مدة القراءة: 5 دقائق | القنيطرة, تقارير, درعا, سياسة

جنوب سوريا: تراجع روسي هادئ لحساب إيران ينذر بانفجار


أغسطس 12, 2020

عمّان – مع تزايد التحليلات والتقارير بشأن تنافس روسي-إيراني متصاعد في سوريا، تبدو المواقف الروسية في صورتها الكلية، لاسيما في محافظة درعا جنوب البلاد، متناقضة بشكل لا يضعف حجة القائلين بالتنافس فحسب، بل وأيضاً تعزيز الفرضية أو النتيجة المناقضة باستمرار علاقة التحالف وتكامل الأدوار بين موسكو وطهران.

في هذا السياق، برز مؤخراً حضور مجموعة من الضباط الروس حفل تخريج دفعة من المقاتلين الذين خضعوا لدورة تدريبية في معسكرات أقامها اللواء الثامن في الفيلق الخامس التابع لروسيا، شرق درعا، في 28 تموز/يوليو الماضي. لكن هذا تزامن مع موقف مناقض أخطر، تمثل بصمت موسكو على عمليات انتشار الفرقة الرابعة، المعروفة بولائها لإيران وتقدم غطاء لانتشار حزب الله في سوريا، بريف درعا الغربي، منذ حزيران/يونيو الماضي. وهو ما ينقض جوهر الاتفاق الذي أبرمته روسيا مع الولايات المتحدة الأميركية والأردن وإسرائيل عشية سيطرة قوات دمشق على جنوب سوريا، صيف العام 2018، والذي تعهدت روسيا بموجبه بإبعاد المليشيات الإيرانية المتحالفة مع قوات دمشق مسافة 40 كيلومتراً على الأقل عن الحدود الأردنية وحدود الجولان السوري المحتل من قبل إسرائيل. 

فخلال الأشهر التالية لاتفاق التسوية بين فصائل المعارضة وحكومة دمشق بضمانة روسية في تموز/يوليو 2018، أبقت موسكو النفوذ الإيراني تحت أعينها، ينمو بشكل محدود في مناطق معينة من ريف درعا الغربي وأرياف القنيطرة قرب الشريط الحدودي مع الجولان المحتل. لكن مؤخراً، أصبح الصمت الروسي حيال التوغل الإيراني في ريف درعا الغربي وأرياف القنيطرة سيد الموقف، في وقت تستمر فيه موسكو بدعم اللواء الثامن الذي يقوده القيادي السابق في المعارضة، أحمد العودة، ويضم المئات من عناصر المعارضة السابقين المعروفين بعدائهم لإيران، وضمن ذلك رفض توغلها في مناطق سيطرتهم.

محاولة لخلق توازن؟

من خلال دعمهم للواء الثامن التابع للفيلق الخامس وقوى عسكرية أخرى في المنطقة، والسماح لهم بهامش من الاستقلالية، يبدو الروس وكأنهم يسعون إلى خلق توازن مع المليشيات المدعومة إيرانياً والتي تحاول التوغل جنوب سوريا، لاسيما مع عجز نظام الأسد في مواجهة الإيرانيين الذين باتوا يهيمنون على جزء كبير من المؤسسة الأمنية والعسكرية للنظام.

في هذا السياق يمكن تفسير إتمام هيكلة اللواء الثامن والعمل على توسعته من قبل أحمد العودة بالتزامن مع بدء انتشار الإيرانيين، بغطاء الفرقة الرابعة التي يقودها ماهر الأسد، في الجانب الآخر من محافظة درعا، الريف الغربي. 

لكن مسؤولاً عسكرياً رفيعاً ضمن فصائل المعارضة سابقاً، يقيم في ريف درعا، أشار إلى أن التغير في الموقف الروسي برز مع بدء وصول التعزيزات العسكرية الحكومية إلى محيط منطقة طفس، غرب درعا، في منتصف أيار/مايو الماضي، عقب مقتل تسعة من عناصر الأمن الداخلي (الشرطة) في بلدة المزيريب، على يد أحد قادة مجموعات التسوية -المشكلة من مقاتلين سابقين في صفوف المعارضة- في المنطقة.

