مدة القراءة: 8 دقائق | تقارير, ثقافة ومجتمع, حلب, دمشق, شتات ومهجر

رسالة من المنفى رداً على زيارة “صناع المحتوى” إلى سوريا: “إنهم مجرد أطفال يعبثون بدماء السوريين”


أغسطس 22, 2022

بيروت- وُلد دحّام الأسعد في منزلٍ يبعد 200 متر عن آثار تدمر، في محافظة حمص وسط سوريا، وكما أبيه وجدّه، ترعرع على سماع قصص المدينة الأثرية المعروفة بـ”عروس الصحراء”، ومن ثم عمل مرشداً سياحياً يسرد خبايا وسحر الواحة الصحراوية السورية لزائريها.

بعد اندلاع ثورة 2011  ضد بشار الأسد، هجر الأسعد موطنه، كما فعل 6.8 مليون سوري، ومنذئذ لم تطأ قدماه أرض سوريا، على خلاف السياح الأجانب وصنّاع المحتوى الذين يتوافدون إلى البلد المنكوب بشكل متزايد.

قبل ثلاث سنوات، أثار فيديو منشور على “اليوتيوب” شجون الأسعد، وهو لسيدة بولندية أميركية تزور تدمر، متسائلاً في حديثه لـ”سوريا على طول”: “لماذا يستطيع صناع المحتوى زيارة سوريا ولا أستطيع زيارتها مع أطفالي؟، لماذا أقصّ عليهم حكايات تدمر من الكتب ولا أذهب إلى هناك لأروي لهم تاريخها كما كنت أفعل مع السياح قبل الحرب؟. يحزنني ذلك”، قال الشاب الذي يعيش حالياً في أوروبا ويعمل في صناعة الأفلام الوثائقية.

الحكومة السورية التي أخفت قسرياً 86,792 شخصاً، تمنح تأشيرات الدخول للسياح منذ عام 2018، بسعر يتراوح بين  70 و160 دولار أميركي. في الآونة الأخيرة، خاصة بعد تخفيف قيود السفر المرتبطة بـ”كوفيد 19″، توافد الكثير من صناع المحتوى إلى المدن الخاضعة لسيطرة النظام، من قبيل: دمشق، حمص، حلب، وتدمر. 

يبدو أنّ الكثير من صانعي المحتوى، الذين يُخطئون في لفظ كلمة “شكراً” أو “مرحبا”، حينما يخالطون أبناء البلد، لا يملكون سوى معلومات محدودة جداً عن تاريخ سوريا الحديث، وبعضهم يتباهى في تقديم صورةٍ عن سوريا “لا يظهرها الإعلام لك”، دون أن يعكر صفوهم حقيقة أنهم يستطيعون الحصول على تأشيرات الدخول في وقت يُحظر على معظم الصحفيين ذلك.

في مقاطع الفيديو التي تحمل عناوين مثل “لن يُظهرها لك الإعلام السوري” أو “سوريا: كل شيء مجاني للسياح”، يتغزل الزوار بالطعام السوري ويؤكدون على حسن ضيافة الأهالي والأمان الذي يعم سوريا.

ولدى زيارة المناطق التي أنهكتها الحرب، يتناهى إلى مسامعك نغمة موسيقية حزينة في الخلفية، بينما يرمي دليل سياحي سوري مسؤولية الدمار على “الميليشيات” أو “الإرهابيين”، وتتناقض هذه السردية مع حقيقة أنّ قوات النظام السوري والميليشيات الإيرانية مسؤولة عن 87% من القتلى المدنيين البالغ عددهم 228,893، وفقاً للشبكة السورية لحقوق الإنسان، وكذلك عن الخسائر والأضرار الفادحة التي ألحقتها بالبنية التحتية.

تدمر، موطن دحام الأسعد، هي واحدة من المحطات الشهيرة التي يقصدها السياح الأجانب في جولاتهم داخل سوريا. عند زيارة المدينة الأثرية، التي ما تزال آثار الرصاص بادية عليها، يصاب بعض صناع المحتوى بالهلع للوهلة الأولى حينما يقفون أمام المسرح القديم، حيث اتخذته “داعش” سابقاً خلفية لتصوير الإعدامات التي تنفذها، المسرح ذاته كان أفضل بقعة في تدمر بالنسبة للأسعد، إذ “منذ نعومة أظفاري وأنا أسمع فرق الأوبرا القادمة إليه من كل أرجاء العالم. وفيه أحببت الموسيقى”، كما قال.

