مدة القراءة: 5 دقائق | إدلب, بيئة

تصعيد النظام الأحدث شمال غرب سوريا:  إثارة للهلع وحرق للمحاصيل


بقلم ليز موفة

يونيو 22, 2021

عمان- خلال الأسبوعين الماضيين، عمدت القوات الموالية لنظام بشار الأسد إلى قصف أكثر من اثني عشر موقعاً في الريف الجنوبي لمحافظة إدلب. وفي ظل صمت دولي مطبق، أسفر قصف مدفعي على قرية إبلين، في 10 حزيران/يونيو الحالي، عن مقتل أحد عشر شخصاً، ضمنهم طفل. 

كذلك، أسفرت الهجمات الأخيرة للنظام على شمال غرب سوريا عن موجات نزوح جديدة، إذ أثارت مخاوف من هجومٍ عسكري جديد على المعقل الأخير للمعارضة. كما عطلت الهجمات موسم الحصاد في مناطق زراعية حيوية، وبما يندرج، على ما يبدو، ضمن استراتيجية النظام لتجويع المنطقة. 

استهداف متواصل

“لم يتوقف القصف على إدلب رغم اتفاقية وقف إطلاق النار [المُبرمة بين روسيا وتركيا في آذار/مارس 2020]”، وفق ما قال لـ”سوريا على طول” المسؤول الإعلامي في الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء)، أحمد شيخو.

ومنذ بداية هذا العام “استجابت [فرق الدفاع المدني] لما يزيد عن 582 هجوماً مباشراً على المدنيين في شمال غرب سوريا شنتها القوات الحكومية والروسية ومليشياتها، إضافة إلى قوات سوريا الديمقراطية [التي يهيمن عليها الأكراد]”، بحسب ما أضاف شيخو. و”عملت الفرق على انتشال 90 جثة قُتِل أصحابها في هذه الهجمات، من ضمنهم 16 طفلاً”. 

معظم المحللين يرون أنّ الضربات هي في المقام الأول استعراض للقوة تمهيداً لمحادثات دبلوماسية مهمة بشأن مصير المنطقة.

وتمثل هذه الضربات المستمرة والباعثة على اليأس ناقوس خطر يُنذر بوقوع هجوم جديد على شمال غرب سوريا، حيث يقبع نحو أربعة ملايين إنسان، قرابة نصفهم من النازحين، فيما تسيطر على المنطقة أساساً هيئة تحرير الشام، المصنفة منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة والأمم المتحدة.    

“هو تصعيد عسكري [لإخراج] الناس من مدنهم وقراهم”، بحسب ما ذكر لـ”سوريا على طول” فريد المحلول، المصور الصحفي المقيم في إدلب، والذي يخشى أن تتحول جولة التصعيد الأخيرة إلى عملية عسكرية كبيرة شاملة للسيطرة على المنطقة. 

وتقع القرى التي تم استهدافها مؤخراً جنوب طريق الدولي المعروف باسم “M4″، والذي يربط ميناء اللاذقية على البحر الأبيض المتوسط بمدينة حلب الصناعية. ويعد الطريق ممراً استراتيجياً لطالما كانت عيون النظام تتطلّع إليه. إلا أنّ معظم المحللين يرون أنّ الضربات هي في المقام الأول استعراض للقوة تمهيداً لمحادثات دبلوماسية مهمة بشأن مصير المنطقة.

إذ في 10 تموز/يوليو المقبل، تنتهي صلاحية القرار الأممي 2533، والذي ينص على السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى سوريا من خلال معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا. وتخضع آلية إيصال المساعدات عبر الحدود، والتي تُعتبر شريان الحياة لملايين القاطنين شمال غرب سوريا، لضغوطات متزايدة من قبل روسيا في مجلس الأمن الدولي. إذ تسعى جاهدة لتقليص تدفق المساعدات العابرة للحدود أو قطعها كلياً. 

“كنهجٍٍ عام، يُكثف الروس ونظام الأسد الضربات الجوية على إدلب قبل مداولات مجلس الأمن الدولي بشأن المساعدات العابرة للحدود، في إشارة إلى المجتمع الدولي بأن الأسد، وليس أعداؤه الخارجيون، هو من يقرر مصير بلاده”، وفق ما قال نيكولاس هيراس، كبير المحللين في معهد “نيولاينز” بواشنطن، لـ”سوريا على طول”. 

بالتوازي مع ذلك، “ورد أن روسيا شنت عدة ضربات استهدفت فيها قياديين بهيئة تحرير الشام يتواصلون مع وسائل الإعلام الدولية، وبصفتهم مبعوثين بحكم الأمر الواقع إلى المجتمع الدولي”، بحسب ما أضاف هيراس. وكان من بين القتلى الذين قضوا إثر الغارات الجوية التي شُنت في 10 حزيران/ يونيو أبو خالد الشامي، المتحدث العسكري باسم هيئة تحرير الشام، وأبو مصعب الحمصي، المنسق الإعلامي للهيئة.

ودأبت هيئة تحرير الشام على التقرب من الجمهور الغربي، في محاولة لاسترضاء الجهات الغربية الفاعلة، علّها تتخلّص في نهاية المطاف من وسمها بالإرهاب.