لافتاً في حديثه إلى “سوريا على طول” أنه تغير باتجاه “تسهيل واضح لتعزيز النفوذ الإيراني، بحيث لا يوجد أي سعي لوقف هذا النفوذ”، بحيث يبدون “حلفاء لبعضهم بعضاً”.

كذلك، اعتبر عضو مفاوض في اللجنة المركزية في درعا –التي تتولى مهام التفاوض مع النظام وممثلي الجانب الروسي الضامن لاتفاق التسوية- أن “الروس يحاولون بشتى الطرق المحافظة على الهدوء [جنوب سوريا]، من دون إعطاء أي أولوية لانتشار المليشيات الإيرانية”، مستدركاً بالقول في تصريح لـ”سوريا على طول”: “نشعر أن هناك تواطؤاً مخفياً فيما بينهم [الروس والإيرانيين]”.

تلك الرؤية اتفق معها الباحث غير المقيم في كل من مجلس الشؤون الخارجية الروسي (RIAC) بموسكو  وبرنامج سوريا بمعهد الشرق الأوسط في واشنطن العاصمة، انطوان مارداسوف. 

إذ اعتبر مارداسوف أن موسكو التي تعهدت بموجب اتفاق العام 2018 “بالحد من النفوذ الإيراني، لا تسعى إلى محاربة إيران جنوب سوريا، وإنما خلق ما يشبه التسوية والظهور بمظهر من يحفظ تعهداته”. في الوقت ذاته، كما أضاف الخبير الروسي، يحاول الإيرانيون “ضمان وجودهم بشكل براغماتي”. معتبراً أنهم “قد نجحوا في ذلك”، كما قال لـ”سوريا على طول”، كون “الفرقة الرابعة والحرس الجمهوري مؤسستان، بعكس الفيلق الخامس، وهما جزء لا يتجزأ من النظام. لذلك، فإن استثمار إيران في هاتين المؤسستين له ما يبرره”.

في السياق ذاته، وفيما يعمل ماهر الأسد على إدماج مقاتلي المعارضة السابقين في الفرقة الرابعة، كما أوضح مارداسوف، يجد سكان جنوب سوريا في العودة ملاذاً للتعبير عن سخطهم نتيجة تدهور أوضاعهم المعيشية منذ إبرام التسوية مع دمشق، بحكم توقف أغلب المنظمات والمجالس المحلية عن تقديم خدماتها. معتبراً أن “روسيا تحاول لعب دور الوسيط في هذا الواقع، لكن من دون كثير نجاح”.

مستقبل اللواء الثامن

عقب إعلانه، في 23 حزيران/يونيو الماضي، عن أنه “في الأيام القريبة بعون الله وهمتكم سنعلن أن حوران جسد واحد، وجسم واحد، وجيش واحد ليكون الأداة الأصغر والأقوى لحماية سوريا”، أطلقت دورة عسكرية ضمت قرابة 900 مقاتل جديد في صفوف اللواء الثامن، لكن عدم حصول المقاتلين الجدد على رواتب وعقود رسمية، على غرار عناصر اللواء السابقين، دفع ناشطين إلى اعتبار خطوة العودة بتوسيع اللواء ارتجالية، أقدم عليها من دون موافقة موسكو. لكن موقفاً مناقضاً ظهر مع الحضور المفاجئ لمجموعة من ضباط الشرطة العسكرية الروسية حفل تخريج المقاتلين الجدد في بصرى الشام، فحواه مباركة موسكو خطوة العودة، لاسيما مع إطلاق المقاتلين هتافات معادية للنظام السوري، مطالبة برحيله ويإخراج المعتقلين في سجونه.

لكن العضو المفاوض من اللجنة المركزية، اعتبر أن حضور الروس الحفل جاء بدعوة من أحمد العودة، وأن “وجودهم ليس له أي دلالة؛ فهم يتواجدون للمراقبة فقط”.

