مدة القراءة: 6 دقائق | شتات ومهجر

سوريون في مخيم بردرش بكردستان العراق


يونيو 29, 2021

دهوك – على رف المطبخ تصطف بترتيب مرطبانات شكولاته نوتيلا الزجاجية والتي ملئت بأصناف مختلفة من البهارات، فيما زُرعت الحديقة بشتلات بصل. في الأثناء، تخيط همرين الثياب المزركشة بالزهور، ليبيعها زوجها لاحقاً في متجرهما. أما بنات العائلة الثلاث، فيلعبن في غرفة الجلوس. 

مشهد يحاكي الوطن. لكنه أبعد ما يكون عنه. إذ إن عائلة همرين من ضمن 830 عائلة سورية تقيم في مخيم بردرش للاجئين، شمال محافظة دهوك بإقليم كردستان العراق، وتحيط به مساحات شاسعة من الأراضي الخضراء.

افتتح المخيم الذي يحيط به سياج في العام 2014، باعتباره مخصصاً لإيواء النازحين العراقيين الفارّين جراء حرب تنظيم “داعش”. وقد أغلق في أواخر العام 2017، قبل أن يعاد افتتاحه في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، ضمن إجراءات التعامل مع نزوح 17,000 مواطناً سورياً، إثر”عملية نبع السلام” العسكرية التي أطلقتها تركيا، بمشاركة الجيش الوطني السوري (المعارض)، ضد قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرق سوريا، وأسفرت عن سيطرة الفصائل السورية المدعومة من تركيا على مناطق حدودية هناك.

ويستضيف العراق 247,305 لاجئين سوريين، معظمهم من الأكراد السوريين، ويقيمون في إقليم كردستان العراق. 

وكان مخيم بردرش قد بلغ ذروة إشغاله في كانون الأول/ديسمبر 2019، مع إيوائه 11,000 لاجئاً سورياً. لكن لم يبق في المخيم اليوم سوى 3,541 لاجئاً، بحيث يبدو المخيم كما لو أنه مهجور؛ إذ هناك 1,810 خيمة خاوية، مقابل 878 خيمة مأهولة.

ومنذ تخصيصه للاجئين السوريين، غادر بردرش 13,986 شخصاً انتقلوا للعيش في مدن إقليم كردستان العراق بعد حصولهم على تصاريح إقامة هناك، فيما عاد 1,488 لاجئاً إلى سوريا، بحسب ما ذكر نائب مدير المخيم، حسن محمد زبار، لـ”سوريا على طول”.

أما العائلات الـ830 الباقية في المخيم، فما تزال تعيش هناك لأنها لم تحصل على تصريح إقامة بعد، أو لأنه لا قدرة لديها على تحمل مصاريف العيش خارجه.

ويتسنى للاجئين الحصول على تصاريح مؤقتة من السلطات للخروج من المخيم بهدف العمل أو زيارة معارف. أما مغادرة المخيم بشكل دائم فتحتاج إلى تصريح إقامة. إذ إن “مغادرة المخيم إلى سوريا أو محافظات إقليم كردستان العراق، تتطلب استكمال عملية تقوم الأسايش [قوات الأمن الكردية] بعدها بمنح الموافقة لمغادرة المخيم رسمياً”، وفق ما أوضح زبار.

“لا يمكننا العودة إلى سوريا”

همرين ومحمود وبناتهما الثلاث يجلسون في خيمتهم في مخيم بردرش، 21/4/2021 (أ. مدينا/ سوريا على طول)

الوطن بالنسبة لعائلة همرين هو تلك القرية الصغيرة المجاورة لمدينة رأس العين شمال شرق سوريا، حيث كانوا يزرعون أرضهم التي غادروها إلى إقليم كردستان العراق عقب دخول الفصائل المدعومة تركياً إلى رأس العين في تشرين الأول/أكتوبر 2019. 

“أتينا إلى هنا لأجل الأمان”، قال محمود. فيما أضافت همرين: “الكهرباء والماء والخيمة، جميعها متوفرة؛ العيش في هذا المخيم أفضل من أن تُترك بلا شيء”. 

