مدة القراءة: 6 دقائق | إدلب, تقارير, ثقافة ومجتمع, حلب, شتات ومهجر

شمال غرب سوريا: الفجوة بين الاحتياجات والاستجابة تحول شتاء النازحين إلى “كابوس” متجدد


فبراير 2, 2021

عمان- شتاءٌ عاشر يمرّ على السوريين منذ اندلاع الثورة السورية، وما تزال الاستجابة دون المطلوب في مواجهة العواصف المطرية، التي ألحقت أضراراً جسيمة خصوصاً في المخيمات، حتى صار الشتاء بالنسبة لسكانها أشبه بـ”كابوس” يلاحقهم سنوياً.

ففي شمال غرب سوريا، حيث يعيش نحو 4 ملايين نسمة نصفهم نازحون، المخيمات “منكوبة بالكامل”، بعد تضرر آلاف النازحين، وتعطل حركة الطرقات المؤدية إلى المخيمات أو في داخلها، كما تهدم مئات الخيام، بحسب بيان فريق منسقو استجابة سوريا، الذي وثق في الفترة بين 16 كانون الثاني/ يناير الماضي و2 شباط/فبراير الحالي تضرر 403 مخيمات بشكل جزئي أو كلي، وتهدم 2,358 خيمة. وقد بلغ عدد المتضررين 123,493 شخصاً، بينهم وفاة طفل وإصابة أربعة آخرين.

وفي مطلع الأسبوع الحالي، داهمت مياه الأمطارمجدداً بعض الخيام في مخيم أم جرن العشوائي بريف إدلب الشمالي، بعد أن تعرض المخيم، في 17 كانون الثاني/يناير الماضي، لعاصفة مطرية، إذ بلغ ارتفاع المياه في بعض الخيام 70 سنتيمتراً، كما قال شريف أبو خليف، 50 عاماً، أحد سكان المخيم. وأضاف النازح من ريف سراقب جنوب محافظة إدلب في حديثه إلى “سوريا على طول” بأن “الأمطار أتلفت كل ما نملك من بطانيات وفرش”.

الفيضانات التي غمرت مخيمات شمال غرب سوريا، وأسهمت في تدهور الوضع الإنساني السيء أصلاً، كانت متوقعة، فمنذ “تسع سنوات ونحن نقع في نفس المطب، وعندنا مشكلة في الاستجابة للمخيمات في فصل الشتاء”، كما قال محمد حلاج، مدير فريق “منسقو الاستجابة” لـ”سوريا على طول” .

اكتظاظ في تجمعات عشوائية

يتوزع نحو مليون ونصف نازح في شمال غرب سوريا على 1,302 مخيم للنازحين، 90% منها عشوائية وذاتية البناء، وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا). 

وتسببت موجة النزوح التي حدثت مطلع العام 2020 بضغط كبير على المخيمات، “فارتفع عدد سكان المخيمات بحدود 200 إلى 300 ألف نسمة، وأنشئت مخيمات عشوائية جديدة” بحسب حلاج. ويقدر عدد المخيمات العشوائية بنحو 440 مخيماً، وفق أرقام شاركها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية مع “سوريا على طول”.

ونظراً لعدم قدرة النازحين على استئجار مساكن لهم في المدن وبالقرب من الأسواق والخدمات الأساسية، اتجهوا إلى نصب خيام “في أراض زراعية غير صالحة للبناء، أو على منحدرات طينية، أو بالقرب من مجاري الأنهار ومناطق تجمعات المياه” بحسب ما ذكر المهندس هشام ديراني، المدير التنفيذي لمنظمة بنفسج، لافتاً في حديثه لـ”سوريا على طول” بأن هذه المناطق “معرضة للفيضانات”.

هذا لا يعني أن المخيمات الرسمية أفضل تجهيزاً من تلك العشوائية، إذ بحسب حلاج “ألحقت أمطار هذا العام أضراراً ببعض المخيمات المشيّدة منذ سنوات والمدعومة من منظمات عاملة في المنطقة”، ومن  أبرز هذه الأضرار “انهيار الأساسات الاسمنتية في أرضيات بعض المخيمات”، ما يشير إلى “وجود خلل كبير من الناحية الهندسية، ويكشف عن تلاعب المقاولين المنفذين بالمواصفات والمقاييس” كما قال.

وكما رأى مدير المشاريع في منظمة باكس للسلام الهولندية (PAX)، ويم زويجنينبيرج، فإن

تصميم العديد من المخيمات على أنها “حلول إيواء مؤقتة قد يغادرها الناس في وقت ما”، يدفع المقاولين إلى “تشييد بناء غير مثالي، لا يمكنه دائماً تحمل المخاطر الطبيعية مثل الرياح والأمطار والفيضانات”.