وبرأي هيراس، فإن “استهداف مسؤولي ارتباط هيئة تحرير الشام بالعالم الخارجي يعكس استياء روسيا المتزايد لما تراه تطبيعاً خطراً مع الهيئة من قبل الغرب”. مضيفاً: “آخر ما تريده روسيا هو أن تصبح هيئة تحرير الشام فاعلاً سوريا مقبولاً، يبرم اتفاقات مع أوروبا وربما الولايات المتحدة”.

الحصاد تحت القصف

يتزامن التصعيد الأخير مع حلول موسم الحصاد في ريف إدلب الجنوبي، إذ يتردد المزارعون عادة على المنطقة لجني محاصيلهم. وكما ذكر مصعب الأشقر، الصحفي والمزارع ، لـ”سوريا على طول”،  فإنه “يستحيل أن تعيش وتزرع وتحصد تحت هذا القصف العشوائي للمنطقة”. 

خشية أن تلمحهم أعين قوات النظام، بات المزارعون يصلون إلى الحقول ليلاً وسيراً على الأقدام، ويستعجلون جني محاصيلهم قبل إتلافها بالقصف.

وإضافة إلى ريف إدلب الجنوبي، استهدف قصف النظام المناطق التي تسيطر عليها المعارضة في سهل الغاب بريف حماة الغربي، ما ألحق ضرراً كبيراً بالمحاصيل والبنية التحتية الزراعية هناك.

وبحسب النشرة الاقتصادية “تقرير سوريا“، اندلعت عدة حرائق في الفترة الواقعة بين 29 أيار/مايو الماضي و7 حزيران/ يونيو الحالي نتيجة القصف، ما أسفر عن إتلاف 35 هكتاراً من القمح وقتلِ عددٍ من المزارعين.

ويعد نشوب مثل هذه الحرائق سمة متكررة في شمال سوريا خلال أشهر الصيف. وغالباً ما تكون حوادث عرضية غير مفتعلة، لا سيما في مخيمات النازحين العشوائية المزدحمة والمقامة في البساتين والحقول والغابات أو على مقربة منها. لكن “على مدار العامين الماضيين، وبالاعتماد على صور الأقمار الاصطناعية والتقارير المستندة للمصادر المفتوحة، شهدنا تصاعداً ملحوظاً في وتيرة حرائق الغابات في المنطقة الفاصلة ما بين النظام ومناطق سيطرة المعارضة خلال فصل الربيع مع اقتراب موسم الحصاد”، بحسب ما قال لـ”سوريا على طول” فيم زفايننبرغ، مسؤول مشروعٍ يُعنى بالتركيز على الصراع والقضايا البيئية في منظمة باكس للسلام الهولندية غير الحكومية.

ويشير الاستخدام الموثق للأسلحة الحارقة في استهداف الحقول إلى تعمُّد إشعال بعض الحرائق، كما هو الحال في سهل الغاب. إلا أنّ “الصورة على الأرض ما تزال معقدة. لكن بالمجمل، ومن خلال معاينة الخريطة ومقارنتها بصور الأقمار الاصطناعية، فإن ارتباط استخدام الأسلحة بنشوب الحرائق عند خط التماس هو أمرٌ جلي”، أضاف زفايننبرغ.

العواقب على المدى الطويل

يحمي القانون الدولي الزراعة بموجب المادة 55 من البروتوكول الملحق باتفاقيات جنيف، والذي يحظر “استخدام وسائل أو أساليب حربية يُقصد بها أو قد يتوقع منها أن تلحق أضراراً بالغة بالبيئة الطبيعية”.

بيدّ أن الهجمات على المناطق الزراعية تحدث بشكل دائم في سوريا، إلى جانب غيرها من انتهاكات الحرب الأخرى من قبيل القصف الممنهج للمستشفيات والمخابز. 

وعلاوةً على التهديد المباشر لحياة المزارعين وسبل عيشهم، “تنطوي الذخائر غير المنفجرة على مخاطر إضافية على المدى الطويل بالنسبة للمزارعين [الذين لن يعد بإمكانهم] استخدام الأرض في حال تلوثها”، بحسب ما حذر زفايننبرغ. لافتاً إلى أن “الضرر الذي يلحق بأنظمة الري سيؤثر على المدى الطويل على إمكانية استخدام المزارعين للأراضي الزراعية، وقد يُفضي إلى التصحر في بعض المناطق في حال تركها بوراً”. 

ويعد بداية شهر حزيران/ يونيو موسم حصاد المواد الغذائية الأساسية المزروعة في الغاب، كالقمح والعدس والشعير. وخشية أن تلمحهم أعين قوات النظام، بات المزارعون يصلون إلى الحقول ليلاً وسيراً على الأقدام، ويستعجلون جني محاصيلهم قبل إتلافها بالقصف.

“هذا كله لأجل الحصول على الغذاء، حتى وإن كان تحت القصف وفي ظل خطر الموت؛ فليس للمزارعين وسيلةً ليصمدوا غير حقولهم”،  قال الأشقر.

تم نشر هذا التقرير أصلاً  باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور. 

آخر التقارير…