مدة القراءة: 4 دقائق |

“حرمان مزدوج”: سكان مناطق التسويات بين عجز استخراج الوثائق المدنية وتداعيات غيابها


أكتوبر 25, 2022

دمشق – فشلت سميرة (اسم مستعار)، 30 عاماً، في الحصول على دفتر عائلي (بطاقة أسرية)، لأن زوجها المهجّر إلى محافظة إدلب شمال غرب سوريا، رفض إجراء تسوية مع النظام السوري بعد استعادته السيطرة على الغوطة الشرقية عام 2018، واستقل حافلات التهجير من دون زوجته وابنتها الوحيدة.

تزوجت سميرة، وهي من سكان مدينة دوما، من مقاتل في فصائل المعارضة السورية، عام 2016، وتم توثيق زواجها في إحدى مؤسسات المعارضة آنذاك. لذلك، مع سيطرة النظام على الغوطة الشرقية، عاشت السيدة فصلاً جديداً من المعاناة، تمثل في عرقلة حكومة دمشق تثبيت زواجها، وبعد لجوئها إلى القضاء حصلت على تثبيت الزواج  مع “رفض إعطائي دفتر عائلة”، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

في أروقة القصر العدلي بالعاصمة دمشق، قال مصدر قضائي لـ”سوريا على طول”، “إنَّ حكومة النظام لا ترفض منح وثائق سجل عدلي أو دفاتر عائلية وغيرها من الوثائق لأي شخص سوري شريطة أن يكون سجله العدلي نظيفاً وغير مطلوب في قضايا أخرى”.

وبالتالي، يعاني سكان مناطق التسويات، أي التي سيطر عليها النظام في عام 2018، من قبيل الغوطة الشرقية، وجنوب دمشق، وريف حمص الشمالي وغيرها، “من صعوبة استخراج ثبوتيات مدنية نظراً لفقدان وثائقهم السابقة”، كما اعترف المصدر القضائي، مشيراً إلى أنه “تجري عملية تدقيق ومراجعة لملفات من يتقدم بطلب للحصول على وثائق مدنية من مناطق التسويات، وفي أحيان كثيرة يُرفض الطلب لعدم حصول صاحبه على موافقة أمنية”.

تواجه آلاف العائلات في الغوطة الشرقية وغيرها من مناطق التسويات مشاكل في الأوراق الثبوتية بسبب نزوح أو تهجير أحد الزوجين، إذ بلغ عدد مهجري الغوطة لوحدها 78 ألف شخصاً، أو نتيجة فقدانها بسبب القصف، إضافة إلى رفض حكومة دمشق الاعتراف بوقائع الأحوال المدنية الصادرة عن مؤسسات المعارضة أثناء فترة سيطرة الفصائل العسكرية على المنطقة منذ أواخر عام 2012 حتى ربيع 2018. 

حلّ جزئي

في عام 2019، رفعت سميرة دعوتين في القصر العدلي بدمشق، الأولى دعوى “تثبيت زواج”، والثانية “تثبيت نسب” لابنتها، وكان ذلك أمام القاضي في المحكمة الشرعية وبحضور والد زوجها ووالدها كشاهديَن، وكسبت الدعوتين بعد أكثر من سبعة أشهر، كما أوضحت.

بناء على ذلك، تقدمت سميرة إلى أمانة السجل المدني في دوما للحصول على دفتر العائلة (البطاقة الأسرية)، وهو حق يكفله القانون حتى لو كان أحد الزوجين غائباً، إذ يمكن للوصي الشرعي الذي يتقرر تنصيبه بقرار من القاضي الشرعي الحصول عليها في حال وفاة الزوج والزوجة أو غيابهما. لكن طلب سميرة بالحصول على البطاقة الأسرية قوبل بالرفض.

وعليه، فقدت سميرة مجموعة من الحقوق “كوني لا أملك هذا الدفتر”، قالت سميرة، موضحة سبب الرفض بأن “دفتر العائلة من حق الزوج، وقد يكون لديه دفتر عائله”، كما أخبرها موظف الأحوال المدنية.

