مدة القراءة: 6 دقائق | شتات ومهجر

“سوريا آمنة وعلى اللاجئين العودة إليها”: أي مخاطر لهذا الزعم المتصاعد؟ 


يوليو 11, 2021

بيروت- بعد عقدٍ من الحرب في سوريا، تتزايد المطالبة بعودة اللاجئين السوريين إلى بلدهم رغم تحذيرات منظمات حقوق الإنسان من المخاطر الأمنية المترتبة على ذلك. 

ومع أن وتيرة العودة ما تزال منخفضة، إلا أن الضغط لدفع اللاجئين إلى العودة إلى سوريا يزداد في شتى أنحاء العالم، ابتداءً من تجريد اللاجئين السوريين من الحماية المؤقتة في الدنمارك، ووصولاً إلى ترحيلهم من لبنان مؤخراً.  

كم عدد اللاجئين العائدين إلى سوريا حتى الآن؟

أسفرت الحرب في سوريا عن تهجير أكثر من نصف السوريين المقدر عددهم بنحو 22 مليون نسمة قبل العام 2011. إذ نزح 6.2 مليون شخص داخل سوريا، فيما أصبح 5.6 مليون شخص لاجئين في مختلف أصقاع العالم. 

في المقابل، أحصت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عودة 279,684 شخصاً إلى سوريا. علماً أن هذا العدد يشمل الحالات الموثقة فقط من قبل الأمم المتحدة، وليكون العدد الحقيقي المتوقع أعلى من ذلك. 

استقر معظم اللاجئين السوريين في الدول المجاورة، مثل لبنان وتركيا والأردن والعراق. ولا يكاد يذكر عدد اللاجئين العائدين من هذه البلدان أمام الأعداد الإجمالية لمن لا يزالون يتواجدون فيها. 

ففي العامين 2017 و2018، كانت وتيرة العودة ثابتة بما يقارب 50,000 شخص سنوياً، فيما بلغت الذروة في العام 2019، مع عودة 94,000 شخص. لكن في العام 2020، انخفضت وتيرة العودة إلى أقل من 31,000 شخص، وهو ما يعود ربما إلى إغلاق الحدود ضمن القيود المفروضة لمواجهة جائحة فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19). 

أما بالنسبة للعام 2021، فإنه “لا يجدر بالمجتمع الدولي توقع ازدياد كبير في وتيرة العودة الطوعية؛ فاللاجئون مدركون تماماً لحجم المخاطر التي قد يواجهونها فيما لو عادوا إلى سوريا”، بحسب ما قالت نسمة باشي، الزميلة القانونية في المركز السوري للعدالة والمساءلة. مضيفة أنه “إذا شهدنا ازدياداً في وتيرة العودة، فمن المحتمل أن ذلك [سببه] أولئك الذين تم الدفع بهم قسراً إلى ذلك تحت ستار العودة الطوعية”. 

وقد كانت هذه هي الحال في تركيا. ففي العام 2019، وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش ترحيل عشرات السوريين بعد إجبارهم على توقيع استمارات العودة الطوعية من دون السماح لهم بقراءتها. 

أيضاً، تواصلت على مدار السنوات القليلة الماضية عمليات ترحيل اللاجئين السوريين في المنطقة. ففي العام 2017، حذرت هيومن رايتس ووتش من ترحيل 400 لاجئ سوري شهرياً من الأردن. وفي العام 2019، تم ترحيل 2,731 سورياً من لبنان. وفي العام 2020 وثقت منظمة العفو الدولية ترحيل ستة لاجئين سوريين من تركيا.  وفي آخر عمليات الترحيل، أُعيد خمسة عشر سورياً من لبنان إلى سوريا خلال الشهر الماضي، وفق ما ذكرت صحيفة “لو أورينت توداي”. 

ضغط باتجاه العودة: من الدنمارك إلى تركيا

يمثل قرار الدنمارك إلغاء وضع الحماية المؤقتة لعشرات السوريين باعتبار أن دمشق آمنة، نقطة تحول بشأن رواية “الضغط من أجل العودة”.

