مدة القراءة: 5 دقائق | اقتصاد, تقارير, درعا

دار العدل في حوران تفرض ضريبة تجارية في محاولة لتحقيق الاستقلال المالي


مايو 27, 2018

بدأت الهيئة القضائية الرئيسية في جنوب سوريا، الخاضع لسيطرة المعارضة، بفرض ضرائب على عمليات التبادل التجاري مع المناطق المجاورة الخاضعة لسيطرة الحكومة، في محاولة لدعم عملياتها بعد أن عانت من تراجع الدعم والتمويل والهجمات والتهديدات في السنوات الأخيرة.

وتشكل دار العدل في حوران، وهي هيئة قضائية موحدة تشكلت من قبل ١٠٠ فصيل معارض في عام ٢٠١٤، إحدى المؤسسات الأساسية التي تحكم المنطقة المتبقية الوحيدة الخاضعة لسيطرة المعارضة في جنوب غرب سوريا، وهي منطقة تمتد عبر أجزاء من محافظتي درعا والقنيطرة، كما أنها منطقة تهدئة مدعومة من الولايات المتحدة.

وضمن فروع المحكمة الثلاث، يمكن للأهالي التقدم بطلبات الطلاق، وتوثيق شراء العقارات، وتسوية نزاعات الإرث وحل عدد من المسائل القانونية المدنية والجنائية الأخرى. ويضم الفرع الرئيسي للمحكمة، والذي يقع خارج مدينة درعا مباشرة، سجنا كبيرا.

وبالرغم من نجاحها النسبي كهيئة قضائية محلية في سنواتها الأولى، واجهت محكمة العدل سلسلة من الاغتيالاتومحاولات الاغتيال، والفرار من السجن، وانخفاض مستمر في التمويل من الفصائل المحلية والجهات المانحة إلى أن وصل إلى انقطاع تام في منتصف عام ٢٠١٧.

وبعد غياب الدعم المالي، قررت المحكمة أن تتخذ بعض الإجراءات، في وقت سابق من هذا العام، من خلال تنفيذ خطة لفرض الضرائب على المركبات التجارية التي تدخل وتخرج من المنطقة عبر المعابر إلى المناطق التي تسيطر عليها الحكومة، وفقا لما قاله رئيس المحكمة، الشيخ عصمت العبسي، لسوريا على طول.

رئيس محكمة العدل في حوران عصمت العبسي، ٢٠١٦. تصوير: وكالة أنباء قاسيون.

وتتراوح الرسوم الجمركية بين ٢٠٠٠ ليرة سورية (٤ دولار) و٦ آلاف ليرة (١٢ دولار)، بحسب وزن حمولة المركبة.

وأوضح العبسي أن “الهدف منها هو تأمين جزء من نفقات دار العدل”. وتشمل تلك النفقات – والتي قدرها العبسي بنحو ٦٠ ألف دولار أمريكي شهريا- رواتب الموظفين وتأمين حراسة المحاكم والسجون.

وقال الرئيس إن الضرائب التي يتم جمعها على الحاجزين التابعين للثوار، وتقوم بتطبيق النظام الضريبي للمحكمة حالياً، توفر نحو ٣٠ بالمائة من الاحتياجات المالية للمحكمة. ومن المقرر أن ينضم حاجزان إضافيان إلى النظام الضريبي هذا الشهر.

وأتاح التمويل الثابت للمحكمة، بالرغم من أنه غير مكتمل، توظيف الحراس وتثبيت كاميرات مراقبة أمنية وإنشاء أرشيف قضائي موحد ودفع رواتب جزئية. كما منحها مساحة أكبر من الاستقلالية، بحسب ما قاله الرئيس.

وأضاف العبسي “هذا الدعم مستقل ولا يسمح لأحد التحكم فينا”، مشيراً إلى أن الهيئة القضائية تواجه ضغوطاً من الجهات الفاعلة المحلية الأخرى التي تسعى إلى “السيطرة وتسييس القضاء” مقابل تمويل المؤسسة القضائية، ولكن تم رفض هذه العروض من أجل الحفاظ على الاستقلالية والحياد القانوني.

إلا أن العبسي يدرك تماماً وجود نقطة ضعف جوهرية: فعلى الرغم من أن المحكمة تهدف إلى العمل كوسيط محايد في حل النزاعات، إلا أنها ما تزال تعتمد على فصائل المعارضة المحلية في فرض أحكامها. حيث أن التمويل الكافي لتوظيف قوة شرطة مستقلة لم يتحقق بعد وهناك تراكمات مالية على المحكمة لرواتب غير مدفوعة لمدة عام كامل.

المركبات تعبر حاجزا بالقرب من بلدة داعل في درعا. تصوير: شرطة داعل الحرة.

