مدة القراءة: 7 دقائق | تقارير, حمص, سياسة

ريف حمص الشمالي: سنفاوض حتى الرمق الأخير لإخراج معتقلينا


أغسطس 20, 2017

ذكر مفاوضون معارضون في ريف حمص الشمالي، الذي يحكمه الثوار أنهم لن يتنازلوا عن مطلبهم بإطلاق سراح الآلاف من المعتقلين حتى لو كان ذلك يعني انهيار اتفاق وقف إطلاق النار الهش داخل الجيب المحاصر، وفق ما ذكرت مصادر على الأرض لسوريا على طول.

وذكر الأهالي ومفاوض معارض لسوريا على طول في هذا الأسبوع أن إمكانية تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار في شمال حمص، آخر معقل للثوار في المحافظة، تتوقف على قضية واحدة وهي: الإفراج عن أكثر من 7آلاف معتقل من شتى أنحاء المحافظة. وما يزال اتفاق وقف إطلاق النار بين الثوار و القوات الموالية للحكومة والذي دخل حيز التنفيذ في وقت سابق من هذا الشهر قائماً، أو بالكاد هو كذلك، لأنه يتغاضى عن مسألة المعتقلين في سجون النظام.

ولطالما كان الإفراج عن أكثر من 7 ألاف سجين، غالبيتهم من المدنيين، خطاً أحمر في مفاوضات عناصر المعارضة الممثلين للأهالي والثوار في المحافظة.  

وأدخلت قضية الإفراج عن المعتقلين مفاوضات إطلاق النار في الوعر – الحي الثوري الآخير في مدينة حمص حتى توقيع اتفاق استسلام الثوار في آذار الماضي ــ في سلسلة طويلة من المحادثات والحصار والقصف استمرت لسنوات.

وفي النهاية، رضخ المفاوضون في الوعر إلى بنود روسيا وأسقطوا قضية الإفراج عن المعتقلين من قائمة مطالبهم. الآن، ذكر المفاوضون في شمالي حمص أنهم لن يتراجعوا عن مطلب إطلاق سراح المعتقلين كما حدث في الوعر، وأنهم مستعدون للدخول في سلسلة مماثلة من المحادثات والتصعيد العسكري إذا لزم الأمر.

ويضم شمالي حمص المحاصر مجموعة من المدن والبلدات والقرى والمناطق الريفية، و يقدر عدد ساكنيه بـ 260 ألف نسمة، وهو إحدى مناطق الأربعة في سوريا التي يفاوض الممثلون الروس من أجل إنهاء المعارك فيها.

ولكن المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، والذي لم يسمح به النظام السوري في أي مفاوضات سابقة مع المعارضة، ربما يحرف مسار مفاوضات وقف إطلاق النار، كما جرى في الوعر.

وقال عامر العامر أحد المفاوضين الستة الممثلين لريف حمص الشمالي، لسوريا على طول في هذا الأسبوع “نحن نعمل في حقل ألغام، ولكننا سنفاوض حتى الرمق الأخير لإخراج معتقلينا”.

بنود لم تذكر في اتفاق وقف إطلاق النار

وفي 31 تموز، وقع المفاوضون الروس مع  وفد من الائتلاف الوطني السوري وممثلين عن إحدى الفصائل الثورية العديدة في ريف حمص الشمالي اتفاقا لوقف إطلاق النار في القاهرة.

تجدر الإشارة إلى أن ريف حمص الشمالي هو أحد مناطق وقف التصعيد الأربعة  التي طُرحت خلال المحادثات التي جرت فى أستانة، بكازاخستان فى أيار الماضي بهدف وضع حد للمعارك بين قوات النظام والفصائل الثورية فى جنوب سوريا وضواحي الغوطة الشرقية لدمشق، ريف حمص الشمالي والأراضي التي تسيطر عليها المعارضة في إدلب وماحولها.

تلبيسة التي يحكمها الثوار في شمال حمص، في 3 آب. حقوق نشر الصورة لـ Mahmoud Taha/AFP/Getty Images

ومنذ محادثات أستانة في أيار، تفاوض الممثلون الروس على اتفاقيات وقف إطلاق نار مماثلة في جنوب سوريا وضواحي الغوطة الشرقية المحاصرة في ريف دمشق.

ودعا اتفاق القاهرة إلى وقف المعارك وإدخال المساعدات الإنسانية إلى الريف وحرية تنقل المدنيين من وإلى الجيب المحاصر ونشر الشرطة العسكرية الروسية لمراقبة وقف إطلاق النار، وفق ما ذكرت وكالة أنباء تاس الحكومية الروسية في 3 آب.

إلا أن اتفاق وقف إطلاق النار لم يأت سوى على إشارة غامضة لقضية المعتقلين ونص على “الإفراج الفوري عن المعتقلين ووضْع اتفاقية مرفقة حول آلية الإفراج عن المعتقلين والتي يتوجب على الجانبين الالتزام بها”.