  بدعوى تمتع دمشق بالأمان: الدنمارك تجرد 94 سورياً من إقاماتهم 

هذه “سياسة خطرة جداً تنتهجها الحكومة الدنماركية بناءً على تقويم خاطئ كلياً يزعم أن الوضع الأمنى قد تحسن إلى حد كبير”، كما قالت هيا الأتاسي، الناطقة الإعلامية باسم الرابطة السورية لكرامة المواطن. مضيفة “إنهم [السلطات الدنماركية] يعيشون في عالم موازٍ يتجاهل كلياً واقع المناطق التي يسيطر عليها الأسد وباقي سوريا”. 

“إعادة الأشخاص قسراً إلى سوريا هو انتهاك صارخ للقانون الأوروبي والدولي”

ويضطر السوريون الذين يفقدون تصاريح إقامتهم في الدنمارك للعيش في مراكز ترحيل نائية. و”السؤال الذي لا بد من طرحه: هل تدفع الدنمارك الفئات المعرضة للخطر لتوقيع اتفاقات عودة طوعية عبر إجبارهم على العيش في مراكز ترحيل منعزلة شبيهة بالسجون؟”، تساءلت باشي. 

أما الأتاسي، فاعتبرت أن الخطوة الدنماركية “تشكل إحدى أخطر السوابق بخصوص السوريين أينما كانوا”. موضحة أنها تشكل انتهاكاً للمادة الثالثة للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والحدود الدنيا من الحماية التي أقرتها مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشأن عودة [اللاجئين]، كما الموقف الرسمي للمفوضية الأوروبية”.

ومؤخراً، صنفت اليونان تركيا كدولة ثالثة آمنة، الأمر الذي وصفته باشي بأنه “مقلق للغاية” لأنه لا يخفى على أحد أن “تركيا تعيد السوريين قسراً إلى سوريا”. 

ويحتل لبنان أيضًا مرتبة متقدمة في قائمة الدول المعنية بموضوع الإرجاع القسري للاجئين. و”لطالما كان لبنان من أسوأ [البلدان] من حيث التمييز وفرض العودة قسراً”. بحسب ما قالت سارة كيالي، باحثة سوريا في منظمة هيومن رايتس ووتش.

  سكان دمشق يعدّون الساعات والدقائق للنجاة من جحيم الحياة والأسد يستضيف مؤتمر "عودة اللاجئين" بضغط روسي

ويناقض دفع اللاجئين للعودة إلى سوريا، سواء تم ذلك بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، القانون الدولي للاجئين، والذي يسعى لحماية أولئك الذين يواجهون تهديدات حقيقية في وطنهم إلى حين تصبح عودتهم آمنة.  

وخلصت باشي إلى أن”إعادة الأشخاص قسراً إلى سوريا هو انتهاك صارخ للقانون الأوروبي والدولي”.

كما حذرت كيالي من أنه في حال قيام السلطات “بفرض العودة القسرية أو جردت السوريين من  صفة الحماية المؤقتة، ودفعتهم للعودة دون ضمانات ملموسة تكفل سلامتهم، فإن في هذا انتهاك لالتزاماتها بموجب القانون الدولي وهي بذلك عرضة للمساءلة على أعلى المستويات”. 

مخاطر العودة

يناقض الهجوم الدامي على مستشفى الشفاء في عفرين، شمال غرب سوريا، في حزيران/ يونيو الماضي، رواية “انتهاء الحرب” في سوريا. ويعزز ذلك أيضاً ما تضمنه تقرير أيار/ مايو الماضي للشبكة السورية لحقوق الإنسان، والذي وثق مقتل 96 مدنياً خارج سلطة القضاء، اثنا عشر منهم قُتلوا على يد قوات النظام السوري، وشخص واحد على يد كل من تنظيم “داعش”، والجيش الوطني السوري المدعوم من تركيا، والتحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة.

إذ “كيف يمكن أن يعود الناس بأمان في حين أن سبب تهجيرهم، وذلك  ينطبق على الغالبية العظمى من المُهجرين السوريين الفارين من نظام الأسد، ما يزال يمارس المنهجية ذاتها من دون أي خشية من العقاب؟”، تساءلت الأتاسي. 

