مدة القراءة: 5 دقائق | درعا, سياسة

درعا البلد: حصار بالقوات الحكومية والتهديدات الروسية والأطماع الإيرانية


يوليو 13, 2021

عمّان – لليوم العشرين على التوالي، تواصل قوات نظام بشار الأسد، بدعم روسي، إطباق حصار شبه كامل على أحياء درعا البلد في مدينة درعا، كإجراء عقابي للأهالي هناك على موقفهم الرافض لما اعتبره كثيرون “مهزلة انتخابية” أواخر أيار/مايو الماضي، أفضت، كما كان معروفاً سلفاً، إلى تجديد ولاية بشار الأسد لسبع سنوات مقبلة.

ذاك الموقف الرافض كان قد عبر عنه أهالي درعا البلد تحديداً بتنظيم وقفة احتجاجية ضمت المئات من أبناء المدينة، إضافة إلى منع صناديق الاقتراع من دخول تلك الأحياء. وهو ما أضعف موقف موسكو الراعية لحملة إضفاء شرعية على هذه الانتخابات، وبالتالي إعادة تعويم الأسد.

وهو ما استدعى رد دمشق فرض حصار جزئي على أحياء درعا البلد، إضافة إلى مخيم نازحي الجولان المحتل ومخيم درعا للاجئين الفلسطينيين وحي طريق السد بدءاً من 31 أيار/مايو الماضي، بذريعة رفض سكان الأحياء تسليم الأسلحة الخفيفة لديهم، والتي احتفظوا بها بموجب اتفاق التسوية صيف العام 2018. وليتحول ذلك الحصار بعد قرابة شهر، إلى حصار شبه كلي، من خلال عزل عدد من أحياء درعا المحطة (القسم الخاضع لسيطرة دمشق الأمنية والعسكرية من مدينة درعا) عن بعضها بعضاً، ومن ثم فصلها عن أحياء درعا البلد عبر قطع الممرات والمعابر المؤدية إليها، من خلال رفع السواتر ونصب الحواجز العسكرية.

مراحل الحصار

بدأت القوات الحكومية تنفيذ الحصار شبه الكامل لدرعا البلد في 24 حزيران/يونيو الماضي، عبر إغلاق طريق السرايا التي تعتبر الشريان الرئيس الرابط بين قسمي المدينة (المحطة والبلد)، ومن ثم أغلقت الطريق المؤدية إلى مستشفيات درعا الوطني والرحمة والشفاء ومجمع الحياة الطبي، في “المحطة”، مع ما يعنيه ذلك من حرمان الحالات المرضية والإسعافية والإنسانية من الوصول إلى تلك المؤسسات الطبية، كما قال الناشط الإعلامي المقيم في درعا البلد لورنس أبو آدم لـ”سوريا على طول”.

في المرحلة الثانية، أغلقت القوات الحكومية معبر مخيم درعا الذي تتمركز فيه مفرزة المخابرات الجوية. ومن ثم أغلقت المعبر الشرقي المؤدي إلى أحياء درعا البلد من جهة بلدة النعيمة شرق درعا، سامحة لأهالي ريف درعا فقط باستخدام هذه الطريق، بينما “منعت كل شخص يحمل هوية تثبت أنه من سكان درعا البلد من الخروج عبرها”، كما أضاف أبو آدم.

في الوقت ذاته، أبقت القوات الحكومية المعبر المار عبر أحياء سجنة والمنشية مفتوحاً. إلا أن هذا المعبر تسيطر عليه الفرقة 15 قوات خاصة، وقوات الأمن العسكري، كما تتواجد “عليه مجموعة الكسم [المحلية التي تعمل لصالح الأمن العسكري ويقودها القيادي السابق في المعارضة مصطفى المسالمة (الكسم)] المعروف بقذارته”، بحسب أبو آدم، ولذلك “يتخوف الأهالي من المرور على هذه الطريق خوفاً من الاعتقال أو الاختطاف أو حتى القتل”.