وكما جميع قاطني المخيم الآخرين، يحصل كل فرد في العائلة على مبلغ 24,000 دينار عراقي شهرياً يقدمه برنامج الأغذية العالمي ومنظمة “وورلد فيجن” الدولية. ويصل المبلغ الذي تحصل عليه عائلة همرين ومحمود المؤلفة من خمسة أفراد إلى 85 دولاراً شهرياً تقريباً. ومن أجل استكمال متطلبات تكاليف معيشة الأسرة، يبيع  الزوجان الثياب في محلهما الصغير داخل المخيم.

“بوجود الأطفال الصغار، لا يمكنني العمل خارج المخيم؛ ليس لدينا أحدٌ هنا ليرعاهم. لذا أخيط الثياب و[محمود] يبيعها؛ وهذا يناسبنا”، قالت همرين. 

وما تزال تصاريح إقامة العائلة قيد الاستخراج. ورغم أنه يمكن طلب تصاريح مغادرة المخيم لأجل العمل، إلا أنه ليس بوسع الزوجين تحمل أجور المواصلات المرتفعة. فالمدينتان الأقرب إليهما هما إربيل ودهوك، وتبعدان مسافة 80 كيلومتراً و100 كيلومتر على التوالي. 

“خارج المخيم، الحياة صعبة؛ تحتاج نقوداً، ومن الصعب إيجاد عمل بسبب كورونا”، قالت همرين. فيما استطرد محمود بالقول: “كل ما أريده هو العودة إلى منزلي، لا شيء أكثر”. 

إلا أن هذه العودة تبدو احتمالاً مستبعداً، لاسيما وأن منزل العائلة تعرض للنهِب، وتستولي عليه حالياً مجموعة من الفصائل المسلحة. “لم يعد لدينا بيتٌ نسكنه ولا وسيلة لكسب العيش”، قالت همرين. وأضاف زوجها: “إذا كان المرتزقة ما يزالون هناك، فمن الصعب أن نعود”.

“الأكراد غير مرحب بعودتهم، وأولئك الذين يعودون يُقتلون أو يختفون. العرب الذين غادروا [شمال شرق سوريا] معنا عادوا”، بحسب ما قالت همرين. وكانت منظمة هيومن رايتس ووتش وثقت ممارسات تقوم بها أطراف مسلحة غير حكومية مدعومة تركياً للحيلولة دون عودة الأسر الكردية النازحة إلى “المنطقة الآمنة” التي سيطرت عليها تلك الفصائل منذ تشرين الأول/أكتوبر 2019.

طباخ بردرش

حامد محمد، لاجئ سوري من مدينة الحسكة، يقف في مطعمه الصغير في مخيم بردرش، 21/ 04/ 2021 (أ. مدينا/ سوريا على طول)

محل الوجبات الخفيفة الذي يملكه حامد محمد سعيد هو أحد المحال القليلة التي تضفي حيوية في خضم السكون الذي يعم المخيم. وقد كان هذا اللاجئ السوري ذو الخمسين عاماً صاحب مطعم في مدينة القامشلي، لكنه اضطر وزوجته وأطفالهما الثلاثة للفرار من المدينة حينما بدأت العملية التركية “نبع السلام”. 

“كنا على مقربة من الحدود، والقذائف تتساقط على منازلنا”، قال حامد. “لم نكن نستطيع النوم ليلاً، وأطفالنا كانوا صغارا، فهربنا من أجلهم”.

بعد الوصول إلى بردرش، عمل حامد لبعض الوقت في مطعم على الطريق المفضي إلى دهوك. إلا أنّ تكاليف المواصلات واضطراره للعودة إلى المخيم كل خمسة عشر يوماً لتجديد تصريح خروجه، صارا أمرين غير محتملين. 

في شباط/ فبراير الماضي حصل حامد على إقامة تتيح له الخروج من المخيم، إلا أنّ وضعه الاقتصادي لا يسمح له بالمغادرة؛ إذ لا قدرة لديه على تحمل تكلفة إيجار منزل والخدمات والمستلزمات الأساسية المتوفرة مجاناً في المخيم.