وهو ما أكد عليه المسؤول العسكري السابق، ذاهباً أيضاً إلى أن حضور الروس ليس سوى “بالون إعلامي، وتلميح بتوفر الحريات تحت راية روسيا”، كاشفاً في الوقت ذاته عن أن “بعض المسؤولين الروس الذين قابلناهم يرون أن شباب الجيش الحر هم عصابات مسلحة لا نريد زيادة قوتهم أو دعمهم، بل تأطيرهم لمرحلة الانتهاء منهم”، وبحيث يكون الهدف الروسي من وراء إنشاء اللواء “احتواء آنياً لبعض القوى في الجنوب، ومحاولة استثمار الطاقات لمصالح روسيا، وضرب القوى ببعضها وصناعة بيادق بيد الروس”، كما أضاف.

هذا الهدف أكد عليه مارداسوف، بأن موسكو أنشأت الفيلق الخامس  كـ”تشكيل يمكن الاعتماد عليه أثناء العمليات [العسكرية]، لاسيما وأن معظم تشكيلات الجيش والمليشيات السورية، من وجهة نظر الضباط الروس، تتسم بعدم الانضباط، وقد تفر من الجبهة في أي وقت”. 

لكن تراجع حدة العمليات العسكرية، كما لفت الباحث الروسي، أدى بدوره إلى “زيادة الحاجة إلى أدوات التأثير، وبحيث أصبح الفيلق الخامس مشروعاً صورياً لموسكو”. معتبراً أنه “من الناحية النظرية، يمكن أن يشكل الفيلق الخامس نواة جيش [سوري] جديد. لكن، مع أخذهما تجربة اللواء الثامن بعين الاعتبار، فإن دمشق وطهران ستحاولان تأجيل دمج الفيلق الخامس في الجيش السوري إلى النهاية”.

في الوقت ذاته، تستخدم روسيا “المشاعر الديمقراطية”، بوصف مارداسوف، “في اللواء الثامن من الفيلق الخامس كمحاكاة لنهج ديمقراطي لتسوية سياسية”، ضمن هدف “إضفاء الشرعية على النظام السوري في الانتخابات الرئاسية في العام 2021، لاسيما وأن مثل هذه المعارضة لا تهدد نظام الأسد”.

فمثل هذه التظاهرات والاحتجاجات المحدودة في مناطق سيطرة الفيلق الخامس، والتي يصفها مارداسوف بـ”جزر الحرية”، يمكن لروسيا استخدامها “ليس فقط لإظهار حرية التعبير، ولكن أيضاً لجذب الاستثمار في هذه المناطق الرمادية وتجاوز العقوبات الغربية”، برأي مارداسوف.

جمر تحت الرماد

بالنتيجة، يبدو أنه مع امتداد عمر التسوية يتقلص الدور الروسي المباشر في كثير من القضايا جنوب سوريا، لاسيما تلك التي لا تشكل تهديداً قد يفضي إلى انهيار اتفاق 2018، من قبيل شكاوى الأهالي من سوء الخدمات، والتي كانت تشغل حيزاً كبيراً من عمل الشرطة العسكرية الروسية في البداية، وإن من دون استجابة لها في غالبية الأحيان، فيما لا يعير الروس حالياً هذه القضايا وكثير غيرها أي اهتمام.

وفيما يبدو التركيز الروسي جنوب سوريا منصباً حالياً على “استثمار اتفاق التسوية للظهور كلاعب أساسي في المنطقة من خلال المحافظة على الهدوء الهش من دون قصف وطيران وقذائف”، بحسب العضو المفاوض من اللجنة المركزية في درعا، فإن “هناك جمراً تحت الرماد، لن يطول الزمن قبل أن ينفجر”.

وهو التوقع الذي أيده المسؤول العسكري، معتبراً أن “الأمور تتجه نحو تصعيد جماهيري ضد الروس” تحديداً، و”ستكون هناك مطالبات بطردهم بسبب فشلهم بملف” التسوية والقضايا الأساسية المرتبطة به.

آخر التقارير…