مدة القراءة: 7 دقائق | الرقة, ثقافة ومجتمع, مقابلات

“خسارة مدمرة تماما”.. علماء الآثار ومنظمات غير حكومية يحصون حجم النهب الثقافي في الرقة بعد تنظيم الدولة


سبتمبر 12, 2018

فسيفساء في متحف الرقة بعد معارك تنظيم الدولة في آب. تصوير: عبدالله إسماعيل.

جعلت بعض الجماعات المعارضة مؤخرا، كتنظيم الدولة، من التدمير الوحشي للتراث الثقافي جزءا أساسياً من ايديولوجيتها.

وكانت الحملة المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية لتدمير تنظيم الدولة في الرقة العام الماضي واحدة من أكثر الحملات المدمرة في تاريخ الحروب الحديثة، حيث سقطت قنابل على المدينة أكثر من أي معركة حصلت منذ حرب الفيتنام. ولم ينج متحف الرقة من القصف ولا من الاشتباكات العنيفة على الأرض التي حصلت بين قوات سورية الديمقراطية المدعومة من قبل الولايات المتحدة ومقاتلي تنظيم الدولة.

يقع متحف الرقة وسط المدينة التي أعلن فيها تنظيم الدولة قيام خلافته ذات يوم، وهو رمز لماضي المدينة الذي كان يضم تاريخ آلاف السنين داخل جدرانه الحجرية. والمتحف، الذي يعود تاريخه إلى العهد العثماني،في حالة خراب اليوم، حيث تنتشر آثاره الثمينة في جميع أنحاء العالم بين أيدي جامعي القطع الفريدة ومنظمات التهريب غير المشروعة.  

وقال أوليفر نيوفينهويس، الباحث في همبولت في معهد الآثار الآسيوي في جامعة فراي وهو عضو أيضاً في منظمة Focus Raqqa للتراث “حتى قبل تحرير الرقة، انفجرت قنبلة في الساحة أمام المتحف، وألحقت أضراراً بالغة بالمبنى وكل شيء بداخله” وقام نيوفينهويس بتوثيق مجموعة الآثار التي كانت موجودة في متحف الرقة قبل الحرب. 

وأنشأت منظمة Focus Raqqa كتيباً مفصلاً لكل قطعة موجودة في مجموعة المتحف الواسعة، بما في ذلك القطع الأثرية التي تم نقلها إلى قبو بنك قريب. 

وعلى الرغم من الدمار الذي لحق بالنسيج الثقافي في الرقة، قال نيوفنهويس إن هناك بعض العلامات التي تبعث على التفاؤل، حيث تقود هيئة المجلس الوطني للسياحة وحماية الآثار في الرقة (ATPA) جهود إعادة إعمار المتحف، والتي بدأت في أوائل شهر حزيران. 

وفي مقابلة أجراها مراسل سوريا على طول باريت ليموج، ناقش عالم الآثار الجهود المحلية المبذولة لاستعادة التاريخ المفقود بعد سنوات طاحنة من نهب تنظيم الدولة وحكمه. 

وقال نيوفنهويس “كان كنزاً غنياً بالمعلومات عن ماضي سوريا، واحتوى على ما يكفي من الأبحاث العلمية لعدة قرون” واصفاً الخسارة بأنها “مدمرة تماماً”.

واحتوت المقابلة على صور من عبد الله إسماعيل، الذي صور جهود التجديد الجارية على الأرض في الرقة. 

متى سيطرت داعش على المتحف في الرقة؟

سيكون من الخطأ التركيز بشكل حصري على تنظيم الدولة. فإن سقوط الرقة -أو بالأحرى فقدان السيطرة الحكومية عليها- كان تدريجياً. أولا، سقطت المدينة في أيدي قوات المعارضة. في وقت لاحق سيطر عليها تنظيم الدولة. وبالنسبة للمتحف كان هناك سرقات وغيرها من القضايا خلال فترة سيطرة المعارضة. 

وقبل مغادرة الحكومة، أخذ موظفوا المديرية العامة للآثار والمتاحف (DGAM) ما استطاعوا وقاموا بجرد الأشياء. تم وضع بعض المواد في البنك المركزي في الرقة، وتم الاحتفاظ بأشياء أخرى في غرفة آمنة داخل المتحف. وتم تخزين الجزء الأكبر -عشرات الآلاف من القطع- في مستودع منفصل على مشارف الرقة، في بلدة هرقلة. 