بنية تحتية هشة بذريعة حماية الملكية

في مخيم دير بلوط بريف عفرين، شمال غرب حلب، حيث تقع المنطقة تحت سيطرة الجيش الوطني (المدعوم من تركيا)، وتشرف منظمات تركية على إدارة المخيم “الوضع أفضل بكثير هذا الشتاء من الشتاء الماضي” على حدّ تعبير أبو محمد، المقيم في المخيم منذ إنشائه العام 2018 بعد نزوحه من جنوب دمشق، ويعود ذلك، كما قال لـ”سوريا على طول”، إلى “تأسيس منظمة آفاد التركية شبكة تصريف لمياه الأمطار، واستبدال السكان خيامهم القماشية بغرف مبنية من الطوب”.

هذه التحسينات البسيطة في البنى التحتية للمخيمات، من قبيل فرش الأرضيات بالحصى، وتأسيس شبكات صرف صحي، من شأنها تخفيف المعاناة على سكان المخيمات العشوائية، لكن هذه المخيمات تشهد فيضانات عاماً بعد آخر “لأنه لا أحد يستطيع تحسين المخيمات”، كما قال لـ”سوريا على طول” مدير أحد المشاريع في منظمة دولية غير حكومية تعمل في هذا الإطار، طالباً عدم الكشف عن هويته.

وأضاف المصدر “إن مالكي الأراضي الخاصة لا يسمحون للمنظمات غير الحكومية بإجراء تحسينات”، معللاً ذلك بـ”الجشع كما الخوف من فقدان أشجار الزيتون”. ومع أن المالكين “يحصلون على أجور من النازحين والمنظمات مقابل السماح بإنشاء مخيمات على أراضيهم، إلا أن المنظمات لا يمكنها تأسيس بنية تحتية أو تخطيط وإدارة المخيم من دون موافقة المالك”.

وتعد قضايا “الإسكان والأرض والملكية” من أكثر الملفات إشكالية، إذ لا يوجد تحديد واضح لحقوق الملكية والاستغلال، ووفقاً لدليل العمل الإنساني للعام 2019 حول الإسكان والأرض والملكية، يوجد في شمال سوريا نحو 325 موقعاً غير رسمي، لم يتم التحقق من ملكية الأرض.

وترتبط قضايا الملكية بحالة عدم الاستقرار والصراع في شمال غرب سوريا، إذ وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش استيلاء الفصائل العسكرية المدعومة من تركيا على أراض في عفرين، كما أنها تدير بعض الأراضي المؤجرة للنازحين رغم عدم وجود أي حق قانوني لها. لذلك من مبدأ “عدم إلحاق الضرر” تُنصح المنظمات الإنسانية غير الحكومية بتجنب إجراء تحسينات طويلة على المخيمات المبنية على أراض ذات ملكية غير واضحة، لأن ذلك من شأنه تعزيز النزاعات على الأراضي، وتعزيز إمكانية نزع الملكية من أصحابها الشرعيين.

وفي هذا السياق، أشار المهندس هشام ديراني إلى وجود عقبات تواجه المنظمات في شمال غرب سوريا من قبيل “غياب وجود سلطة قانونية تمنح المنظمات حق استخدام الأراضي العامة”، كذلك “عدم موافقة المانحين الدوليين على التعامل مع سلطات الأمر الواقع أو حتى التعامل مباشرة مع الأراضي العامة”.

مثل هذه العقبات “أجبرتنا على استئجار الأراضي الخاصة وإنشاء المخيمات عليها” بحسب ديراني. نتيجة لذلك، “فشلت الأمم المتحدة والمانحون الدوليون في توفير مساكن طويلة الأمد للنازحين، بذريعة الخوف من التغيير الديموغرافي” كما قال.

تدهور بيئي

خلال موجات النزوح الأخيرة، شمال غرب سوريا، كانت الأراضي الزراعية ملاذاً لآلاف النازحين، الذين تحملوا ظروف نزوح صعبة، من قبيل غرق المخيمات بمياه الأمطار، كما حدث مع سكان مخيم أم جرن بريف إدلب الشمالي في العواصف المطرية الأخيرة التي أغرقت المخيم. في الوقت نفسه تتسبب عمليات النزوح العشوائي بمزيد من التدمير البيئي، ما قد يجعلهم عرضة لمزيد من لكوارث الطقس مستقبلاً.