ووفقاً لعضو لجنة التفاوض في درعا البلد، المحامي عدنان المسالمة، فإن “99% من أهالي درعا البلد لا يمرون عبر طريق سجنة التي تسيطر عليه ميلشيا الأمن العسكري، بسبب أعمال التشبيح والتشليح [السرقة] عليها”.

أسباب الحصار

خلافاً للذريعة المعلنة من النظام برفض سكان درعا البلد تسليم الأسلحة الخفيفة لديهم، فإن “الأسباب الحقيقية وراء هذا الحصار هي معاقبة درعا، بسبب موقفنا من مسرحية الانتخابات والضغط علينا للقبول بنتائجها”، كما قال المسالمة لـ”سوريا على طول”. رغم ذلك، يبدو أن النظام يحاول إعادة تشكيل مناطق النفوذ الأمني في الجنوب السوري، عبر إخضاع المناطق الخارجة عن سيطرته لقبضته الأمنية. 

يتفق مع هذا الطرح مسؤول سياسي سابق في الجبهة الجنوبية، المظلة التي كانت تنضوي تحتها فصائل المعارضة في جنوب سوريا. موضحاً أن “النظام يحاول إعادة سيناريو مدينة طفس [غرب درعا]، والذي هدف إلى إعادة تنظيم عناصر المعارضة ضمن كتائب في الفرقة الرابعة يتولى قيادتها ضباط من النظام، لسحب البساط من تحت قادة فصائل التسوية”، مع أن النظام “لم ينجح بذلك، وفشل المخطط”، بحسب ما قال المسؤول السياسي الذي تحدث إلى “سوريا على طول” شرط عدم كشف هويته.

وأضاف المصدر أن “وجود مناطق خارجة عن سيطرة النظام لثلاث سنوات بعد التسوية، أصبح محرج أمام المؤيدين”، لاسيما أن التظاهرات التي تشهدها مناطق جنوب سوريا “ترفض هذا النظام وتتفاعل مع كل حدث مفصلي في سوريا، وتطالب بمطالب محقة ومحرجة للنظام، من قبيل طرد الميلشيات الإيرانية وإخراج المعتقلين ومرحلة [حكم] انتقالية ورحيل رموز النظام”.

في هذا السياق، لفت المسالمة إلى أن الالتزام “ببنود التسوية قابلها النظام ومن خلفه الروسي بعدم التزامهم بتنفيذ بنود الاتفاق، بل وزاد عليها أنه يريد تعديلها لمصلحة النظام”. وهو الأمر الذي “نرفضه تماما”، كما أضاف، و”نتمسك بالثوابت والمطالب المحقة لأهلنا وخاصة إطلاق سراح المعتقلين وبيان مصير المفقودين والوصول إلى حل سياسي حقيقي في سوريا، يعتمد على القرارات الصادرة عن مجلس الأمن ذات الصلة”. مشدداً على أن “موقفنا هذا يعبر عن موقف كل السوريين الذين أعلنوا تضامنهم مع موقفنا”.

حصار روسي وتهديد بإيران؟

أمس الإثنين، دخلت دورية عسكرية روسية يقودها ضابط برتبة رائد، درعا البلد لاستطلاع الأوضاع في الأحياء. لكن بحسب أبو آدم الذي اطلع على تفاصيل الزيارة، فإن “عناصر الدورية ليسوا أصحاب قرار”. مضيفاً أنهم “التقوا بأعضاء من اللجنة المركزية داخل النقطة الطبية في درعا البلد، وتحدثوا عن إغلاق الطرقات والتضييق الأمني على حاجز سجنة”.

وفيما تساءل أبو محمد، أحد أعيان درعا البلد عما إذا كان “الحصار روسياً بطلب من النظام، أم من النظام بمباركة روسية؟”، مجيباً هو ذاته عن السؤال بأن “النظام وروسيا خطان متوازيان والأمور تتجه للأسوأ، فلا يوجد نية لدى الطرف الثاني للتهدئة”.

