مدة القراءة: 5 دقائق | حلب, مقابلات

خمسة من الأهالي يقولون الوداع لمدينتهم: ستبقى حلب، وصمة عار على جبين المجتمع الدولي


ديسمبر 17, 2016

بدأ إخلاء المدنيين والمقاتلين من المناطق التي تبلغ مساحتها 3كم والتي لا تزال تحت سيطرة المعارضة، في شرقي حلب، الخميس. وفي وسط ظهيرة يوم الخميس، وصلت الدفعة الأولى من الباصات التي تحمل الجرحى إلى مناطق سيطرة الثوار في ريف حلب الغربي.

وكانت مدينة حلب الأثرية، وهي مركز صناعي هام منذ قديم الزمان، تأخرت  بدخول الثورة في عام 2011.  حيث خرجت أولى المظاهرات الحاشدة في المدينة، بعد نحو سنة على انطلاقها في نقاط مختلفة من سوريا. ولكن وكما هو الحال في كل مكان، فكانت المظاهرات بنهاية المطاف تفتح الطريق للاشتباكات المسلحة والغارات الجوية والحصار.

وفي الأسبوع الماضي، وبعد أكثر من أربع سنوات، أسدلت الستارة في حلب على نهاية وحشية ودموية.  

ويتيح تفعيل الهدنة التي توسطتها تركيا وإيران، إجلاء نحو 5000من المدنيين والمقاتلين وعوائلهم، من مناطق سيطرة المعارضة في شرقي حلب إلى خارج المدينة. وستعود المدينة إلى سيطرة الأسد.

وفي يوم الخميس، اليوم الأول للإخلاء، تحدثت بهيرة الزرير، مراسلة في سوريا على طول، إلى خمسة من أهالي شرقي حلب. وفيما لو صمدت اتفاقية الهدنة، سيغادرون مدينتهم في الأيام المقبلة.

طفل ينتظر في الباص قبل الرحيل عن شرقي حلب في 15كانون الأول، اليوم الأول للإخلاء. حقوق نشر الصورة لمركز حلب الإعلامي.

ومن بين الأشخاص الذين قابلتهم سوريا على طول، ناشط إعلامي، يجلس في منزله بانتظار الرحيل. تاركاً جثث والديه وابنه ترقد تحت الأنقاض في مكان آخر في المدينة، في حي اجتاحه النظام مؤخراً وسيطر عليه. وليس بوسعه أن يقدم لهم الوداع الأخير. في حين يأمل مدير دار أيتام أن تكون الحياة أفضل خارج المدينة بالنسبة للأطفال الموجودين تحت رعايته. ومحامي أرهقته الحرب ولكنه يأمل لو يستطيع البقاء، وطبيب في حال صدمة.

وممرضة تتسائل فيما إذا  كان الموتى الصامتون الذين لا عددلهم، قد ضحوا بأرواحهم للعدم.

“أكتب وجميع كلماتي تخونني من شدة ألمي على فراق حلب””.

عبد القادر أبو صلاح، 29عاماً، ناشط إعلامي. أب لثلاثة أطفال، أحدهم استشهد في القصف الأخير، مع والديه.

نحن اليوم نودع حلب بأجسادنا فقط وأرواحنا باقية فيها في ساحاتها وشوارعها، وذكريات طفولتنا وذكريات المجازر في عقولنا. نحن مجبرون على الخروج فلم يعد بأيدينا حيلة.

ففي كل بيت في حلب هناك شهيد فأنا والدي وأمي وطفلي استشهدوا بسبب الهجمة الأخيرة على حلب وبقوا تحت أنقاض المدينة ولم يتم دفنهم حتى.

ففي هذه اللحظات أتمنى أن أموت على الخروج ولكن أملي بالله أن نعود بالنصر، فأنا بقيت في منزلي في حي المشهد، طيلة أيام القصف. وأنا وكل جيراني قمنا بحرق كل ممتلكاتنا من سيارات ومنازل وجلسنا ننتظر الخروج من حلب لحظات القهر والبكاء ترينها في وجوه كل أهالي حلب اليوم.

“يا حلب”، حقوق نشر الصورة لـ ربيع ثورة.

أسمر الحلبي، مدير دار الأيتام الوحيدة في حلب الشرقية، التي تضم 50 طفلاً.

الأطفال يبقون أطفال فهم فرحون لعدم سماعهم أصوات القصف، ويضحكون عندما قلنا لهم أننا سنخرج إلى الريف فهم أيتام ومنزلهم هي دار الأيتام فقط.

ونحن الآن بانتظار الهلال الأحمر ليقوم بإجلاء الأطفال مع كادر الدار، لا أعرف ماذا أقول  فأنا عندما أسمع ضحكات الأطفال أشعر بالفرح، لا يوجد أمامنا في حلب أي خيار للبقاء سوى الموت.

