مدة القراءة: 3 دقائق | ثقافة ومجتمع, حلب, مقابلات

حلب: طفل لم تكسره الإعاقة فقتلته طائرات الأسد وبراميله


مايو 5, 2016

 أربعة أيام فقط، فصلت بين إجراء سوريا على طول مقابلة مع والد طفل، أصم وأبكم، متميز في الرياضات والكتابة، وبين نبأ وفاة الطفل، ذو السبع سنوات، في قصف بـ”البراميل” المتفجرة استهدف، حي الكلاسة، أحد أحياء مدينة حلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة.

في المقابلة الأولى، تحدثت بهيرة الزرير، مراسلة في سوريا على طول، مع محي الدين عبد الغفور، والد الطفل محمد، عن قصة ابنه وتميزه بين أقرانه، لتسليط الضوء على ما يعانية هؤلاء الأطفال في ظل “الحرب” الدائرة في سوريا.

وبعد أربعة أيام، وتحديدا في الثلاثين من نيسان الماضي، تواصلت المراسلة مع والد الطفل، عبر تطبيق “واتس آب”، لتطلب صورة لابنه لإرفاقها مع المادة، لكن الرد جاء صادما برسالة تقول: توفي محمد عند استهداف الحي، لأنه لم يسمع ما يحدث، وأنا كنت في عملي، و”كان القصف على الحي مفاجئا دون سابق انذار”.

إلى ذلك، قال عبد الغفور (45 عاما) إن والدة محمد، ابنه الوحيد، “توفيت أثناء وجودها في السوق منذ سنتين تقريباً، وكنت أنا لمحمد أم وأب في آن واحد”.

وعندما اغلق مركز الرعاية الخاصة، الذي كان فيه محمد، وهو في سن السابعة من عمره، بسبب توقف الدعم عنه، اضطر والده أن يرسله إلى أحد المدارس العامة المحلية، وذلك لعدم قدرته على تأمين تكاليف المدرسة الخاصة. 

 حي الكلاسة الواقع تحت سيطرة المعارضة، حيث كان يعيش محمد ووالده، بعد تعرض الحي لقصف النظام في 28 نيسان. حقوق الصورة لـShahba Press Agency.

وأضاف عبد الغفور ” كان (محمد) حزين دائما، عند ذهابه الى المدرسة لأنه يجد صعوبة بالإندماج مع أقرانه، لأنهم يستطيعون التكلم، ويفهمون بعضهم البعض وهو لايسمع ولا يفهم ما يقولون”. وتابع “ولكنني كنت دائماً أشجعه، وأقول له بأنك أذكى منهم، حتى وأنت لاتستطيع الكلام”.

يذكر أنه وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، قتل أكثر من 250 شخصاً جراء قصف النظام ومدافع الثوار في حلب، التي تعتبر أكبر المدن السورية المنقسمة إلى أحياء يسيطر عليها الثوار ومناطق يسيطرة عليها النظام، والعنف فيها مستمر بلا هوادة.

حدثنا عن طبيعة حياة ابنك محمد؟ والظروف المحيطة به وغياب المراكز الرعاية الخاصة وآثارها عليه؟ ومثابرته على التعلم وتفوقه؟

ابني محمد ولد في حلب. وعندما بلغ عمره سنتين اكتشفنا، أنا ووالدته، أنه أصم وأبكم، وذلك بعد اخذه إلى طبيب أكثر من مرة. كانت صدمة كبيرة لي ولوالدته، فقمنا بإرساله إلى مركز متخصص بذوي الإعاقة، وكنا نشعر بتطور ابننا بشكل ملحوظ عن ما كان عليه قبل ذهابه إلى المركز.

وبعد بدء الثورة في مدينة حلب وتعرض المدينة للعديد من الغارات، وفي إحدى الغارات على المدينة توفيت والدته أثناء وجودها في السوق منذ سنتين تقريباً. وكنت أنا لمحمد أما وأبا في آن واحد.

وما زاد الوضع سوءا على محمد، غير وفاة والدته، أنه تم إغلاق مركز الرعاية، حيث شعر ابني محمد بالحزن لإغلاق المركز، بسبب ابتعاده عن المدرسين الذين كان يحبهم كثيرا، وكانوا يمنحونه الثقة بنفسه.

عندما رأيت ابني بهذه الحالة قمت بتسجيله في أحد المدارس العامة المجاورة لحينا، وذهبت الى المدرسة وشرحت للإدارة حالة ابني. كانت المعلمة متعاونة جداً مع ابني محمد، وتفهمت وضعه الصحي، وكانت دائماً تشجعه وتثني عليه وعلى تفوقه على أصدقائه بسبب تميزه وتفوقه، بمادة الرياضيات والكتابة. كان محمد يبدي تمييزه على أقرانه الذين لا يعانون من أية إعاقة، وكانت المعلمة فاطمة تقول أن المشكلة التي تواجه محمد هي عدم وجود مركز لذوي الاعاقة، حيث تتوفر له الامكانيات اللازمة لتطوير مهاراته.

وكان محمد عندما يعود الى البيت يساعدني بالاعمال المنزلية كافة. ولكنه كان دائماً حزين عند ذهابه إلى المدرسة لانه يجد صعوبة بالاندماج مع أقرانه، لانهم يستطيعون التكلم ويفهمون على بعض ماذا يقولون، وهو لا يسمع ولا يفهم مايقولون. ولكنني دائما أشجعه وأقول له بانك اذكى منهم، حتى وأنت لا تستطيع الكلام؛ فبهذا الكلام يبتسم ويتشجع ويعود للدراسة والمثابرة من جديد.

وفي 30-4-2016 وعندما طلبت مراسلة سوريا على طول من ابو محمد صورة لمحمد لإرفاقها بالمقابلة، رد عليها في رسالة عبر “الواتتس آب”:

توفي محمد عند استهداف الحي كلاسة في مدينة حلب بالبراميل المتفجرة. ولم ينجوا أطفال حلب على الرغم من إعاقتهم من الطائرات وقصف قوات الأسد وحلفاؤه.

وبدل أن تنشروا  مقابلة عن ابني محمد الذكي، ستتحول المقابلة عن ابني محمد الشهيد. لك جنان الخلد يا محمد.

وأنا أضع كامل المسؤولية عن وفاة ابني على العالم، الذي ينظر الى حلب وهي تباد وهو جالس ينظر الينا والى أطفالنا وبلدنا كيف نباد ولايحرك ساكناً.

وانا لن أخرج من حلب وسأبقى فيها حتى أموت وادفن تحت ترابها الطاهر. لك الله يا حلب بعد تخاذل العالم كله أمام دماء أطفالك.

 

ترجمة: بتول حجار

 

آخر التقارير…