درعا تفقد شريانها بعد حملة للنظام قطعت تدفق النفط “الأنباري”


August 26, 2017

لا يزال طريق التهريب – الذي يشكل مصدراً لوقود نصف مناطق الثوار في محافظة درعا – مقطوعاً للأسبوع الثاني على التوالي، بعد أن استولت قوات النظام على المناطق التي تقع في منتصف ذلك الطريق، وبهذا فقد مئات الآلاف من الأهالي إمدادات الوقود.

كان أهالي محافظة درعا الذين يعيشون تحت سيطرة المعارضة يعتمدون على طريق معقد لتهريب الوقود، ينطلق من أراضي تنظيم الدولة في محافظات دير الزور والرقة والحسكة، التي تبعد أكثر من 500 كيلومتر عن حقول الباذنجان والطماطم في درعا.

وكان يُنقل نفط تنظيم الدولة جنوباً عن طريق المناطق الصحراوية النائية في المنطقة الشرقية من سوريا، مروراً بأيدي المهربين من البدو وضباط نقاط التفتيش في المناطق التي يسيطر عليها الثوار والنظام، قبل وصوله أخيراً إلى محافظة درعا المتاخمة للحدود السورية-الأردنية.

لم يكن أي شخص على ما يبدو يهتم بمصدر ذلك المازوت “الداعشي”، الاسم الذي أطلق على الوقود نسبةً إلى تنظيم الدولة، ويعتبر المازوت الداعشي أرخص وقود في الأسواق، إذ يبلغ سعر اللتر الواحد منه خمسين سنتاً، وفقاً لأبي حسين، مزارع من ريف درعا، كان قد تحدث لسوريا على طول، ويقوم أبو حسين باستخدام الوقود لتشغيل شبكة الري في حقله.

يعتبر المازوت الداعشي مصدر الوقود للمستشفيات، وأفران الخبز الصناعية، والمعدات الزراعية في العشرات من البلدات والقرى التي تنتشر في المناطق الريفية من محافظة درعا.

فعلى سبيل المثال، تحدث إيهاب حكمت، مدير إحدى مستشفيات مدينة جاسم التي تقع غرب درعا، إلى سوريا على طول، يوم الخميس، وقال بأن المستشفى تحتاج شهرياً لـ 4500 لتر من المازوت لتوليد الكهرباء. وبدون ذلك، “لا يمكننا تقديم أيٍ من الخدمات”.

شاحنات تحمل أسطوانات الغاز في درعا في 13 آب. حقوق نشر الصورة لـ موقع نبأ

قامت قوات النظام قبل أسبوعين بطرد فصائل المعارضة التابعة للجيش السوري الحر من مناطق تمتد على مساحة تقدر بـ 30 كيلومتراً في محافظة السويداء، المحاذية للحدود السورية الأردنية، حيث دفعت هذه العملية مقاتلي المعارضة وعشرات من المدنيين، الذين يقطنون في المناطق المجاورة، للهرب إلى عمق الصحراء الشرقية في سوريا بحثاً عن الأمن.

وتعتبر محافظة السويداء، جنوب سوريا، والتي تقع تحت سيطرة النظام، المنطقة الصحراوية النائية والآمنة شرق درعا، بالإضافة إلى كونها النقطة المركزية بالنسبة لطريق تهريب المازوت.

إذ يأتي المهربون البدو من الصحراء الشرقية في سوريا بصهاريج نفط كبيرة محمّلة بمئات البراميل من المازوت الداعشي إلى قرى ومحطات الوقود في السويداء، ومن هناك يقومون بتحميل تلك البراميل في شاحنات ليتم نقلها غرباً.

ويذكر نور رضوان، صحفي مقيم في السويداء، لسوريا على طول، بأن الرحلة غرباً تقوم على دفع رشاوى عند نقاط التفتيش المتمركزة على طول الطريق قبل أن تصل البراميل مرة أخرى إلى التجار، الذين يكونون في الانتظار بالمناطق التي تقع أقصى شرق محافظة درعا، إذ يقول بأن كل شاحنة: “كانت تحمل ما بين 20 و25 برميلاً.”

أكد متحدثون باسم فصيلين معارضين في شرق سوريا لموقع سوريا على طول على أن طريق تهريب المازوت الداعشي يمر بمناطقهم وبأراضي محافظة السويداء.