وقالت ماريكا سوسنوسكي، وهي طالبة دكتوراه في جامعة ملبورن، يتناول بحثها طرق الحكم في مناطق وقف إطلاق النار في سوريا، أن العلاقة بين المحكمة والفصائل المحلية هي إحدى العلاقات ضمن “شبكة” تربط المؤسسات والجهات الفاعلة التي تهدف إلى إرساء الأمن والاستقرار في درعا التي تسيطر عليها المعارضة.

وأوضحت سوسنوسكي لسوريا على طول أنه ضمن هذه الشبكة، التي تضم أيضا زعماء القبائل والمجالس المحلية، يقدم كل عضو “للآخرين شيئا لا يستطيعون تأمينه بمفردهم”. وأضافت، في وضع المحكمة الحالي، سيتيح الاستقلال المادي لها “ألا تكون مدينة لأي جهة حكم مانحة”، في توفير خدمات مثل الأمن.

وذكر العبسي أنه حتى مع خطة الضرائب الخاصة بالمحكمة، ما تزال الفصائل المحلية تلعب دورا مهما، حيث تدير الحواجز التي يتم فيها جمع الضرائب، وفي بعض الحالات، يكون لها جزء من الأرباح. إلا أن رئيس المحكمة يصر على أن تبقى مهمة المقاتلين هي توفير الأمن وحماية العاملين في المحكمة الذين يجمعون الرسوم، قائلا إن “المسائل المالية في أيدينا”.

“ليس أمامنا إلا المحاولة”

وفي الوقت الذي وفرت فيه الضرائب الدعم المالي لإجراء مجموعة من التحسينات في المحكمة في الأشهر الأخيرة، إلا أنها، وبحسب ما قاله بعض الأهالي، فرضت عبء ماليا على سكان الجنوب تحت سيطرة  المعارضة والذين يواجهون أصلاً الأثر الاقتصادي للضرائب العشوائية على الحواجز المؤدية إلى مناطق سيطرة الحكومة.

وقال عضو في المجلس المحلي لبلدة كفر شمس، التي تقع إلى جانب حاجز بين مناطق سيطرة المعارضة والحكومة، أن ضرائب المحكمة التابعة للمعارضة تعد منخفضة نسبياً مقارنة بالضرائب المفروضة على حواجز الحكومة في درعا، حيث تصل الضرائب المفروضة إلى حوالي مئة ألف ليرة (ما يعادل٢٠٠ دولار) لبعض المركبات.

لكن الأهالي ما زالوا “يتحملون العبء الاقتصادي” نتيجة ضرائب المحكمة، بحسب عضو المجلس المحلي والذي نوّه بأنها أدت إلى ارتفاع أسعار بعض السلع وخفض الأرباح التي يجنيها المزارعون والتجار المحليين. وطلب عضو المجلس عدم الكشف عن هويته خوفا من عواقب انتقاد السلطات المحلية.

دار العدل في بلدة غرز في درعا، ٢٠١٥. تصوير: دار العدل في حوران.

وفي السياق، قال أبو حسين، تاجر إلكترونيات من بلدة جاسم في درعا، إن الضرائب التي فرضتها المحكمة كان لها تأثيراً ملحوظاً على تجارته.

حيث قال “حتى لو كانت الضرائب بسيطة فنحن بالنهاية ندفعها من المربح”، وتابع “نحن بدورنا سنرفع السعر على المواطن حتى نتمكن من الاستمرار بعملنا”.

في حين قال رئيس المحكمة إن الدخل الثابت من الضرائب أتاح أخيرا للمحكمة القدرة على التخطيط المالي، إلا أن استمرار ذلك يشكل تحديا إضافيا لنظام ضريبي يعتمد أساسا على التدفق الضعيف للبضائع بين مناطق المعارضة والحكومة.  

والجدير بالذكر أن تدفق البضائع مهدد بسبب احتمالية هجوم الحكومة على درعا الخاضعة لسيطرة المعارضة، والتي ينظر إليها بعض المحللين على أنها الهدف التالي للقوات الموالية للحكومة في أعقاب سلسلة من الهزائم التي لحقت بالمعارضة في دمشق وضواحيها.

وإن أي تجدد للقتال يمكن أن ينهي ١١ شهرا من الهدوء النسبي الذي ساد عقب وقف إطلاق نار مدعوم من جانب الولايات المتحدة في الجنوب، الذي تسيطر عليه المعارضة، كما سيؤدي إلى إغلاق المعابر التجارية.

وختم رئيس المحكمة قائلا “المخاوف من توقف الضرائب موجودة، لكن في النهاية ليس أمامنا إلا المحاولة”.

 

ساهم طه الرحال في إعداد هذا التقرير.

 

ترجمة: سما محمد.

 

آخر التقارير…