مدة القراءة: 7 دقائق | إدلب, ريف دمشق, مقابلات

رشا شربجي: أطفالي يريدون مربية الميتم بعد سجني ثلاث سنوات


فبراير 28, 2017

خلال السنوات الثلاث التي قضتها داخل سجون النظام السوري، شاهدت رشا شربجي الفظائع ترتكب داخل المعتقلات، من صب الماء المغلي على السجينات، إلى تعذيب أحد السجناء أمام عينيها حتى الموت، فضلا عن كونها أنجبت توأما عبر عملية قيصرية اضطرارية خلال وجودها هناك.

لكن أصعب اللحظات، بالنسبة لرشا، كانت بعد ستة شهور من سجنها، عندما أخذ الضباط أطفالها، الذين اعتقلوا معها، في أيار 2014، في دمشق، ووضعوهم في دار للأيتام في بلدة قريبة.

تقول رشا، ذات الـ34 عاما، لآلاء نصار، مراسلة سوريا على طول، من محافظة إدلب، حيث التقت بزوجها وأطفالها الخمسة، بعد خروجها من المعتقل، منذ 3 أسابيع “بقيت مدة أسبوع وأنا أبكي”.

وحازت قضية رشا على اهتمام عالمي في عام 2015، عندما قامت سامانثا باور، التي كانت سفيرة لدى الأمم المتحدة آنذاك، بإدراج اسمها ضمن حملة “أطلقوا سراح العشرين” امرأة، لتسليط الضوء على المعتقلات ظلما، في جميع أنحاء العالم.

وأدى اتفاق بين النظام والجيش السوري الحر إلى منح رشا حريتها، من سجن المزة في دمشق، في وقت سابق من هذا الشهر.

رشا شربجي وأطفالها في 13 شباط. تصوير: مركز حلب الإعلامي.

وتشير رشا إلى أن اعتقالها كان لمحاولة القبض على زوجها الذي يعمل مع المعارضة، حيث “وجهوا له تهمة أكبر تاجر أسلحة في سوريا”.

وعلى الرغم من أنهم في مكان آمن، وبالقرب من عائلتهم، فإن أطفال شربجي بالكاد تعرفوا على والدتهم، بعد أن عاشوا أكثر من سنتين في دار الأيتام.

تقول رشا “دائما يطالبونني بالعودة إلى مربية الميتم فهم متعلقون بها ويظنونها أمهم الحقيقية، يقولون لي: بدنا ماما يلي بالميتم. وقد كان لذلك أثر نفسي سلبي علي، وما زلت أعاني معهم إلى الآن”.

أخبريني عن اليوم الذي تم اعتقالك فيه، أين كنتِ؟ ما الذي حدث الضبط؟

اعتقلت بتاريخ 22/5/2014 عندما كنت أنا وأختي زوجي وأطفالي الثلاثة محمد ومنى وبتول، بصدد إخراج جوازات للسفر لأبنائي في فرع الهجرة والجوازات بدمشق، وكنت حاملا بتوأم وهما مروة وصفا اللتان أنجبتهما خلال وجودي في المعتقل.

طلب الموظف حينها ورقة وعندما أحضرتها استوقفني عنصر من الأمن، وأخذ الورقة وطلب مني الذهاب معه إلى مكتب عميد الفرع الذي صادر مني ومن شقيقات زوجي الحقائب والموبايلات، وطلب دورية على الفور لاقتيادنا إلى “آمرية الطيران”، وهناك عرضنا على أكثر من محقق.

المحققين أخذوا مني معلومات عن زوجي، ثم وضعوا عصابة على عيني وأنزلوني على درج إلى طابق سفلي، وتم التحقيق معي من قبل شخص آخر أسمعني مكالمات هاتفية لزوجي تم الحصول عليها بمساعدة الحكومة اللبنانية.

ومن ثم اقتادوني إلى فرع الجوية في المزة وأعطوني رقم 714، وأخبروني ألا أنطق اسمي الحقيقي أبدا في الفرع، وأن اسمي داخل الفرع هو 714، وقد أعطوا أطفالي أرقاما أيضا ووضعونا في زنزانة منفردة.

لم توجه لي أية تهمة، ولم تتم محاكمتي خلال فترة وجودي في المعتقل، ولم تكن لي أي نشاطات سياسية، ولكني كنت مؤيدة لزوجي الذي كان يعمل بالمجال الثوري منذ بداية الأحداث.

وحسبما علمت منهم أنهم قد احتجزوني كرهينة، من أجل الضغط على زوجي حتى يسلم نفسه، بعد أن وجهوا له تهمة أكبر تاجر أسلحة في سوريا.

كان حالي في السجن صعب جدا، يكاد لا يوصف، ولم يكن هناك نظافة، وكان الطعام سيء للغاية كنا نأكل رغما عنا حتى لانموت، وأغلب ما كان يقدم من أطعمة هو البطاطا المسلوقة وأحيانا برغل أو زيتون، أما بالنسبة للأغطية فقد كانت متسخة ويوجد بها قمل وحشرات.