ومع ذلك، انتهكت قوات النظام والفصائل الثورية اتفاق وقف إطلاق النار، الذي توستطه مصر وروسيا، عدة مرات  منذ دخوله حيز التنفيذ في 3 آب.

شنت طائرات النظام السوري غارات جوية على عدة مدن في ريف حمص الشمالي الذي تسيطر عليه المعارضة الأسبوع الماضي، وفقا لما ذكرته سوريا على طول آنذاك.

وفي يوم الأحد، أطلقت حركة أحرار الشام الإسلامية الصواريخ على مواقع للنظام في شمالي حمص “رداً على قصف (الحكومة) للمدنيين”، وفقا لبيان ثوري تم تداوله على مواقع التواصل الاجتماعي.

واستهدفت القوات الموالية للنظام المتمركزة على محيط الجيب المحاصر، وفق ما تواردت الأنباء، مدينة تلبيسة في ريف حمص الشمالي، بالمدفعية في يوم الخميس.

وذكر عامر العامر، مفاوض محلي معارض أن سبب إخفاق اتفاق وقف إطلاق النار الذي عقد في القاهرة  هو “توقيعه من قبل أشخاص بعضهم ليس له تمثيل في الريف الشمالي لحمص”.

وأضاف أن “بند المعتقلين مطلب أساسي للوفد التفاوضي ولايمكن التهاون به أبدا”.

ولهذا التقى العامر وخمسة مفاوضون محليون آخرون من ريف حمص الشمالي مع ممثلين من روسيا في 7آب قرب معبر الدار الكبيرة عند الطرف الجنوبي للجيب الثوري.

وأعلنت لجنة التفاوض في شمال حمص في بيان لها في اليوم التالي أن اتفاق القاهرة قد انتهى، وأن المفاوضين سيواصلون الاجتماع مع الممثلين الروس للتوصل إلى بنود اتفاق جديد.

وجاء في بيان للجنة المفاوضات في ريف حمص الشمالي بتاريخ 8 آب أن هناك “أولويات أهم من عدة سيارات إغاثية أولها الإفراج عن المعتقلين”.

ويقر العامر بأن “اتفاق القاهرة توجد به بنود جيدة ويمكن البناء عليها ولكن بالمقابل هناك بنود لم تنشر كاملة”، ولا سيما الإفراج عن المعتقلين.

وقال إن الاتفاق الجديد الذي يناقشه هو وزملاؤه الممثلون مع الوفد الروسي “ستكون بنوده واضحة بشكل كامل وبموافقة كافة الفعاليات المدنية والعسكرية والشرعية في الريف الشمالي”.

وقال المفاوض لسوريا على طولأن العمل جاري الآن على إعداد قوائم بأسماء المعتقلين ليسلموها للوفد الروسي في الجلسة المقبلة، التي لم يحدد تاريخها إلى الآن.

وقال أبو البراء الحمصي، ناشط إعلامي يقطن في الدار الكبيرة وحضر الاجتماع الذي عقد مع الروس، الأحد لسوريا على طول “إن المفاوضات هي قفزة نوعية بنقل المفاوضات من الخارج إلى الداخل لأن الألم لا يشعر به إلا صاحبه وهذا رأي الشارع بعد فشل المعارضة في الخارج”، مشيراً إلى وفد الإئتلاف الوطني.

وأشار إلى أن “ما يطالب به المفاوضون هي نفسها مطالبنا كمدنيين وأولها إخراج المعتقلين كبادرة حسن نية لإكمال البنود الأخرى”.

مثال الوعر

في 21 أيار، سيطرت قوات الحكومة على حي الوعر، آخر معقل ثوري في مدينة حمص. وقبل ذلك بشهرين، غادر15ألف مقاتل ثوري مع عوائلهم من الحي إلى مناطق سيطرة الثوار في شمال سوريا، وفق ما ذكرت سوريا على طول آنذاك.

وجاءت عملية الإجلاء بعد أن أسقط المفاوضون المعارضون في الوعر بند إطلاق سراح السجناء، ووقعوا اتفاقية استسلام توستطه روسيا لتسليم الحي ليد النظام السوري.

وكان المعتقلون قضية عالقة في مفاوضات المعارضة منذ بدء المحادثات في عام 2015. ولكن النظام السوري، وفيما بعد حلفائه الروس، تشبثوا برأيهم في مسألة المعتقلين، فإما أنهم ينكثون بالبنود التي تنص على الإفراج عن المعتقلين أو أنهم يطلقون سراح جزءاً فقط من العدد المطلوب.

وانهارت الهدنة في الحي في آذار 2016 بعد أن أعدّ المفاوضون في الوعر “قائمة تضم أسماء7360 معتقل… رد النظام بأنه لن يفرج سوى عن 137 شخصاً”.، وفق ما ذكرت سوريا على طول وقتئذ.