غادر الأسعد سوريا عام 2012، فيما غادرت بقية عائلته عام 2015، عندما استحوذ تنظيم “داعش” على تدمر. وأثناء سيطرته عليها، دمر التنظيم أجزاء من المدينة الأثرية وشوّه بعض معالمها.

“لا أحد في تدمر الآن، حتى لو أردنا العودة، لن يُسمح لنا”، معظم أهالي تدمر ممنوعون من العودة إليها بسبب وجود الميليشيات فيها، بحسب الأسعد، مشيراً إلى “وجود ميليشيا أفغانية في منزلي، أما منزل العائلة يستولي عليه عناصر من حزب الله”، مستنكراً “عدم ذكر أي شيء عن ذلك في فيديوهات صناع المحتوى”.

بعض عناصر الميليشيات الموجودة في المعسكرات الموالية للأسد توافدوا من إيران وأفغانستان والعراق أو لبنان، لكن مثل هذه التفاصيل يحذفها المرشدون السياحيون المُعتمدون من قبل الحكومة، ويقدِّمون لصناع المحتوى -وبالتالي لمتابعيهم- رواية مبسطة أحادية الجانب، مفادها: جهود الحكومة السورية في محاربة الجماعات المتطرفة، ويمحو هذا السرد قصص الآلاف الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين في الحرية في الأيام الأولى للثورة، فجاء الردّ بالدبابات.

“بعض هذه الفيديوهات المصوّرة في دمشق أو تدمر تُظهر أماكن قُتل فيها أصدقائي برصاص قوات الأمن أو اعتقلوا على خلفية مشاركتهم في المظاهرات. صناع المحتوى هؤلاء يمشون فوق أجسادٍ دفنت هناك، ولا أدري كيف يشعرون؟” تساءل الأسعد، مستدركاً: “صُناع المحتوى هؤلاء مجرد أطفالٍ يعبثون بدماء السوريين”. 

“أشعر بالقرف”

في إحدى الفيديوهات التي نُشرت في هذه السنة، يُصوّر مدون أذربيجاني نفسه على منصة “تيك توك” في إحدى المناطق المدمرة بحمص، ويُلقي مسؤولية الدمار هذه على الجيش السوري الحر، الذي تأسس عام 2011 على يد ضباط منشقين عن الجيش السوري، غير أنّ هذا الشخص “المؤثر” يتجاهل عمليات القصف التي نفذها الجيش السوري في حمص، وفق ما أشارت الباحثة الحقوقية صوفي فوليرتون في تغريدة لها عبر تيوتر رداً على الفيديو.

أمضى عبد الله حسين ستة أسابيع تحت قصف عنيف لقوات النظام على حمص قبل أن يغادر موطنه، في عام 2012. “أنا من حمص، مدينة قصفها ودمرها النظام السوري. منازلنا نُهبت وأًحرقت على يد شبيحته”، قال الشاب لـ”سوريا على طول من مكان إقامته في إيطاليا، التي منحته حق اللجوء السياسي، متسائلاً: “عن ماذا يتحدث صُناع المحتوى هؤلاء؟ هم لا يملكون أدنى فكرة عن السياق، عن الثورة، عن المنفى، عن دمار المدن السورية”.

وأردف حسين: “ماذا يعلم هؤلاء اليوتيوبرز عن مذبحة الحولة، عن مجزرة نهر قويق في حلب، عن الصحفيين ماري كولفن وريمي أوشليك اللذين قُتلا بالقصف على بابا عمرو؟ ماذا يعلمون عن النشطاء مثل رزان زيتونة التي اختطفها جيش الإسلام أو عن الكاهن الإيطالي باولو دالوليو الذي أخفته داعش؟”.

يبدو أنه “لا يوجد احترام لكرامة السوريين الذين قُتلوا، للمعتقلين في السجون، للقابعين في المخيمات في لبنان، الأردن أو تركيا”، وفقاً لحسين، معبراً عن اشمئزازه من “رؤية الأجانب يدخلون سوريا ويقولون أنّ سوريا بلد جميل وكل شيء على ما يُرام، في حين أني كسوريّ يُشاهد الفيديو لا أستطيع العودة إلى بلدي. أشعر بالقرف عندما أشاهد هذه الفيديوهات”.

بدورها، تشعر نورا غازي، الدمشقية المنفية في باريس، بمزيج من المشاعر عند مشاهدة فيديوهات السيّاح المصوّرة من داخل سوريا، إذ “في الوضع الطبيعي، يجدر بي أن أكون سعيدة كسورية، أنّ الناس يزورون سوريا ويستمتعون فيها”، لكن الأوضاع “غير طبيعية. نصف سكان سوريا مُهجرون، ونصف المُهجرين يُريدون العودة، ولكنهم لا يستطيعون، بما فيهم أنا”، كما قالت.

