مدة القراءة: 7 دقائق |

“رمضان” في سوريا يجمع السوريين على بهجة منقوصة ويعمق عجزهم


أبريل 3, 2022

باريس- استقبل السوريون في مناطق النفوذ المختلفة شهر رمضان المبارك، لهذا العام، ببهجة لا تخلو من المعاناة نتيجة سوء أوضاعهم المعيشية، وتدهور الاقتصاد المحلي إلى نحو غير مسبوق، زاد من سوئها الغزو الروسي على أوكرانيا التي ظهرت نتائجها على الأسواق العالمية بما فيها سوريا.

ومع دخول أول أيام “الشهر الفضيل” اكتفت فاطمة الشامي، 40 عاماً، المقيمة في حي ركن الدين الدمشقي، بالاستعداد المعنوي لرمضان، لكن “موائدنا الرمضانية لهذا العام ستفتقد كل شيء”، كما أوضحت السيدة، وهي أم لثلاثة أطفال، لـ”سوريا على طول”، مشيرة إلى أنهم يقتاتون “كل يوم بيومه”، وغالباً ما يضطرون إلى “الاستدانة” لتأمين مصروفهم.

ويبلغ دخل زوج الشامي، الذي يعمل موظفاً حكومياً، 100 ألف ليرة سورية شهرياً (25.7 دولاراً أميركياً بحسب سعر الصرف في السوق الموازية البالغ 3895 ليرة للدولار)، وهو لا يكفي “لتأمين متطلباتنا لبضع أيام فقط، ونعتمد باقي الشهر على الدين من هنا وهناك”، وفقاً للشامي.

وعبّرت الشامي عن حيرتها في إعداد المائدة الرمضانية، إذ يتعين عليها أن تختار مكوناتها “بما لا يتجاوز 15 ألف ليرة [3.8 دولاراً]، وهو المبلغ الذي قررنا إنفاقه يومياً لضبط مصاريفنا لهذا الشهر”، لكن إذا فكرت بنمط حياتها قبل 2011 يتعين عليها “إنفاق مليون ليرة شهرياً [256 دولاراً]، وهو لسد الاحتياجات الأساسية فقط”.

غلاء يضرب البلاد

يشترك السوريون في مناطق سيطرة النظام السوري، وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) شمال شرق سوريا، وهيئة تحرير الشام والمعارضة السورية في شمالها الغربي، بأوضاع اقتصادية مشابهة، مع هامش فروقات بسيطة في أسعار بعض المواد الأساسية وتوفرها بين منطقة وأخرى.

ولم يكن متوقعاً بالنسبة لهم أن يكون رمضان الحالي أكثر قسوة من العام الماضي، لكن هبوط سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار الأميركي من 2970 ليرة، العام الماضي، إلى 3895 لهذا العام، ورفع الدعم الحكومي عن نحو 600 ألف عائلة في مناطق سيطرة النظام، وتداعيات الغزو الروسي على أوكرانيا تسببت في مزيد من معاناتهم.

وقبل العوامل الأخيرة التي تسببت بمضاعفة معاناة السوريين، من قبيل الحرب الروسية-الأوكرانية، يعاني الاقتصاد السوري من “أمراض عدة، أولها البطالة التي تجاوزت 80%”، وفقاً للمحلل الاقتصادي السوري أسامة القاضي، مشيراً لـ”سوريا على طول” أن “أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، منهم نسبة لا يستهان بها وصلت لمرحلة الجوع”.

وأشار القاضي إلى أن “المواد الأساسية المستوردة من أوكرانيا، من قبيل زيت الذرة الذي تنتج أوكرانيا 40% من الاستهلاك العالمي، والقمح ومواد غذائية أخرى صارت مفقودة في الأسواق، وفي حال توفرها سيرتفع ثمنها أضعافاً”.

وقد تخطى سعر لتر زيت الذرة في دمشق، الواقعة تحت سيطرة النظام، 18 ألف ليرة (11.5 دولاراً)، و”بلغ سعر كيلو الرز 9 آلاف ليرة [2 دولار]، فيما كان سعره العام الماضي 3500 ليرة، ووصل سعر ربطة الخبز المدعومة حكومياً 1300 ليرة [0.3 دولار]”، وفقاً لفاطمة الشامي.

وتضاعفت أسعار اللحوم أيضاً، إذ “وصل سعر الكيلوغرام من لحم الضأن إلى 42 ألف ليرة [10.7 دولاراً]، مقابل 14 ألف ليرة العام الماضي، ووصل الدجاج إلى 14 ألف ليرة بعد أن كان 4 آلاف ليرة”، بحسب الشامي.