ووفقاً لدراسة أجرتها الرابطة السورية لكرامة المواطن، فإن 81% من المُهجرين السوريين يريدون أن يشهدوا زوال نظام الأسد قبل أن يفكروا في العودة. وبحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فإن النظام مسؤول عن الإخفاء القسري لـ86,276 شخصاً ومقتل 14,338 آخرين تحت التعذيب. 

وتنطوي العودة على مخاطر حقيقية من قبيل الملاحقة والاعتقال. ففي حزيران/يونيو الماضي، اعتُقل 15 فلسطينياً في سوريا بعد عودتهم من لبنان والسويد وهولندا. ووردت في تقرير المركز السوري للعدالة والمساءلة الشهر الماضي شهادات أربعة سوريين كانوا قد اعتُقلوا عقب عودتهم إلى سوريا.

وكما ذكرت كيالي محذرة: “نشهد باستمرار حالات لأفراد يتم اعتقالهم تعسفياً لدى عودتهم؛ وما تزال حوادث التعذيب مستمرة وهي منتشرة بشكل رئيس بين الرجال، لكن هذا لا ينفي وقوعها بين النساء أيضاً”.

أيضاً، أعرب 68% من العائدين إلى مناطق سيطرة الحكومة عن ندمهم لعودتهم، وفقاً لدراسة أجرتها الرابطة السورية لكرامة المواطن. علماً أن 90% من السكان في سوريا يعيشون تحت خط الفقر، ويعاني 12.4 مليون نسمة من انعدام الأمن الغذائي.

كما أن السوريين يواجهون عقبة أخرى أمام عودتهم. فالعديد منهم فقدوا منازلهم بسبب ما لحق بها من دمار أو لمصادرتها جرّاء انتهاكات لا حصر لها فيما يتعلق بالإسكان والأراضي والملكية.

وحتى يتسنى لهم العودة، على السوريين خوض إجراءات استخراج موافقة أمنية من المخابرات السورية. وبحسب المركز السوري للعدالة والمساءلة، يتحقق الفرع 291 التابع للمخابرات العسكرية من مسقط رأس مقدم الطلب، وانخراطه في الثورة، وفيما إذا كان قد غادر البلد بشكل غير قانوني.  

والحصول على الموافقة الأمنية لا يعني بالضرورة حتمية العودة الآمنة. “فالاتفاق الأمني المبرم بين الدول هو حل غير واقعي لضمان الحماية في ظل تعدد التهديدات والمخاطر التي تُحدق بالعائدين”، كما لفتت باشي. مضيفة أن هذا التصريح الأمني “قد يعني أنهم قد يتمكنون فعلياً من دخول سوريا ربما ليوم واحد، لكن في اليوم التالي تأتيهم مكالمة ويضطرون لمراجعة أحد الأفرع الأمنية”.

وهو ما أكدته كيالي. إذ “وثقنا حالات لأفراد وقّعوا اتفاق مصالحة [مع النظام]، أو حصلوا على ما يسمى تصريح عودة، أو حتى كانوا ممن قد تم ترحيلهم بالتنسيق مع السلطات السورية، لكن [مع ذلك] تم اعتقالهم ومضايقتهم وتعذيبهم واخفاؤهم”.

يضاف إلى ما سبق خطر التجنيد الإلزامي الذي يشكل هاجساً يستحوذ على فكر العديد من الشبان السوريين في سن الخدمة العسكرية. “فالمتهربون من الخدمة العسكرية هم أكثر عرضة للخطر من غيرهم لدى عودتهم إلى سوريا، من قبيل تجنيدهم إجباريا أو ابتزازهم مالياً”، بحسب باشي.

إزاء كل ذلك، ما تزال “العودة الآمنة والطوعية والكريمة” التي نص عليها قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2449 سيناريو بعيد المنال في وقتنا الراهن.

تم نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية  فاطمة عاشور.

آخر التقارير…