مدة القراءة: 4 دقائق | إدلب, شتات ومهجر, فيروس كورونا

تداعيات فيروس كورونا تجبر سوريين على عودة طوعية من تركيا


يونيو 17, 2021

عمان- بعد ثلاث سنوات من مغادرته إدلب إلى تركيا تهريباً، أملاً في حياة أفضل، عاد معاذ البكور وعائلته  المكونة من ستة أفراد “طوعاً” إلى إدلب، في نيسان/أبريل الماضي، عبر معبر باب الهوى، بعد توقيعه إقراراً خطياً، على الجانب التركي، بعدم العودة إلى تركيا خلال السنوات الخمس المقبلة.

قرار البكور بالعودة جاء نتيجة “الإغلاقات المتكررة التي فرضتها السلطات التركية لمواجهة انتشار فيروس كورونا على أراضيها، وطردي مؤخرا من عملي في أحد معامل الخياطة، بعد أن قلل رب العمل أعداد موظفيه، فطرد السوريين، وعددنا عشرة، وأبقى على الأتراك”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وبحسب البكور، فإن العديد من أصدقائه السوريين في اسطنبول، حيث كان يقيم، فقدوا أعمالهم، وقرروا بالتالي العودة إلى إدلب.

ومنذ ظهور وباء كوفيد-19، عرفت تركيا عدة إغلاقات شاملة وجزئية لاحتواء الوباء، كان آخرها فرض حظر شامل في الولايات التركية كافة، في 26 نيسان/أبريل الماضي، لمدة 21 يوماً. وهو ما أدى إلى خسارة قرابة نصف السوريين المقيمين في تركيا أعمالهم أو تأثر مصادر رزقهم، وفق تقدير مسؤولة الاتصال في اللجنة السورية التركية المشتركة، إيناس النجار، في تصريح سابق لـ”سوريا على طول”. لاسيما وأن 3% فقط من السوريين المتواجدين على الأراضي التركية، والبالغ عددهم نحو 3.6 مليون شخص، يعملون في وظائف رسمية تشمل الأمن الوظيفي والحد الأدنى من الأجور والضمان الإجتماعي. 

منع الزيارات وتخفيض الأجور

خلال النصف الأول من العام 2021، بلغ عدد السوريين العائدين من تركيا طوعاً عبر معبر باب الهوى نحو 2,500 شخص، بحسب ما ذكر مسؤول العلاقات الإعلامية في معبر باب الهوى، مازن علوش لـ”سوريا على طول”، من ما مجموعه 8,250 عائد يضمون أيضاً من تم ترحيلهم بشكل قسري من تركيا، إما بسبب دخولهم إليها عبر طرق التهريب بشكل غير شرعي، أو بسبب مخالفات أو جنايات مسجلة ضدهم على الأراضي التركية. 

ورغم أن مناطق سيطرة المعارضة شمال غرب سوريا كانت شهدت زيادة ملحوظة في عمليات التهريب إلى تركيا، عقب إغلاق الأخيرة معابرها الحدودية في 13 آذار/مارس العام الماضي، كأحد التدابير الوقائية لمواجهة وباء كورونا، إلا أن منع زيارات السوريين المقيمين في تركيا لذويهم داخل سوريا، حتى خلال فترة الأعياد، أجبر العديد منهم على العودة إلى إدلب. 

إذ أدى إغلاق السلطات التركية معبر باب الهوى أمام المسافرين، منذ آذار/مارس العام الماضي، مع “عدم معرفة توقيت فتحه مرة أخرى” إلى خلق “قلق لدى السوريين المقيمين في تركيا، حول عدم قدرتهم على رؤية أهاليهم مرة أخرى”، بحسب العلوش.

هكذا، وإضافة إلى تداعيات وباء كورونا الاقتصادية، لاسيما تخفيض راتبه الشهري من 2000 ليرة تركية (235 دولاراً أميركياً) إلى 700 ليرة (82 دولاراً)، فقد عاد قبل شهرين أسامة الملا (اسم مستعار)، طوعاً من تركيا، عبر معبر باب الهوى، لأجل لقاء أسرته أيضاً المقيمة في أحد مخيمات محافظة إدلب، “من دون التفكير في سوء الوضع في إدلب من جميع النواحي”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

أحمد الحلاق (اسم مستعار) بدوره، المهجر أصلاً من ريف حمص الشمالي، والذي كان يعمل في تركيا من دون تصريح عمل، كما حال الملا، عاد إلى إدلب قبل شهر بسبب انقطاعه عن زيارة أهله وزوجته مدة سنتين، لاسيما وأنه كان قد رزق بطفل عقب فترة وجيزة من وصوله إلى تركيا، “ولم أستطع رؤيته حتى عدت مؤخرا قبل نحو شهر”.