تظهر الصورة وجبة إفطار اليوم الأول لعائلة الشامي، مكونة من وجبة محاشي، وهي “سكبة” كما يطلق عليها أهل سوريا، أي ضيافة من جيرانها، إلى جانب الفتوش، وهو وجبة مقبلات مكونة من الخضار، وبلغت تكلفة صحن الفتوش، بحسب الشامي، 8 آلاف ليرة تقريباً (2 دولاراً).

وفي مناطق سيطرة المعارضة، شمال غرب سوريا، بلغ سعر لتر زيت الذرة 40 ليرة تركية (2.72 دولار أميركي بحسب سعر الصرف في السوق الموازي البالغ 14.69 لليرة التركية الواحدة)، فيما بلغ سعر كيلو الرز 15 ليرة تركية (1.02 دولاراً)، وبلغ سعر ربطة الخبز 2.5 ليرة تركية (0.17 دولاراً)، كما قال علي خربوط، صاحب أحد المحال التجارية في مدينة إدلب لـ”سوريا على طول”.

وارتفعت أسعار اللحوم أيضاً، إذ بلغ سعر الكيلو من لحم الضأن 100 ليرة تركية (6.8 دولاراً)، أي ضعف سعر العام الماضي، وبلغ سعر الدجاج 50 ليرة تركية (3.4 دولاراً) بعد أن كان سعره لا يتجاوز 20 ليرة، وفقاً لخربوط، مؤكداً أن أسعار بعض الأصناف “ارتفعت 4 أضعاف عن العام الماضي، وهو ما أضعف الإقبال على الشراء”، وعليه فإن “الأسواق فارغة من الزبائن”، على حد وصفه.

أحد أسواق مدينة إدلب في ليلة اليوم الأول لرمضان، 1/ 4/ 2022 (علي حاج سليمان)

وقدّر خربوط حاجة العائلة في شمال غرب سوريا، المكونة من 3 أفراد، “يومياً إلى 200 ليرة تركية [13.5 دولاراً] لتغطية احتياجاتها الأساسية”، في الوقت الذي يتراوح دخل الأسرة “يومياً بين 30 و50 ليرة تركية [2.04 و3.40 دولاراً]”.

كذلك، استقبل سكان شمال شرق سوريا، التابعة لسيطرة “قسد”، شهر رمضان بارتفاع واضح في أسعار المواد الأساسية مقارنة بالعام الفائت، فوصل سعر لتر زيت الذرة إلى 10 آلاف ليرة سورية (2.5 دولاراً)، بعد أن كان 5 آلاف ليرة العام الماضي، وبلغ سعر كيلو الرز 4600 ليرة (دولاراً واحداً)، بعد أن كان 3200 ليرة، كما قال أحمد الشحيلاوي، 32 عاماً، المقيم بريف دير الزور الشرقي.

وارتفع سعر كيس الطحين، وزن 50 كيلوغراماً إلى 125 ألف ليرة (32 دولاراً)، بينما كان يباع العام الماضي بمبلغ 50 ألف ليرة، بحسب ما ذكر الشحيلاوي لـ”سوريا على طول”.

ومع أن الشحيلاوي يعمل براتب 150 دولاراً أميركياً شهرياً، أي ما يعادل 583 ألف ليرة سورية، لقاء عمله في إحدى الحراقات المحلية (مراكز تكرير النفط)، وهو جيد نسبياً مقارنة بالرواتب في مناطق سيطرة النظام، إلا أن “الراتب لا يكفيني في الأيام الاعتيادية فكيف سيكون في شهر رمضان؟”، تساءل الشحيلاوي، وهو أب لأربعة أطفال.

وتظهر الصورة وجبة إفطار عائلة الشحيلاوي في أول أيام رمضان، والتي بلغت تكلفتها 6000 ليرة (1.54 دولاراً)، وهي عبارة عن برغل مع الشعيرية إلى جانب وعاء من الشوربة، وقليلاً من الخبز.

تضخم مستورد

تسجل مناطق سيطرة النظام السوري الحد الأدنى من الرواتب مقارنة بباقي مناطق السيطرة، إذ يبلغ متوسط الرواتب 100 ألف ليرة (25.7 دولاراً)، “أي ما يعادل سعر 2 كيلو لحم، وهو ما يعني أن الموظف يعاني الفقر بتفاصيله البائسة”، وفقاً للمحلل الاقتصادي أسامة القاضي، فيما كان متوسط الرواتب قبل 2011 نحو 15 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل 300 دولار أميركي.

لذلك، مشكلة السوريين الأساسية، من وجهة نظر القاضي، أنهم يعانون من “تضخم مستورد”، على حد تعبيره، معللاً ذلك بأن “أسعار النفط والوقود والطاقة والمواد الأولية مرتفعة  في العالم، واستيراد النظام السوري لتلك البضائع من الخارج بمثابة جلب التضخم إلى الداخل”.