غازي، محامية بارزة في مجال حقوق الإنسان، وتدافع عن حقوق المعتقلين وعائلات المفقودين، لا تستطيع العودة “لأنني سأعتقل”، كما قالت لـ”سوريا على طول”، وكان النظام أخفى زوجها الناشط، باسل خرطبيل قسريا عام 2012، وأعدمه عام 2015.

قبل أن تغادر سوريا، في عام 2018، اعتادت غازي أن تدلِّل ابنة وابن أختها، وتشتري لهما الهدايا كلما سافرت، وفي إحدى المرات “سألتني ابنة أختي: متى تعودين، وما ستحضرين لنا؟” تستذكر نورا الموقف، لكنها لم تعد أبداً. “هذا السؤال ما زال يقتلني. وتراودني كوابيس حوله”.

أضافت غازي “أشعر بحزن عميق لأني لا أستطيع دخول بلدي والاستمتاع بالأشياء التي يستمتع بها هؤلاء اليوتيوبرز”.

أحداث مبنية للمجهول

يحترف صُناع المحتوى الذين يزورون سوريا فن استخدام الأفعال المبنية للمجهول عندما يتحدثون عن آثار الحرب، من قبيل: دُمّرت المدن وتحولت الأحياء إلى أنقاض، وإذا ما سألوا دليلهم السياحي عن قصف مبنى بعينه يجيب الدليل: الإرهابيون المتطرفون أو الأصوليون.

“يريدون أن يُظهروا فريقين فقط، تنظيم “داعش” والنظام السوري، لا أحد يأت على ذكر الحركة الشعبية المدنية”، بحسب غازي، مشيرة إلى أنه “على مدى أجيال، كانت الناس تناضل بسلام ضد النظام”.

يبدو أنّ بعض صناع المحتوى معرفتهم محدودة بسوريا مقارنةً بغيرهم، إذ في فيديو نُشر عام 2022، يسأل أحدهم مرشده السياحي: متى بدأت الحرب السورية، ويُفاجأ بصور بشار الأسد المنتشرة في كل المحلات، ويُعقب لاحقاً في حوارٍ مع صديقٍ له “أهذا لأنهم يحبونه؟ سأسأل رامي”، في إشارة إلى دليله السياحي.

صانع محتوى آخر، أخبره دليله السياحي أنّ المشكلة تكمن في التدخل الأجنبي، مثل الدعم التركي للفصائل المعادية للأسد، فيكرر ذلك على جمهوره قائلاً “أتسمعون؟ القوات الأجنبية، اخرجوا!”، يبدو أن صانع المحتوى هذا غير مدرك للوجود الإيراني، الروسي، واللبناني ضمن المعسكرات الموالية للأسد.

“قد يكون البعض ساذجاً، وربما يملك البعض أجندة في التسويق لحكومة الأسد في تصويرها على أنّها تحاول حماية سوريا من الثوار الإرهابيين”، قالت نورا، لكن “إذا كان لصناع المحتوى هؤلاء صلة بالنظام السوري، فليس لديّ ما أقوله لهم، لأنّه مثل النظام الذي قتل مليون شخص واعتقل مئات الآلاف وهجّر 12 مليون شخص”.

أما بالنسبة لعبد الله حسين، المسألة تتعدى “سذاجة” صناع المحتوى، “حتى إن كانوا لا يعلمون عواقب ما يفعلون جراء نشر فيديوهات تصب في مصلحة النظام فهم يُسدون له خدمة عظيمة”، مشيراً إلى أن “النظام السوري مجرم، وأيضاً في قمة الدهاء”، أما هم “ليسوا أغبياء، يريدون أن يصوروا أن البلد بخير وعلى اللاجئين العودة”، إضافة إلى أنهم يحاولون القول “الأسد يحكم البلد ومن سواه إرهابي، وعلى المجتمع الدولي أن يمنح دمشق المال لإعادة الإعمار”.

دحض دحام الأسعد فكرة أنّ صناع المحتوى هؤلاء غير مسيّسين، إذ “لا يمكن أن يكونوا غير منخرطين بالسياسة عندما يذهبون منطقة حرب، وما تزال الحرب مستعرة، ويُمنع على الصحفيين الدخول”، متسائلاً: “لماذا يسمح لهؤلاء [صُناع المحتوى]، وأُمنَعُ أنا؟”.

يعزو صناع المحتوى زيارتهم إلى سوريا لأجل الاستمتاع، لكن “لا يمكنك أن تستمتع بدماء الشعب. هناك طاغية دمرّ البلد، وينبغي أن يكون تبييض مثل هذه الممارسات جريمة حرب”، بحسب دحام، مستأنفاً: “هل لك أن تتخيل زيارة شخص لألمانيا في الحرب العالمية الثانية وهتلر ما زال هناك؟!”.

