدني في مضايا، لسوريا على طول.

وحسين كان يعي المخاطرة التي يزج نفسه بها وهو يحاول التملص من حصار العشرة شهور في مضايا، التي تبعد نحو 40 كم شمال غرب دمشق. وكانت يوما منتجعا صيفيا جذابا يقصده الدمشقيون. وفي بداية عام 2016 برز اسمها بقوة مع بروز عظام أهاليها المتهالكين جوعا، ووسط تقارير عن المجاعة التي تجتاحها بعد شهور من حصار النظام وحليفه حزب الله.

ورغم تأكيده، لسوريا على طول، أنه كان يدرك أن “ذلك المكان خطير جدا”، لكن حسين الذي يعمل تاجراً في مركز لتصليح السيارات، خاطر بفقدان أحد أطرافه بلغم أرضي، أو حياته برصاصة قناص لأن الجوع كان يفتك به وعائلته، ولذلك مشى في خفاء الليل.

وكانت قوات النظام وحزب الله فرضت الحصار على مضايا وبلدة بقين المتاخمة لها في تموز 2015، وسط معركة للسيطرة على مدينة الزبداني المجاورة التي يحكمها الثوار، والبوابة إلى ممرات التهريب الرئيسية التي تتخلل جبال القلمون عبر لبنان.

ويبلغ عدد الناس المحتجزين في مضايا وبقين المجاورة نحو 40 ألف نسمة. وهم ليسوا سوى جزء من مليون شخص يعيش في وطأة الحصار في سوريا، وفق ما ذكرت منظمة هيومن رايتس وتش، وهذا الرقم يشمل أيضا قريتين يحاصرهما الثوار في محافظة إدلب.

ودخلت مضايا، التي يحكمها الثوار، وبلدة بقين المحاذية لها في اتفاقية هدنة مع النظام في أيلول عام 2015، وجاء في بنودها السماح بدخول المساعدات إلى قريتي كفريا والفوعة اللتين يسيطر عليهما النظام في شمال سورية مقابل العمل بالمثل في الزبداني التي يحكمها الثوار.

وبنيت الإتفاقية القائمة على مبدأ المقايضة: المساعدات لمضايا تعني المساعدات للفوعة وكفريا، والعكس صحيح. والأمر ذاته بالنسبة لإخلاء المقاتلين والمدنيين والجرحى.

وبالرغم من دخول نحو خمسة قوافل إلى البلدة في هذه السنة، والسماح لبعض الحالات الحرجة طبياً بالمغادرة، فإن قائمة بأكثر من مئة شخص بوضع طبي حرج ما يزالوان قيد الإنتظار حتى يؤذن بإخلائهم؛ فالحصار ما زال قائماً.

وقتل على الأقل ثلاثين مدنيا بالألغام الأرضية أو برصاص القناصة أثناء محاولتهم تجاوز الطوق الأمني الذي يلف مضايا، وفقاً لتقرير الجمعية الطبية السورية الأميركية في كانون الأول.

وقال التقرير “زرعت الحكومة وقوات حزب الله الحليفة الألغام الأرضية حول مضايا، فبات من الصعب والخطر بشكل لا يصدق أن يغادر المدنيون أو أن يتمكن أي كان من تهريب الطعام إلى مضايا”.

و”انفجرت ألغام بالعديد ممن حاولوا الهروب من الحصار، وانتهى بهم المطاف معتقلين أو مبتوري الأرجل أو قتلى، كما أن من لا يموت جراء انفجار اللغم  يتعرض لخطر القنص من النقطة العسكرية القريبة منه، والتي تتنبه بعد انفجار اللغم” وفقا لما قال الشامي، الناشط في مضايا، لسوريا على طول.

ومنذ الخريف الماضي، قتلت الألغام المحيطة بمضايا وبقين عشرة أشخاص، وفقا لما ذكر محمد درويش، طبيب في مشفى مضايا الميداني، لسوريا على طول، الأسبوع الماضي، بالإضافة إلى إثني عشر شخصا، كما حسين، فقدوا أحد أطرافهم بالألغام.

وبين درويش “لا يوجد أي كوادر متخصصة للأسف لمثل هذه الحالات، يتم عمل إسعافات أولية وإيقاف النزيف وتسليك الطرق التنفسية، بعدها عند استقرار الحالة  يتم إجراء عملية البتر بأدوات بدائية كون الغالبية العظمى من الاصابات تتعرض للبتر”.

غياب المتخصصين في نزع الألغام

 

سورية ليست من 162 دولة الموقعة على معاهدة حظر الألغام،  والتي تمنع استخدام الألغام المضادة للأفراد. كما تنص المعاهدة على تدمير مخزون الدول لذلك النوع من السلاح.

وقدر مركز مكافحة الألغام التابع للأمم المتحدة (ينماس) أن 5.1 مليون شخص في سوريا بما فيهم مليوني طفل يعيشون في مناطق “ملوثة للغاية” بالألغام الأرضية ومخلفات الحرب من المتفجرات، والعبوات الناسفة والألغام البدائية، وبعضها ترتبط بفخ ملغم، والذخائر غير المتفجرة والذخائر العنقودية.

والألغام الأرضية المحيطة بمضايا وبقين تفرض خطراً محدقا حتى على أولئك الأهالي الذين ينأون عن الإقتراب إلى خطوط الحصار ومحاولة تجاوزها.

وفي أواخر أذار، وجد ثلاثة أطفال تتراوح أعمارهم ما بين السادسة والسابعة لغماً أرضيا أثناء عودتهم إلى منازلهم من مدارسهم في بقين، التابعة إدارياً إلى مضايا؛ فحملوه ظنا منهم أنه لعبة أو علبة طعام، وفق ما ذكرت الجمعية الطبية السورية الأميركية؛ فانفجر وقتل طفلاً على الفور بينما توفي الطفلان الأخران أثناء محاولات الكادر الطبي وعوائلهما العقيمة إخلائهما إلى مشافي دمشق.

وحسب ما ذكر الشامي “لا يوجد متخصصين في إزالة الألغام” في المنطقة.ويحاول نشطاء غير مدربين في المدينة إزالة هذه الالغام القاتلة دائما، ولكن “هذه المناطق الملغمة تقع بين نقاط عسكرية، ومسيطر عليها ناريا فلا يمكن للطاقم أن يقترب منها بسهولة.”

ولجأ كل من قوات النظام وحلفاؤه، والقوى الثورية وتنظيم الدولة جميعهم إلى استخدام الذخائر المتفجرة خلال سنوات الحرب الخمسة الماضية في سورية. وما تزال بقايا هذه المتفجرات تشكل خطرا طويل الأمد حتى إلى بعد انتهاء الاشتباكات.  

ولم يبق للنشطاء المحليين العاجزين عن إزالة هذه الألغام الكامنة في أراضيهم سوى “توعية المدنيين حول هذه الالغام، وتنبيههم من عدم الاقتراب منها”.

وحسين الذي عاد إلى مضايا، دونما قدم، وليس في يده حيلة للحصول على طرف صناعي، صنع لنفسه واحدة. وفي ذلك يقول “بعد أن بترت ساقي قمت بصناعة رجل  خشبية، وإن كانت صناعية بدائية”.

 

ترجمة : فاطمة عاشور 

 

آخر التقارير…