لكن في حالة الحلاق، فقد قرر العودة إلى إدلب تهريباً، تجنباً “لخسارة إقامتي بشكل نظامي على الأراضي التركية”، كما قال لـ”سوريا على طول”، كون “دخولي [إلى إدلب] عبر المعبر سيضطرني لتسليم [بطاقة الحماية المؤقتة] الكيملك والتوقيع على تعهد بعدم دخول الأراضي التركية مرة أخرى”.

مع ذلك فإن العودة إلى مناطق المعارضة شمال سوريا ليست خياراً لجميع السوريين المقيمين على الأراضي التركية، بل “غالبية العائدين هم من أهالي إدلب وريف حلب ممن يملكون منازل أو تقيم عائلاتهم وأهاليهم في هذه المناطق”، كما لفت المحامي السوري حسام السرحان، المقيم في تركيا. 

الهروب مجدداً

بعد وصول البكور وعائلته إلى إدلب، “استقبلني أخي في منزله، واستطاع أن يؤمن لي فرصة عمل في إحدى محطات الوقود التي يعمل فيها، والتي تتبع لشركة وتد [التي تتبع هيئة تحرير الشام]، مقابل مبلغ 400 ليرة تركية شهرياً [150 ألف ليرة سورية]”. وهو ما يعتبر، بحسب البكور، “مبلغاُ مناسباً لأعيش وعائلتي حياة مقبولة في إدلب دونما استدانة، خاصة وأنني لا أضطر لدفع إيجار كون أخي حيث أقيم، مالك لمنزله، كما أتشارك معه في المصروف”.

في المقابل، لم يستطع الملا والحلاق التعايش مع الحياة في إدلب. وقد اتفق الاثنان على ضرورة العودة إلى تركيا، عبر طرق التهريب، بعد تخفيف إجراءات الحظر.

فبعد عجز الملا منذ الوصول إلى مخيمات ريف إدلب، عن إيجاد عمل يستطيع من خلال تأمين قوت يومه وعائلته، كما قال، فإنه يسعى حالياً إلى “تأمين مبلغ 2000 دولار [ما يعادل ستة ملايين ليرة سورية] كي أدفعها للمهرب لأعود إلى تركيا”.

أما الحلاق الذي عمد إلى ترك بطاقة “الكيملك” الخاصة به عند صديق في تركيا، فعازم على العودة إلى تركيا مجدداً تهريباً، “لكني في هذه المرة سأصطحب عائلتي معي أيضاً”. 

ورغم أن الحلاق “في حال وصل للأراضي التركية مرة أخرى لن يكون عليه أي مشكلة قانونية، أي وكأنه لم يخرج من الأراضي التركية”، بحسب المحامي السرحان، فإن ثمة مشكلات ستحيق “بعائلته غير المسجلة لدى السلطات بشكل قانوني”، أهمها أنها “ستضطر للإقامة في الولاية الحدودية التي ستصل إليها من دون تنقل بين الولايات، لأنه في حال تم إلقاء القبض عليها سيتم إعادتها إلى إدلب”.

المشكلة ذاتها تنطبق على الملا في حال عودته إلى تركيا تهريباً إذ عليه تقييد حركته “ليتجنب ترحيله إلى سوريا، في حال لم تتم الموافقة على طلب “التظلم” الذي سيقدمه”، وفق السرحان الذي أوضح أن أي سوري مخالف يتم القبض عليه في مثل حالة الملا (الذي كان مقيماً سابقاً وسلَم بطاقة الكيملك)، حق التقدم بطلب “تظلم”. وهو طلب يقدم عن طريق دائرة الهجرة التركية، يشرح فيه كيف غادر الأراضي التركية وسلّم أوراقه، ثم وجد أن حياته مهددة بالخطر في سوريا. طالباً بالتالي إعادة تفعيل بطاقة الحماية المؤقتة. 

ويستغرق النظر في التظلم مدة ستة أشهر كحد أقصى، وفق السرحان، “تبقى خلالها حركة مقدم الطلب مقيدة ضمن الولاية التي يقطن فيها، كونه مخالفاً”. وفي الأثناء، “تقوم دائرة الهجرة بإجراء مقابلة مع [مقدم التظلم]، ورفع المعلومات مرفقة بالطلب إلى وزارة الداخلية في أنقرة، والأخيرة هي من تحدد إما الموافقة أو الرفض”.

ورغم عدم اليقين بشأن مصيره بدءاً من رحلة التهريب التي تنطوي على خطر الموت، وصولاً إلى ما ينتظره في تركيا بعد ذلك، يبدو الملا جازما في قراره عدم البقاء في إدلب، إذ “الحياة هنا ليست بحياة”، كما قال.

آخر التقارير…