يزيد من معاناة السوريين “مشكلة الركود الاقتصادي داخل سوريا” وفقاً للقاضي، ومن أسباب هذا الركود “تنفير النظام لعشرات ألوف الصناعيين والفنيين من سوريا”، يضاف إلى ذلك “إصدار المرسوم رقم 3 لعام 2020 الذي يجرم التعامل بالدولار، وهو ما أسهم بتجميد النشاط الاقتصادي”.

حيرة الإنفاق

تزامن قدوم شهر رمضان بالنسبة لتركي السويد، 45 عاماً، مع توقف راتبه للشهر الثاني على التوالي، ما اضطره إلى استدانة 400 ليرة تركية (27 دولاراً)، أنفق منها غالبية المبلغ، وبقي معه 70 ليرة تركية (4.75 دولاراً) “يجب أن تكفيني لنهاية الشهر الحالي، لحين تجديد عقد العمل”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

ويعمل السويد، 45 عاماً، الذي يقيم في أحد مخيمات ريف إدلب، في راديو فرش المحلي، ولكن كون “عقدي معهم متطوع، توقف الراتب إلى حين تجديد العقود”، بحسب قوله.

لذلك، استقبل السويد، وهو أب لأربعة أطفال، شهر رمضان “من دون شراء الأطعمة الخاصة بالشهر الكريم”، وكانت وجبة إفطارهم الأولى “ما تبقى من طعام في اليوم السابق، إضافة إلى صحن فتة”.

الأصعب من ذلك، العجز الذي يشعر به السويد أمام أطفاله، الذين “يتبادلون النقاش يومياً عما يتمنون شراءه في العيد”، وهو غير قادر على تأمين مصاريف رمضان أصلاً، ولا يجرؤ أن يخبرهم “أني لا أملك المال لتوفير أمنياتكم”، كما قال.

وتكافح فاطمة الشامي من أجل “الخروج من رمضان دون الاستدانة من أحد”، معبرة عن حيرتها وزوجها “بكيفية تقسيم الراتب الشهري، وقدره 100 ألف ليرة، على أيام الشهر”. 

أما الشحيلاوي، يضطر في بعض الأيام لـ”تناول وجبة واحدة أنا وأولادي”، معتمداً على الخبز كمكون رئيسي، لكن “حتى الخبز نحاول تخفيف استهلاكه بعد غلاء الطحين”، ووسط هذه الظروف تساءل الشحيلاوي “عن أي استعدادات لشهر الخير نتحدث؟”.

غياب الطقوس الرمضانية

أكثر من أي عام مضى، يحاول السوريون اختصار مصاريف رمضان، ما يعني اختفاء كثير من الطقوس الرمضانية التي اعتادوا عليها لسنوات، “كنا ننتظر مجيء الشهر الفضيل والبهجة تملأ قلوبنا، ونزين بيوتنا من الداخل والخارج، ولكن اليوم اختفى كل شيء”، وفقاً لفاطمة الشامي.

وصارت زينة رمضان “طقوساً منسية” بالنسبة للشامي وآخرين تحدثوا لـ”سوريا على طول”، نظراً لغلاء أسعارها، ولوجود أولويات أكثر ضرورة مرتبطة بحياتهم اليومية.

ويبلغ سعر “حبل الزينة المضاء، بطول متر واحد، في دمشق 45 ألف ليرة [11.5 دولاراً]”، وفقاً للشامي، بينما “يتراوح سعر هلال رمضان المضاء من 150 إلى 200 ألف ليرة [من 38 إلى 51 دولاراً]، بحسب حجمه ونوعه.

أما بالنسبة لتركي السويد، المهجر من مدينة كفرنبل بريف إدلب الجنوبي، قدوم رمضان “يثير مشاعر الفقد والغصة لدى الكثير من العائلات المهجرة”، فلا طقوس رمضانية “ونحن بعيدون عن منازلنا وحدائقها التي كانت تجمع أفراد العائلة على وجبة الإفطار”.

“اليوم نحن مقتَلعون من أرضنا، وقد غيب الموت شهداءنا، ومعتقلات الأسد أحبتنا”، قال السويد. وعليه “نسينا البهجة وطقوس الشهر الفضيل وعاداته الاجتماعية منذ سنوات”.

ويحنّ الشحيلاوي لبهجة رمضان القديمة التي “كانت تبعث السعادة في نفوسنا”، مشدداً على أن “أهالي المنطقة حالياً بالكاد يستطيعون تأمين قوت يومهم”. الأكثر من ذلك “صرنا نخاف قدوم الشهر الفضيل، رغم إدراكنا لبركته، ولكنه “نكبة للعائلات الفقيرة”.

وختمت فاطمة الشامي بتهكم: “حتى من يستطيع شراء زينة رمضان، لن يستطيع إضاءتها بسبب الانقطاع المتواصل للكهرباء”.