صورة تظهر تجمع مياه الأمطار في مخيم أم جرن، 18/ 1/ 2021 (عز الدين الإدلبي)

ومن خلال “البحث المستمر وتحليل صور الأقمار الصناعية” لاحظت منظمة باكس الهولندية “تغيراً في الغطاء الشجري”، بحسب زويجنينبيرج، مشيراً إلى أن “بساتين الزيتون والأشجار المثمرة آخذة في الاختفاء، إما لجمع الحطب أو بسبب استخدام الأراضي لأغراض أخرى [كبناء المخيمات]”، هذا من شأنه بحسب مدير المشاريع في باكس أن “يزيد من خطر تآكل التربة والانهيارات الأرضية، وبالتالي خطورة فصول الشتاء في السنوات القادمة”.

أيضاً، تشكل الكميات الكبيرة من النفايات الصلبة مخاطر صحية وبيئية جديدة، فهناك مخاوف من انتشار الأمراض المعدية، إلى جانب إمكانية تأثير هذه النفايات “التي يتم جمعها وتخزينها في مكبات قمامة غير آمنة على المياه الجوفية في المنطقة” كما قال زويجنينبيرج. 

ومع تفشي فيروس كورونا المستجد في شمال غرب سوريا، حيث تنتشر مئات المخيمات، والتي تعدّ أكثر عرضة لانتشار الفيروس، شكّلت الفيضانات مصدر قلق خاص للنازحين، خاصة وأن الفيضانات تؤدي إلى تفاقم مشاكل الصرف الصحي في المخيمات.

عجز وبيروقراطية

في إطار الاستجابة لمواجهة قسوة الشتاء، أطلقت المنظمات الإنسانية العاملة في شمال غرب سوريا برامج دعم للسكان، وخاصة قاطني المخيمات، من قبيل توزيع الأحذية والمعاطف والبطانيات، إضافة إلى مواد العزل، لكن هذه الجهود غالباً ما تأتي قليلة ومتأخرة جداً.

ففي حالة مخيم أم جرن بريف إدلب الشمالي، جاءت استجابة بعض المنظمات لمناشدات الأهالي متأخرة، كما قال شريف أبو خليف، النازح من ريف سراقب، واقتصرت المساعدات على “تقديم بعض الخيام والبطانيات فقط”، كما قال.

وخلال استجابتها الشتوية، وصلت المنظمات الإنسانية منذ 1 كانون الثاني/ يناير 2021 إلى  864,000 شخص في شمال غرب سوريا، من أصل 1.5 مليون مستهدف، بحسب ما ذكرت مجموعة المأوى، وهي آلية تنسيق للمنظمات الإنسانية غير الحكومية، لافتة إلى وجود فجوة كبيرة في المخيمات العشوائية، وهي ليست جاهزة لمواجهة الشتاء. لكن كما قال مدير المشروع “إذا كنت لا تستطيع منع الفيضانات، فيمكنك على الأقل أن تمنح الناس شيئاً للبقاء على قيد الحياة وتدفئة أنفسهم”.

لكن فيما يعود ضعف الاستجابة إلى النقص الكبير في التمويل، كما أكد اثنان من العاملين في المنظمات الإنسانية غير الحكومية لـ”سوريا على طول”، ما يتسبب بوجود فجوة بين حجم الاحتياجات والتمويل المتوفر، فإن أسباباً أخرى، من قبيل

“بيروقراطية المنظمات في الاستجابة تزيد المشكلة، ولا تغطي أكثر من 45% من الاحتياجات اللازمة”

بحسب محمد حلاج، مدير فريق “منسقو الاستجابة”.

ورغم تخصيص الأمم المتحدة ميزانية محددة في إطار الاستجابة السنوية لفصل الشتاء، إلا أن ذلك “غير كاف، ولا يشمل الاستجابة للحالات الطارئة” كما قال حلاج.

من جانبه، يدرك مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية في سوريا بأن “الاحتياجات تتجاوز الموارد المتاحة للجهات الإنسانية الفاعلة” كما قال عضو في المكتب لـ”سوريا على طول”، إذ “من بين 49 مليون دولار مطلوبة لأنشطة الشتاء في تشرين الثاني/نوفمبر 2020، تم الالتزام بأقل من النصف”، مشدداً على ضرورة “المساهمات السخية وفي الوقت المناسب من المانحين”.

وفيما تأثر آلاف النازحين بموجات البرد والعواصف المطرية التي ضربت مخيمات شمال غرب سوريا خلال الأسابيع الماضية، تتزايد مخاوف السكان هناك من أسابيع أخرى قاسية، محملة بالأمطار والثلوج، مقابل “العجز عن فعل أي شيء” كما قال أبو خليف النازح في مخيم أم جرن.

آخر التقارير…