أما بالنسبة للتحقيق فكان مخيفا جدا وكانوا في كل مرة يحققون معي فيها، يهددوني أثناء التحقيق بإجهاضي إذا لم أتكلم ما يريدون، وهددوني بالتعذيب والضرب، إذا لم أخبرهم عن مكان تواجد زوجي وتنقلاته، وتهديدات دائمة بقتل أطفالي ورميهم من النوافذ إذا لم أخبرهم بكل التفاصيل.

عشت ضغوطات نفسية أرهقتني جدا داخل المعتقل، وكنت أرضخ لتهديداتهم، وأخبرتهم عن تفاصيل عمل زوجي وتنقلاته ومن هم رفاقه، حتى أنهم سألوني حول ماذا يأكل ويشرب ومتى يستيقظ، طلبوا معلومات دقيقة جدا عنه.

أخبريني أكثر عن زوجك، لماذا كان النظام يلاحقه ويهتم بأمره؟

 زوجي كان يعمل في داريا وبعدها انتقل إلى القلمون ومن ثم إلى وادي بردى ومنها إلى لبنان، وأثناء وجوده في لبنان تم اعتقالي، ومن ثم إلى درعا، ومنها تهريبا إلى الشمال، حتى وصل إلى إدلب.

انخرط زوجي في المجال الثوري منذ بداية الثورة وكان منضما للواء شهداء الإسلام ويعمل إلى جانب ذلك بتجارة الأسلحة وتهريبها إلى المناطق المحاصرة، لمجابهة النظام وأعوانه، كما أنه كان يساعد الثوار بنقل المصابين إلى لبنان وبإدخال مواد إغاثـية بالقدر الذي يستطيع. 

رشا شربجي وأطفالها، 13 شباط. تصوير: مركز حلب الإعلامي.                   

ما هي أبرز اللحظات أو المواقف التي حدثت معك في المعتقل وبقيت عالقة في ذهنك؟

أبرز المواقف التي حفرت في ذاكرتي كانت وفاة رجل أمامي تحت التعذيب، وقد شهدت تعذيب لسجينات بالعصا والضرب، وبسكب الماء المغلي على أجسادهن أو البارد جدا.

توقعت الموت عدة مرات لأنهم وضعوني بزنزانة خاصة ومنفردة، وأعطوني رقما بدل اسمي وقالوا لي ممنوع أن أذكر اسمي وكان رقمي 714، أحسست أني سأكون مجرد رقم من بين أرقام العديد من المعتقلات اللواتي توفين في معتقلات النظام.

كيف كانت تجربة ولادتك للتوأم داخل السجن؟ وماذا كان مصير أطفالك بعد الولادة؟

أخرجوني قبل ولادتي بأسبوعين إلى غرفة مسبقة الصنع، أنا وأولادي وعمتيهم، وعندما حان موعد ولادتي أخذوني للولادة في المشفى العسكري التابع للمخابرات الجوية، وبقي أطفالي مع عمتيهم في الغرفة وبكوا كثيرا عقب مغادرتي، كنت أشعر حينها بأني لن أعود إليهم.

وفي المشفى اضطر الطبيب لإجراء عملية قيصرية لأني كنت حاملا بتوأم وهما مروة وصفا، وكانت الخدمات سيئة جدا داخل السجن بعد الولادة.

كانت فترة الولادة من أصعب فترات اعتقالي، ولا أحبذ أن أتذكرها بتاتا.

ما هو الجزء الأصعب من فترة بقائك في السجن؟

أصعب موقف واجهته عندما أخذوا أولادي مني إلى الميتم، بحجة إعطائهم اللقاحات اللازمة، كنت أشعر حينها بأني سأموت، وبقيت مدة أسبوع وأنا أبكي، أضربت عن الطعام لمدة 6 أيام احتجاجاً على إبعاد أطفالي عني، وكنت أعاني من فقر في الدم ونقص الكلس وخصوصاً بعد الولادة.

كان كل همي أطفالي الذين أصبحوا خمسة وكلهم معي في نفس الزنزانة، بالإضافة لأختي زوجي اللتين بقيتا معي طيلة فترة اعتقالي، وأفرج عنهما معي.

 إلى أن تم نقل أطفالي الخمسة إلى ميتم  في مدينة قدسيا بحجة أنهم يريدون تلقيحهم، وبعد أن أخذوهم أخبروني أنه تم نقلهم إلى الميتم، وهنا كانت الصاعقة لي.

وطلبت منهم خلال فترة اعتقالي أن أرى أولادي وكانوا لا يوافقون ويقولون لي أن هذا الأمر مستحيل.

في الوقت الذي كنتِ فيه داخل السجن، واصلت قوات النظام حصار وقصف بلدتك داريا. وفي آب  2016، تم إجلاء ما تبقى من السكان إلى إدلب وفقا لاتفاق الهدنة بين الثوار والنظام. هل كنت على علم بما يحدث في داريا؟ هل كنت على علم بالدمار الذي حل بالبلدة أثناء وجودك في المعتقل؟

لا لم أكن أعلم، قضيت في المعتقل مدة سنتين وثمانية أشهر و15 يوما، لم يكن لي أي تواصل مع زوجي أو عائلتي لأنه ممنوع بل مستحيل.