وقال أبو أحمد، مهرب مازوت من محافظة درعا، لسوريا على طول، بأنه عندما انسحب الثوار من جنوب السويداء وسط تقدم قوات النظام، “أصبح من الصعب تهريب المحروقات، وبات اليوم خطيراً للغاية الوصول إلى القرى التي تقع شرق السويداء، والتي كانت تشكل في مرحلة ما نقاط الوصل، التي تنتشر على طول طريق التهريب والتي تقع أصلاً داخل أراضي النظام القريبة من المعارك الجارية بين قوات النظام وفصائل الثوار”.

والجدير ذكره أن العمليات القتالية بدأت مع قيام قوات النظام السوري في وقت سابق من هذا الشهر بشن هجوم للسيطرة على المناطق التي تسيطر عليها قوات المعارضة جنوب شرق محافظة السويداء بالقرب من إحدى النقاط الحدودية السابقة مع الأردن.

ومنذ ذلك الحين، توقف تماماً تدفق المازوت رخيص الثمن القادم من مناطق تنظيم الدولة إلى درعا.

خسروا كل شيء”

وفي حديث مع سوريا على طول، أكّد المزارعون والمسؤولون المحليون في محافظة درعا أن آثار قطع طريق المازوت ظهرت على الفور. وقالت المصادر إن “المزارعين الذين تعرضوا للقسم الأكبر من الخسائر هم مزارعو درعا، الذين يعتمدون على المازوت رخيص الثمن لتشغيل أنظمة الري التي توفر المياه لمحاصيلهم”.

ويضيف المزارعون لسوريا على طول بأن “الكمية المتبقية من المازوت الداعشي قليلة ونادرة، وسرعان ما ارتفعت الأسعار حيث لم يعد بمقدور الطبقة الكادحة تحمل تلك الأعباء”.

وانعكست آثار أزمة المحروقات على حقول الطماطم والباذنجان وغيرها من المحاصيل التي تُركت على الأرض دون ري لأيام عدة.

أحد الحقول في ريف درعا، 10 أغسطس. صورة بترخيص من مؤسسة نبع الإعلامية.

يقول أبو نزار السمير، مزارع من مدينة إنخل، غرب درعا، إنه لا يستطيع الآن ري محاصيله إلا كل تسعة أيام “بسبب ارتفاع أسعار المازوت” الذي يستخدم لتشغيل أنظمة الري.

ويقدر أبو حسين، مزارع آخر من ريف درعا، إجمالي الخسائر التي تكبدها بأكثر من (22 ألف متر مربع) من محاصيل الباذنجان، وذلك منذ فقدان إمدادات المازوت الداعشي.

ويتحدث أبو حسين مع سوريا على طول، قائلاً: “من الصعب علينا استخدام أيٍ من المعدات الزراعية، وفي حال لم يتغير هذا الوضع فسوف نخسر محاصيلنا بالكامل”.

يبلغ إجمالي الخسائر التي تعرض لها مزارعو درعا منذ قطع طريق المازوت في وقت سابق من هذا الشهر نحو (15 مليار ليرة سورية)، أي ما يساوي (29 مليون دولار أمريكي) تقريباً، وذلك بسبب الأضرار التي لحقت بالمحاصيل، بحسب ما ذكر لسوريا على طول، مدير المكتب الزراعي في درعا، التابع للمعارضة السورية.

يُذكر بأن محافظة درعا الزراعية تكبدت في وقت سابق خسائر بمئات الملايين من الدولارات نتيجة الأضرار التي لحقت بالمحاصيل منذ بدء الحرب، وذلك بحسب تقرير صادر في عام 2017 عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة.

تُقدر خسائر المزارعين في إنخل، المنطقة التي يعيش فيها أبو نزار السمير، والتي تبعد 43 كيلومتراً شمال مركز المحافظة، الواقعة جنوب البلاد بالقرب من الحدود الأردنية، “بنحو 450 مليون ليرة سورية”، أي ما يساوي (873 ألف دولار أمريكي) تقريباً، بحسب ما ذكر مدير المكتب الزراعي في المدينة لسوريا على طول.

ويقدر أبو السمير خسائره هذا الموسم بأكثر من 60 بالمئة من المحصول، ويضيف: “لكن بعض أقاربي وأصدقائي تركوا محاصيلهم كلها دون مقابل.”

“لقد خسروا كل شيء.”

ترجمة: فاطمة عاشور

More Latest…