وقصفت الغارات الجوية والمدفعية للنظام الحي الذي تبلغ مساحته 3 كم مربع خلال فترات التوقف في عملية المفاوضات. وفرضت قوات الجيش السوري حصاراً خانقاً على المنطقة، وتمركز القناصة على الأطراف لتقييد حركة المدنيين.

وظل مفاوضو المعارضة يعودون مراراً إلى طاولة الحوار، ليناصروا بند تحرير المعتقلين، حتى آذار حين جرت المحادثات مع الروس.

وذكر أحد المفاوضين لسوريا على طول في ذلك الوقت “في أول اجتماع مع الروس، تم سؤالنا عن التهم الموجهة لهؤلاء المعتقلين، فأجبنا أنهم اعتقلوا بسبب اشتراكهم في الثورة، فكان جوابهم أنهم إرهابيون ولم يتم طرح هذا البند أبداً”.

ومنذ ذلك الحين نأى النظام السوري بنفسه عن منهج “كل أو لاشيء” في المفاوضات.

حتى أن اتفاق القاهرة “لم يجبر عناصر المعارضة السوريين على تسليم أسلحتهم أو تهجيرهم إلى الشمال السوري أو انسحابهم من أراضيهم”.

ولم يحاول ثوار ريف حمص الشمالي—  وهما فصيلان إسلاميان متشددان ومجموعة من الكتائب التابعة للجيش السوري الحر— القيام بأي محاولة جدية لرفع الحصار عن ريف حمص الشمالي على مدى سنوات.

وكان نهج المعارضة الذي لا يحيد والمصمم في قضية المعتقلين وراء إطالة عملية المفاوضات ووضع الجيب الثوري في طريق المفاوضات فالحصار والقصف ومن ثم المفاوضات والاستلام بالنهاية.

وهذا المسار مألوف لساكني الوعر سابقاً، والذين مروا في جولة المفاوضات الفاشلة التي يتبعها التصعيد العسكري لشهور. وقال بعض الأهالي في ريف حمص الشمالي أنهم لا يتخيلون أن قدرهم سيكون مختلفاً.

وقال بسام الحمصي ناشط إعلامي يقيم في الحولة بريف حمص، لسوريا على طول، الإثنين “ما يجري الآن من مفاوضات في ريف حمص الشمالي هو نفسه ما جرى سابقا بالوعر وبداريا والمعضمية وباقي المناطق التي تهجر أهلها، لكن كل منطقة لها أسلوب خاص يتبعه النظام مع الروس من خلال تقديم الوعود بوقف القصف وإدخال مواد غذائية وفتح معابر وإخراج معتقلين ينتهي المطاف دائما بإخراج الأهالي بالباصات الخضراء نحو إدلب”.

لكن الأهالي والمفاوضين المعارضين يقولون إنه إذا كان عليهم أن يمضوا، فسيكون ذلك: بالشيء الوحيد الذي طالبوا به خلال المفاوضات وهو: إطلاق سراح المعتقلين.

وقال الحمصي “نريد الثبات على مبادئ الثورة والاستمرار بها، وعدم تسليم السلاح والمنطقة لقوات الأسد بأي شكل من الأشكال، وعدم تهجير الأهالي للشمال السوري، بالإضافة لأهم بند وهو بند إخراج المعتقلين”.وتابع “مستعد لأي تصعيد عسكري في سبيل إخراج المعتقلين”.

ويعتمد السكان في شمالي حمص البالغ عددهم 260ألف نسمة على الزراعة المحلية وصيد الأسماك والبضائع الباهظة الثمن التي تباع عبر حواجز النظام. مع نقص حاد في المستلزمات الأساسية كالخبز وحليب الأطفال.

ورغم هذا، مايزال العديد من الأهالي والمفاوضين المعارضين في الجيب الثوري ملتزمين ببند إطلاق سراح المعتقلين كمطلب أساسي في أي اتفاق لوقف إطلاق النار، وحتى لو كان ذلك رفع الحصار عنهم.

وكان مئات المتظاهرين جابوا الشوارع في الرستن في 11 آب، ليعربوا عن التزامهم بقضية المعتقلين، وفق ما ذكرت مواقع إعلامية معارضة في اليوم ذاته.

وذكر يعرب الدالي ناشط إعلامي مقيم في مدينة الرستن “حاول البعض التهديد بأنه سوف  يكون مصيرنا مشابه لما حصل في الوعر بقرار تمسكنا بالمعتقلين ومع ذلك فإن الأهالي مصرون على تطبيق هذا البند أولاً”.

وختم “حتى وإن كان المقابل ستين سنة أخرى من القصف وليس ست سنوات فقط فهذا مطلب لا يمكن التنازل عنه”.

ترجمة: فاطمة عاشور

آخر التقارير…