هل لك أن تصفي لي شعورك لحظة وصولك إلى إدلب ولقاء عائلتك؟ وهل تمكنتِ من اصطحاب أطفالك معكِ؟ كيف استقبلتك عائلتك؟

بعد أن أخبرني ضباط المخابرات بأنه سيتم الإفراج عني أنا وأطفالي وعمتيهم بتسوية لزوجي علاقة بها، أصبت بالذهول ولم أصدق ما قالوه لي، لأنهم دائما كانوا يقولون لنا: انتو ما الكن طلعة ولا محاكمة. وبعد ذلك تم نقلي إلى الفرع 48 بداية شهر شباط حيث أمضيت فيه مدة 5 أيام قبل أن يتم الإفراج عني يوم الثلاثاء 8 شباط 2017.

كان الوضع صعبا جدا داخل المعتقل، ولم يكن لي أي تواصل مع عائلتي أو زوجي وحتى أطفالي، وكنت فاقدة الأمل بالخروج، فقد شعرت وكأنني في حلم وردي، ومازلت إلى الآن لا أصدق كيف حدث ذلك.. حمدا لله على ما أكرمني به.

وأُفرج عني وعن أطفالي وأختي زوجي خلال صفقة مع النظام، حيث كانت أسماؤهم مدرجة ضمن لائحة صفقة تبادل الأسرى بين النظام والجيش الحر، بعد أن قضينا مدة سنتين وثمانية أشهر و15 يوما داخل سجون النظام.

كان الاستقبال رائعا، ولاحظت أن الجميع متعاطف معي، واعتبروني وساما لهم، لم أكن أصدق ما يجري لي، ونسيت كل تعبي ومشقتي لحظة لقائي بأهلي وزوجي وعائلتي، الذين استقبلوني أنا وأطفالي استقبالا حارا وأولهم زوجي الذي غُيّبنا عنه لسنوات، شعور لا يمكن وصفه: حسيت حالي بالجنة، حسيت إنو زوجي كل شي بيعنيلي بهي الحياة، خصوصا أنه كان قائما بالمفاوضات، وخلصني من الكابوس الذي كنت أعيشه.

رشا شربجي، 10 شباط. تصوير: هادي العبدالله.

 كيف تتعايشين أنت وأطفالك مع الحياة في إدلب بعد خروجك من المعتقل؟

أريد التفرغ لأطفالي فهم تعبوا نفسيا بشكل كبير، ولم يستطيعوا إلى الآن التأقلم معي، بعد أن اعتادوا على العيش في الميتم، خصوصا طفلتي التوأم، لم يتعرفوا علي لأنهم تربوا في الميتم بعيدا عني، ودائما يطالبونني بالعودة إلى مربية الميتم فهم متعلقون بها ويظنونها أمهم الحقيقية، يقولون لي: بدنا ماما يلي بالميتم، وقد كان لذلك أثر نفسي سلبي علي، وما زلت أعاني معهم إلى الآن.

قمت بالتواصل مع شخص مختص بالدعم النفسي يقيم في إدلب وسيأتي ليجلس معي ومع أطفالي لدعمنا نفسيا وإخراجنا من الصدمة النفسية التي نعيشها.

أشعر بأنني متعبة جدا، وبحالة نفسية وصحية يرثى لها، ولم تكتمل فرحتي بالإفراج عني لأن لدي صديقات مظلومات مثلي في سجون الأسد، وأريد نقل معاناتهم وما رأيته بأم عيني داخل المعتقل.

 في عام 2015، كجزء من حملتها “أطلقوا سراح العشرين”، أدرجت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة سامانثا باور اسمك ضمن قائمة تضم أسماء20 معتقلة سياسية من مختلف أنحاء العالم. كمعتقلة سياسية سابقة، وامرأة ومواطنة سورية، ما هي الرسالة التي توجهينها للمجتمع الدولي؟

رسالتي إلى المجتمع الدولي بمختلف أطيافه السياسية والإعلامية أن يتحمل مسؤلياته تجاه الشعب السوري، وأن يضع حدا لهذا النظام السفاح المجرم، الذي عذب الناس ودمّر البلد وضرب الكيماوي وقصف المنازل وقتل المدنيين واعتقل وشرّد النساء والأطفال والرجال.

كما أنني أطالب منظمات حقوق الإنسان الدولية بالدخول إلى سجون النظام وإجباره على إطلاق سراح المعتقلات ومحاسبته على أساليب التعذيب الوحشية التي يتعرض لها كل معارضيه، وتحسين وضع السجون، والمطالبة بوقف الاعتقال التعسفي وخصوصا للنساء والأطفال.

ترجمة: سما محمد.

آخر التقارير…