وعندما جاء تنظيم الدولة في نهاية المطاف [بعد عام 2013]، ساء الوضع بشكل كبير وقاموا بشكل متعمد بتدمير الأشياء الأثرية في جميع أنحاء المدينة وحولوا المتحف إلى موقع عسكري. وعندما تحررت المدينة، اتضح أنه لم يتبق أي شيء من الآثار في المبنى.

 

آثار الرصاص على واجهة المتحف في أب. تصوير: عبدالله إسماعيل. 

ما هي أنواع القطع التي كانت في المتحف؟ ما هي الحضارات التي كانت موجودة في المجموعة؟ هل كل شيء تم جمعه من الرقة؟

المتحف كان متحف محلي للمدينة. جمعت الآثار من الحفريات الأخيرة -بعد منتصف الثمانينات- في محافظة الرقة. وكان يتم ارسال أفضل القطع دائماً إلى العاصمة دمشق. ومع ذلك، كان هناك مجموعة كبيرة من المكتشفات في المتحف التي توثق جميع الفترات في تاريخ سوريا الغني، من العصور القديمة إلى العصر الحديث. وشملت المواقع الهامة تل الصبي الأبيض والرصافة وتل البيعة ومدينة الرقة نفسها. 

أقدم فترة كانت فترة Mousterian (إنسان نياندرتال البدائي). وكان هناك مجموعة آثار هامة من العصر الحجري الحديث (7000-5000 قبل الميلاد) وأوائل العصر البرونزي (3000-1000 قبل الميلاد)، ووجدت بعض القطع من الإمبراطورية الآشورية (القرنين التاسع والسادس قبل الميلاد)، ومن مختلف العصور الوسطى (الإسلامية) عندما أعيد تأسيس الرقة (في العصر العباسي) وازدهرت. 

هل يمكنك وصف بعض القطع الأثرية المسروقة في المتحف؟ ما هي القطع التي تعتبرونها أثمن؟

هذا يعتمد على منظورك فقد يختار المؤرخون السابقون القطع التي رسم عليها قاعدة سفينة والتي تعود إلى فترة (حوالي 5800 قبل الميلاد). ومن المحتمل أن يختار المؤرخون والآشوريون مجموعة من الأقراص الطينية الآشورية تحمل نصوصاً مسمارية، معظمها قادم من تل الصبي الأبيض وتل البيعة. وغالباً ما كان الزوار غير الأكاديميين أكثر اهتماماً بالمجوهرات الذهبية والفسيفساء الملونة من الفترات الكلاسيكية.

هل نعرف مصير هذه القطع الآن؟

معظمها غير موجود. لا أعرف أين هي. أظن أنه تم تهريبها من الرقة، ربما إلى تركيا، وبيعت في سوق الفن الدولي المزدهر.

والأهم من ذلك، أن هناك مجموعة من القطع “الثانوية” المفترض أنها بقيت في المتحف عندما تم تدمير التنظيم: قطع الفخار، وبعض القطع الخزفية من العصور الوسطى، وبعض الفسيفساء. وقد تم جمع هذه القطع من قبل السلطات السورية الكردية ونقلها إلى مكان أكثر أمنا. ويجب أن تكون العناية بهذه القطع أمرا ذي أولوية- مع القيام بجرد كامل للمفقودات.

آثار مدمرة في متحف الرقة في آب. تصوير: عبد الله إسماعيل.

بخلاف عمليات النهب، ما هو الضرر الذي تسبب فيه مقاتلو التنظيم أو القصف الذي شنته الولايات المتحدة أثناء الهجوم لاستعادة السيطرة على المدينة، وهل لحق الضرر بالمتحف نفسه؟

حتى قبل تحرير الرقة، انفجرت قنبلة في الساحة أمام المتحف، مما ألحق أضرارا شديدة بالمبنى وكل ما بداخله. وكان من الواضح أن التفجير تم عن قصد. وعندما تم تحويل المبنى إلى موقع للتنظيم، أصبح هدفا للهجمات العسكرية. كما أن تحرير المدينة جعلها في حالة خراب، حيث يتم تحديد مكان مقاتلي التنظيم ثم قصفهم من الجو، مبنى تلو الآخر.