وهؤلاء الأطفال هم أمانة في عنقي، وخسروا ذويهم فأنا أشعر بالفرح من أجلهم لعلهم يهنئون بالعيش بالريف.  

غسان العبد، محامي يعمل في المجلس القضائي في شرقي حلب. وهو أيضاً أب لـ بانة العبد، طفلة في السابعة من العمر والتي وأمها إلى جانبها تغرد تحديثات من المدينة.

منذ بداية الثورة عملنا على توثيق جرائم النظام بالصور والوثائق ولكن حلب واجهت حرب إبادة

حلب الشرقية أبيدت، البنية التحتية مدمرة بشكل كامل، المنازل بنسبة 80%. واقع مرير عاشته حلب. الأهالي تعبت من التضييق الذي مورس ضدها.

تسأليني عن شعوري وأنا أودع حلب، أقول لك لاتسألي أي شخص يُهجّر بشكل قسري عن مدينته، فبعد كل هذه الدماء والدمار أصبحت حلب مدمرة ولا تصلح للسكن ورغم هذا لو كنا نستطيع الصمود لبقينا وعشنا فيها رغم تدميرها.

قلوبنا تعتصر على فراق حلب وكل ما بوسعنا قدمناه ولم يعد بإمكاننا أي شيء لحمايتها.

الدكتور يحيى،38 عاماً، طبيب يعمل في مستشفى الحكيم للأطفال، الخارج عن الخدمة حالياً، في شرقي حلب.

منذ بداية الثورة في حلب لم أكن أتوقع أن أخرج منها. أصبنا بالصدمة لكل ماجرى حولنا، نشعر كأننا في حلم، اليوم نخرج من حلب التي يعز عليّ وداعها، وإني والله سأتركها وفي القلب غصة لفراقها، وتبقى ذكريات الحرب والدمار التي لا يستطيع بشر أن يتحمل قساوتها.

نحن عشنا في حلب طيلة الفترة الماضية في تنقل وترحال مستمر من منطقة لأخرى بسبب القصف المستمر وتدمير منزلنا ومنازل أقاربنا، ولكن لم نكن ندري بأننا بالنهاية سنرحل منها دون تحقيق ماكنا نصبوا اليه منذ بداية الثورة.

ستبقى حلب، وصمة عار على جبين المجتمع الدولي الذي لازال يتشدق بالإنسانية وحقوق الإنسان، سقطت كل معاني الإنسانية واندثرت في حلب، أرواح الأبرياء التي زهقت ولازالت تزهق، ودماء الأبرياء.

وسيكتب التاريخ أننا حاولنا كثيراً الصمود، وأننا لم نسلم مدينتنا رغم كل الذي جرى فيها من مجازر.

فنحن شعب وتحاربنا دول كبرى واستخدموا ضدنا أسلحة محرمة دولياً دون أي رادع لهم.

التدخل الروسي بقصفه الشديد بكل أنواع الأسلحة، وعدم توحد فصائل المعارضة وأجندات ومصالح دول إقليمية وعالمية، وراء سقوط حلب، نحن لهذه اللحظة في حالة من الصدمة والذهول لما آل إليه وضع حلب.

فردة حذاء ما بين الأنقاض في شرقي حلب، في أيلول 2016. حقوق نشر الصورة لـ مركز حلب الإعلامي.

 أم يزن الحلبي، ممرضة في مشفى الأطفال التخصصي، عمرها 30 عام، وفيما يلي ترثي ما حل بحلب وتوجه خطابها لمدينتها.

“ياليتني مت قبل هذا اليوم وكنت نسياً منسيا”.

ما أحلى أيام القيامة فيك يا حلب، أشعر بالقهر لخروجي منكِ

القصف أرحم عليَّ من خروجي منك ولكن الأمم تكالبت علينا، فأصبحت مشاهد قتلنا ودمار بيوتنا فوق رؤوسنا خبر لا قيمة له، لأنه تكرر، فدم أطفالك وشبابك أصبح رخيص أمام أعين العالم.

وأهون عليّ أن أبقى فيك رغم القصف لأنني تعودت على صوت الصواريخ وجميع أنواع الأسلحة.

أخرج من حلب ودموع القهر أبكيها عليكِ، وأنظر إلى شوارعك المدمرة، وأقارنها بذكرياتي التي أمضيتها فيها.

أكتب لك وجميع كلماتي تخونني من شدة ألمي على فراق حلب، وأنظر بعين الحسرة على شبابك وأطفالك ونساءك الذين ضحّوا في سبيل أن تبقي حرة، وأسأل نفسي هذه أرواحهم ذهبت سدى دون فائدة، وهل سيأتي يومٌ بعد كل الذي حصل فيك نعود تحت سيطرة القاتل ونعود لطاعته.

ترجمة: فاطمة عاشور

آخر التقارير…