وكما أوضح أبو محمد لـ”سوريا على طول”، فإن “الهدف هو السيطرة على درعا البلد”، أما تسليم السلاح فهي ذريعة وحجة، لأن فوضى السلاح في مناطق النظام أكثر من عندنا بأضعاف مضاعفة”. مؤكداً في الوقت ذاته أن “تسليم السلاح مرفوض والتنازل مرفوض تماماً”.

ففي حزيران/مايو الماضي، كلفت روسيا ضابطاً من أصول شيشانية، يدعى أسد الله، بمهمة متابعة ملف محافظة درعا. وقد طلب الضابط الروسي بدوره من “اللجنة المركزية في درعا” تسليم 200 بندقية كلاشينكوف، و20 بندقية رشاشة “PKS” من منطقة درعا البلد، وهو ما رفضته اللجنة.

بالتزامن مع ذلك، أعلنت لجنة التفاوض في درعا البلد، رفضها الجلوس أو الاجتماع مع النظام أو موسكو قبل فك الحصار. وهو ما أكد عليه المسالمة بأنه “نرفض الجلوس أو الاجتماع مع النظام أو الروس قبل أن يتم فتح المعابر وإنهاء الحصار”.

وتعليقاً على المطلب الروسي، لفت أبو آدم إلى أن “السلاح الخفيف الموجود حالياً غالبيته موجود قبل الثورة، وهي أسلحة فردية لا تفي بغرض العمليات القتالية أو التخريبية أو الإرهابية كما يدعي [الروس]”.

ووفقاً لما أكده مصدران آخران لـ”سوريا على طول”، تحفظا على الكشف عن هويتيهما، فإن الجنرال الروسي رد على رفض لجنة التفاوض بالقول: “إن لم تسلموا السلاح، فسوف آتي لكم بالمليشيات الإيرانية وحزب الله”. وهو ما حصل، إذ “زاد النظام من حجم القوات المحاصرة، لاسيما تلك الموالية للتيار الإيراني [من قبيل] الفرقة 15 قوات خاصة، والقوة 313 التابعة لحزب الله، ومكتب أمن الفرقة الرابعة والعديد من المليشيات المحلية التي يقودها الكسم وأبو تركي [محمد المسالمة] وغيرها”، بحسب ما قال المسؤول السياسي في الجبهة الجنوبية سابقاً.

أي نهاية متوقعة؟

مع إغلاق الطريق الشرقية تحديداً، أصبح الوضع في درعا البلد “سيئاً جداً”، لاسيما الوضع الطبي، بحسب أبو آدم. بعد إغلاق المعبر الطبي المؤدي إلى مستشفيات درعا المحطة، وزيادة الحالات المرضية “نتيجة ارتفاع الحرارة وتلوث المياه، وانقطاعها عن المدينة من قبل النظام”.

كذلك، فإن الوضع الاقتصادي أصبح في حالة انهيار “شبه تام” بعد الحصار المفروض، لكون غالبية الشباب يعملون في درعا المحطة، وفقاً لأبو آدم.

وتقطن في أحياء درعا البلد ومخيمي النازحين واللاجئين وحي طريق السد ما يقارب 11 ألف عائلة.

وبوصف أبو محمد، فإن “الوضع الحالي ضبابي جداً”، و”ربما يكون هناك مزيد من التصعيد”. مضيفاً: “لم نصل بعد إلى مرحلة الانقطاع التام للمواد [الأساسية]؛ فحتى اللحظة تدخل المواد بكميات محددة. لكن ربما في المرحلة القادمة يحدث الانقطاع التام”. وهو ما أكده أيضاً المحامي المسالمة، معتبراً أن “كل الاحتمالات ممكنة”.

آخر التقارير…