في المقابل، يتفهّم الأسعد حاجة السكان المحليين في سوريا لعائدات السياحة، ولكن “قبل السياح وأموالهم، نحن [السوريون المهجرون] نستحق أن نعود بلا هذا الطاغية”.

المشكلة بالزنازين

يؤكد جميع صناع المحتوى، وبعضهم باندهاش، على مدى الأمان الذي يعم سوريا، كما في فيديو منشور عام 2022، يقول أحدهم أنه سيجعلك “تغير رأيك عن سوريا” بمرافقتك في جولة ليلية بشوارع دمشق.

بالنسبة لغازي وحسين والأسعد، هذه السردية خاطئة وخطيرة، كون “سوريا آمنة بالنسبة لهذا اليوتيوبر الأجنبي الذي يتجول فيها دون أن يعي شيئاً، آمنة بالنسبة للجماعات الأوروبية اليمنية المتطرفة الذين يزورون الأسد مثل جاكي شان لتصوير فيلم في مكانٍ مُدمر دون أدنى احترام للسوريين الذين عاشوا هناك، لكنها غير آمنة بالنسبة لي أو لعائلتي”، بحسب حسين، الذي يخشى أن تدفع مثل هذه الفيديوهات العديد من الناس في الغرب للمطالبة بعودة اللاجئين. 

ويرى الأسعد فيديوهات المسافرين القادمة من سوريا بمثابة “هديةً” بالنسبة “للجناح اليميني الذي يحثّ على التطبيع مع دمشق وإعادة اللاجئين”. قبل ثلاث سنوات، نشر فيلماً قصيراً عن عائلة سورية لاجئة مهددة بخطر الترحيل من الدنمارك بذريعة أنّ دمشق آمنة. 

يبدو أنّ صناع المحتوى يُفسرون الأمان بحقيقة أنّ الأسد يسيطر على 80٪ من البلاد، وأنّ القنابل لا تنهال على المدن كما كانت في أسوأ سنين الحرب.  من وجهة نظر نورا، الكثير من السوريين لا يخشون القصف كما يخشون قوات الأمن: “السبب الأهم الذي يدفع السوريين إلى المغادرة هو الاعتقال”، بحسب رأيها.

غالباً ما يتباهى صُناع المحتوى المسافرون إلى سوريا بالحصول على تصريحٍ أمني من أحد الأفرع الأمنية التي عذّبت وأعدمت الآلاف، ويزهون بكرم وضيافة السوريين الذين يُقدمون لهم الحلوى مجاناً أثناء تجولهم في الشوارع، هي ذات الشوارع التي لا يمكن أن تطأها أقدام آلاف السوريين.

تفتقد غازي شواطئ اللاذقية وطرطوس والقرى المنتشرة على ضفاف نهر بردى في ريف دمشق، وكذلك لباب توما وباب شرقي في دمشق القديمة. يراودها الحنين في باريس، أثناء سيرها بمحاذاة المباني القديمة المصمّمة بطرازٍ شبيه بالأبنية التي شُيدت في دمشق خلال حقبة الانتداب الفرنسي أوائل القرن العشرين.

“لو أنني أملك ضماناً بأنني لن أُعتقل، لحزمتُ حقائبي مباشرة وعدت”، قالت نورا، التي تحاول أن تتعايش مع فكرة “أنني قد لا أعود أبداً ما لم تحدث معجزة”.

ملعب كرة القدم في حمص هو المكان المميز بالنسبة لعبد الله حسين، إذ كان يذهب مع أصدقائه “قبل ساعتين من المباراة، نغني بفرح”، وبعد المباراة يكون الوقت متأخراً ولا يوجد حافلات، فيعودون مشياً على الأقدام “كانت الشوارع تعج بالناس، الذين يغنّون فرحاً”، متوقعاً أن تعود “هذه الذكرى الجميلة”، لكن “ربما بعد عشر سنوات من تنحّي الأسد عن السلطة”.

من جهته، فرغ دحام الأسعد من فكرة العودة إلى سوريا بعد سنوات من التشرّد، “ربما هذا مردّه إلى دمنا البدوي”، قالها بلهجة أقرب إلى المزاح. بعد ثلاثة أجيال من العمل في الإرشاد السياحي، سيكون الأسعد الدليل السياحي الأخير في العائلة.   

تم نشر هذا التقرير أصلاً  باللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية سلام الأمين.

آخر التقارير…