في كل يوم، يذهب حامد إلى متجره، حيث يبيع أصنافاً مختلفة، بدءاً من البوظة وحتى المشاوي. “لكني أخسر نقودي”، كما قال، إذ “تفسد المنتجات بسرعة بسبب ارتفاع درجات الحرارة والانقطاع المتكرر للكهرباء”.

وخلال ذروة انتشار وباء فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19)، اضطر حامد لإغلاق متجره لعدة أشهر التزاماً بالإجراءات المفروضة لمواجهة الوباء. ولأنه “لم نغادر المخيم لمدة ستة أشهر، ولم يسمحوا لنا بالعمل،  فقد أصبحنا مدينين بألفي دولار”. 

مع ذلك، فإنه لا يفكر في العودة إلى سوريا، إذ “لو كان هناك أمان، لكان من الأفضل لنا أن نكون في قامشلو، لكن لا أمان هناك ولن أعرّض أطفالي للخطر”.

في بردرش، يقود الأطفال دراجاتهم الهوائية في الشوارع الفسيحة ويلعبون في ملاعب كرة السلة. كما يوفر المجلس النرويجي للاجئين ومنظمة إنقاذ الطفولة أنشطة تعليمية، وتدير مؤسسة برزاني الخيرية مركزاً للرعاية الصحية الأولية يقدم خدماته مجانا على مدار الساعة، بحسب رئيس فريق الدعم النفسي بالمركز، مروان إدريس علي. ويتواجد في المركز سبعة أطباء، من ضمنهم طبيب نفسي، وطبيب أسنان وطبيب نسائية. ويقدم فريق الدعم النفسي جلسات توعوية حول العنف المبني على النوع الاجتماعي. 

“لديّ أحلام كبيرة”

 إبراهيم مهو يعيش مع جدته وشقيقه الأصغر في مخيم بردرش، 21/ 04/ 2021 (أ. مدينا/ سوريا على طول)

إبراهيم مهو يعيش مع جدته وشقيقه الأصغر في مخيم بردرش، 21/ 04/ 2021 (أ. مدينا/ سوريا على طول)

يسير إبراهيم مهو بمحاذاة متجر حامد وبيده استمارة طلب إقامة في كردستان العراق. إذ يهُم هذا “الوافد الجديد” إلى مخيم بردرش، والبالغ ثمانية عشر عاماً، بالقيام بالمعاملات الورقية المطلوبة. 

وكان إبراهيم قد فرّ وعائلته من رأس العين إلى بردرش مع بدء العملية العسكرية التركية، لكنهم ما لبثوا أن عادوا إلى سوريا. ثم مع بداية هذا العام، قررت العائلة إرسال إبراهيم وشقيقه الأصغر مجدداً إلى بردرش لدواع أمنية. لأن “القرية في سوريا ليست بخير؛ في كل يوم يقصف الجيش التركي القرية وحدات حماية الشعب [الكردية]”، كما أوضح إبراهيم.

مضيفاً: “كان لديّ أصدقاء في المخيم، لكنهم غادروا جميعاً الآن للعمل في مطاعم، فأصبحت أعيش حالياً بصحبة جدتي وشقيقي، لكن من دون أصدقاء”.

لم يتسن لإبراهيم التسجيل في المدرسة الثانوية، وعليه انتظار بدء الفصل الدراسي الجديد للتسجيل والتقدم لدرجة البكالوريا (الثانوية العامة). وقد تقبل الآن فكرة البدء بحياة جديدة في إقليم كردستان العراق، إلا أنه في الوقت ذاته يتوق للهجرة إلى الولايات المتحدة أو ألمانيا. 

“لديّ أحلام كبيرة. هنا أو في سوريا، لا يمكنني أن أنجز أياً من أحلامي. أما إذا ذهبت إلى ألمانيا، فإن التعليم جيد جداً، ولو أتيحت لي الفرصة، سأمضي”. قال إبراهيم ذلك باللغة الإنجليزية والابتسامة الواثقة ترتسم على محياه. فالبعض لا يقبل فكرة التخلف عن ركب التقدم في الحياة.  

نُشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.

آخر التقارير…