تعيش سميرة في منزل أهل زوجها مع ابنتها محرومة أيضاً من حقها في “مازوت التدفئة المدعوم، ومن الحصول على الرز والسكر والزيت وغيرها من المواد” التي يمكن الحصول عليها عبر البطاقة الذكية من أحد منافذ المؤسسة السورية للتجارة، إضافة إلى “رفض الجمعيات الخيرية من تقديم المعونات العينية والنقدية والطبية أو تغطية نفقات علاجي”.

عموماً، يمكن لسكان الغوطة الشرقية رفع دعاوى تثبيت الزواج والنسب أمام القضاء، شريطة وجود شهود، لكن حالات كثيرة تفشل في اكتساب الحقوق الأخرى، من قبيل “دفتر العائلة والبطاقة ذكية، وهما وثيقتان مهمتان للاستفادة من الدعم”، كما قال المحامي تحسين حسن لـ”سوريا على طول”.

وصف المحامي الإجراءات الحكومية في مناطق التسويات بـ”التعسفية”، معتبراً أنها مبنية على “الموقف السياسي لسكان الغوطة وغيرها من مناطق المصالحات، التي كانت معارضة للنظام”، وبما أن “الحكومة لا تستطيع عرقة الإجراءات القانونية التي تسير عبر المؤسسات القضاء، تلجأ إلى التضييق على السكان من خلال إجراءات إدارية وأمنية خارجة عن القانون ومخالفة للدستور”.

بعدم وجود دفتر العائلة تضطر العائلات إلى استخراج بيان عائلي وإخراج قيد لتسجيل أطفالهم في المدارس، كما حدث مع سميرة، التي “رفضت إحدى مدارس دوما تسجيل ابنتي كوني لا أملك دفتر عائلة”.

ضياع النسب

بخلاف سميرة، رفض القضاء السوري تثبيت زواج سناء، 36 عاماً، المتزوجة من قيادي عسكري معارض في قطاع مخيم اليرموك بدمشق.

في عام 2015، خرجت سناء بعد زواجها بأشهر من المخيم المحاصر آنذاك، ومن ثم تعرضت للاعتقال، ووضعت مولودها في السجن، كما قالت لـ”سوريا على طول”.

بعد سنتين من الاعتقال، أطلق سراح سناء لتدخل في دوامة المعاملات الرسمية في أروقة قصر العدل، الذي رفض تسجيل زواجها وتثبيت نسب طفلها، لأنها “معارضة للنظام وزوجها قائد فصيل عسكري”، بحسب وصفها.

فشلت كل محاولات سناء في تسجيل ابنها بدائرة الأحوال المدنية، ما اضطرها إلى تسجيله على اسم والديها، أي “أصبح أخي”، واستخرجت أوراقاً رسمية له، بما في ذلك جواز السفر، ومن ثم غادرت البلاد مع ابنها إلى الأردن، في أواخر عام 2017، وهناك صححت أوراق ابنها الثبوتية، وأخيراً وصلت إلى فرنسا عبر برنامج إعادة التوطين التابع لمفوضية شؤون اللاجئين.

أمام الواقع الذي يعيشه المدنيون في مناطق التسويات، اضطر بعضهم إلى قطع علاقاتهم بأقاربهم، وإلغاء صداقاتهم في منصات التواصل الاجتماعي، كما في حال هبة، 32 عاماً، وهي من سكان مشروع دمّر بدمشق، التي قطعت علاقاتها مع أقاربها “المعروفين بمعارضة النظام”، تفادياً للمراجعة الأمنية عند تقديمها طلب الحصول على جواز السفر، لكن هذا ليس حلاً بالنسبة لزوجات المهجّرين، الذين يدفعون الثمن بشكل مباشر، كما في حالة سميرة وسناء.

وإلى أن يُحلّ ملف زوجات وأبناء المهجّرين، تعيش سميرة حرماناً مزدوجاً، متمنية “لو أني خرجت مع زوجي”، واصفة حياتها في ظل حرمانها من المساعدات الحكومية والخاصة، بأنها تعيش “من قلة الموت، ولا أحد يعترف بمعاناتنا”.