ما هي الجهود المبذولة حاليا لإصلاح المتحف؟ من يقوم بهذا العمل، ومن يمول هذه الجهود؟

من السابق لأوانه النظر بجدية في ترميم المتحف. هناك الكثير من الأولويات الأخرى. ومن ناحية أخرى، لا يمكن أن تبدأ إعادة الإعمار قريبا، وفيما يخص مستقبل مدينة الرقة قد يكون من المهم ترميم المتحف. أعلم أن هيئة السياحة وحماية الآثار تعمل مع المنظمات غير الحكومية المحلية ومع الدعم الأجنبي لجعل المبنى آمنا (إزالة القنابل والألغام التي تركها التنظيم)، ونقل المواد المتبقية إلى مكان آمن وتقييم حالة المبنى.

بدأ مشروعنا، Focus Raqqa ، بجرد للقطع التي كانت موجودة في المتحف.

وعلى أية حال، فإن أسوأ الفظائع بحق التراث لم يكن المتحف نفسه. ففي بداية فترة حكم التنظيم، قاموا بسرقة ونهب المخزن في هرقلة. كان هذا هو المكان الذي احتفظت فيه فرق أجنبية- معظمها هولندية وألمانية – بالقسم الأكبر من القطع التي تم التنقيب عنها، بالإضافة إلى الكسر الفخارية التي استخدمت في الدراسات، الصوان، العظام، النباتات، العينات، وغيرها.

كانت هرقلة كنزا للمعلومات عن ماضي وتاريخ سورية ومنطقة بحث علمي قد يدوم لقرون. هذا كله فقد تقريبا. إن اهتمام العالم يتركز على المتحف، لكن بالنسبة لعلماء الآثار، فإن فقدان هرقلة يشبه نيزكا ضخما يضرب أرضنا: مدمراً تماماً.

العمال يصلحون السقف الذي تعرض للقصف، آب. تصوير: عبد الله إسماعيل.

لماذا كان التنظيم مصمما على استهداف المتاحف والمواقع التاريخية؟

ربما بسبب المعتقدات الدينية، وهو شكل من أشكال تدمير المعتقدات لتدمير ممارسات “الكفر”. هذا ما يتم تسليط الضوء عليه في الصحافة الغربية، للتأكيد على عدم عقلانية هؤلاء المتطرفين العقائديين.

في الواقع، لا يقتصر تحطيم المعتقدات على التطرف الإسلامي بل يتواجد في جميع أنحاء العالم ومن الأزمنة القديمة. من جهة ربما كان هذا الدمار ردة فعل ضد القيمة العميقة للتراث لدى معارضي التنظيم، بما في ذلك الجهات الفاعلة من الغرب وكذلك الحكومات الوطنية في الشرق الأوسط. وهناك دوافع سياسية: التطهير الثقافي كطريقة للتطهير العرقي.

وأخيرا، فإن القيمة المادية للتراث المنهوب غالبا ما تكون تقديرية، ولكن في الواقع، لدينا أدلة قليلة تثبت أن التنظيم قد حصل على الكثير من المال من بيع القطع الأثرية.

ما هي الإجراءات المتبعة لتعقب وإعادة هذه القطع المسروقة؟

كعلماء آثار، لا نستطيع فعل الكثير لتعقب المواد المسروقة. لكن هذا لا يمنعنا من المحاولة. في جميع أنحاء أوروبا واليابان والولايات المتحدة، قام علماء الآثار بتشكيل شبكات لتحديد السلع المسروقة الموجودة في سوق الفن: في المزادات وفي المواقع المتخصصة والمتاحف. ومن حين لآخر يساعد ذلك في تحديد القطع التي يحتمل أن تكون قد سرقت من العراق أو سوريا. ومن دواعي سرورنا، أن يقود ذلك أحيانا إلى مصادرة القطع من قبل الشرطة. هناك اجتماعات مع منظمات تمثل تجار القطع الفنية، لتحسين الإجراءات المتبعة. ويتم تغيير القانون الوطني لتعزيز دور الشرطة في التدخل والمصادرة.

 

ساهم عبد الله إسماعيل في إعداد هذه المقابلة.

هذه المقابلة هي جزء من تغطية سوريا على طول، لمدة شهر كامل للأراضي التي كانت تحت سيطرة تنظيم الدولة سابقا، وذلك بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور والمراسلين على الأرض في سوريا. اقرأ تقريرنا التمهيدي هنا.

 

آخر التقارير…