مدة القراءة: 6 دقائق | شتات ومهجر

صنع في عرسال: سوريون في لبنان يعيشون بؤساً شتوياً


فبراير 9, 2022

عرسال- بينما تكسو الثلوج سفوح الجبال في شمال لبنان، يتجول الأطفال الثلاثة لمحمد أبو بكر وزوجته خزنة فياض حول خيمتهم، وهم ينتعلون صنادل بلا جوارب، وأقدامهم غارقة في الوحل والثلوج.

في هذه الخيمة، أمضت العائلة التي تعود أصولها إلى مدينة القصير في محافظة حمص وسط سوريا، ثمانية فصول شتاء، وهم من ضمن 85,000 لاجئ سوري يتوزعون على 208 تجمع عشوائي بمنطقة عرسال، التابعة لمحافظة بعلبك-الهرمل، التي تستضيف 340,000 لاجئ سوري.

ومع حظر الحكومة اللبنانية استخدام مواد البناء “الدائمة” في المخيمات، يقاسي اللاجئون السوريون شدة العواصف الثلجية في خيام مصنوعة من الخشب والبلاستيك. ورغم أن هذه السياسية مطبقة منذ عدة سنوات، إلا أن الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة في لبنان، التي دفعت 90% من أسر اللاجئين السوريين إلى ما دون خط الفقر المدقع، جعلت من الشتاء الحالي أكثر قسوة.

يدفع محمد وخزنة 100 دولار أميركي لمالك الأرض، إيجاراً سنوياً للإقامة في الخيمة، التي تضربها الظلمة والرطوبة، ويتكون هيكلها من الخشب والبلاستيك ومواد عازلة، ويفصل الغرفة الرئيسية عن المطبخ جدار بصفّين من الطوب الإسمنتي.

وفي العاصفة الأخيرة، تدفقت المياه إلى الغرفة التي يجلس فيها أفراد العائلة طيلة وقتهم، متحلقين حول المدفأة على بطانيات رقيقة، فيما غطت طبقة رقيقة من الجليد أرض المطبخ. وبحسب التقييمات الإنسانية يعيش 57% من اللاجئين السوريين في مساكن دون المستوى المطلوب.

“ليلاً تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون الصفر، ما يعني أنك ستشعرين بالبرد حتى وإن ألقيتِ جميع البطانيات فوقك”، قالت خزنة لـ”سوريا على طول”. وتابع زوجها “إذا لم تبق بالقرب من المدفأة ليلاً، لا يمكنك تحمل الجو”. 

محمد أبو بكر يقف بجوار خيمة العائلة في عرسال، 02/ 02/ 2022  (أليثيا مدينا، سوريا على طول)

وتتلقى الأسرة شهرياَ من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن كل فرد 300,000  ليرة لبنانية، أي ما يعادل 15 دولاراً بحسب سعر الصرف في السوق الموازي، إضافة إلى مساعدة شتوية مقدارها 1,800,000 ليرة لبنانية (90 دولاراً). لكن “هذا لا يكفي”، بحسب محمد، إذ تصل تكلفة وقود التدفئة لشهرٍ واحدٍ إلى 2,600,000 ليرة لبنانية (130 دولاراً)، موضحاً لـ”سوريا على طول” أن عائلته مدينة بمبلغ 2,000,000 ليرة لبنانية (100 دولار).

وسط هذه الظروف “لا يمكننا شراء اللحوم، والرز والعدس. نأكل الزيت والزعتر. اذهبي إلى المطبخ وتأكدي بنفسك، هل ترين أي شيءٍ يؤكل؟، قال محمد، وهو يشير إلى المطبخ الفارغ إلا من قطعة خبز وبعض البهارات. وتابع “انظري إلى شفتي ابني ذي الثالثة من العمر، كيف هي باهتة لأنه لا يأخذ ما يحتاجه من الفيتامينات”. 

وكحال عائلة محمد، يعاني نحو 50 % من اللاجئين السوريين في لبنان من انعدام الأمن الغذائي، في بلد سجلت ثالث أعلى معدل تضخم مالي في العالم، بنسبة %145، بعد فنزويلا والسودان، وشهدت أسعار المواد الغذائية فيها بنسبة 404 % منذ العام 2019.

“هذه ليست حياة؛ أوضاعنا تفتقد للإنسانية”، قال محمد بحزن، مضيفاً “أشعر بأنني أختنق. نفسياً، هنالك ضغط كبير علينا”.

وفي أواخر كانون الثاني/ يناير، جاءهم أمر من الجنود اللبنانيين بهدم الجدار الاسمنتي الفاصل بين المطبخ والغرفة الرئيسية في خيمتهم، كون الجدران الإسمنتية في الخيام ممنوعة أياً كان ارتفاعها، بحسب محمد، الذي يعتزم هدم الجدار في الأيام المقبلة.

وبالعودة إلى العام 2019، أمر المجلس الأعلى للدفاع في لبنان بتقويض “الهياكل شبه الدائمة” التي بناها اللاجئون السوريون في مخيمات في عرسال، متذرعاً بأنها تنتهك قوانين الإسكان. وعليه، أمر الجيش اللاجئين السوريين بهدم أي جدارٍ يزيد ارتفاعه عن خمسة طوب اسمنتية، ما اضطر خمسة آلاف عائلة سورية في عرسال الامتثال للقرار.  

يجلس أحمد صادق مع ابنته في خيمتهم بعرسال، 02/ 02/ 2022 (أليثا مدينا، سوريا على طول)

وكان أحمد صادق، 29 عاماً، ابن مدينة القصير بمحافظة حمص، واحد من الذين اضطروا قبل عامين إلى هدم الجزء العلوي من الجدران الإسمنتية في خيمة العائلة على مرأى جندي لبناني، كما قال لـ”سوريا على طول”، مبيناً أن الجيش اقتحم المخيم بعد الحادثة “لتفقد المخالفات، وأخبروني هذه المرة أن الجدران الإسمنتية بين الغرف ممنوعة”.

ويعيش أحمد رفقة زوجته وأطفاله الثلاثة في خيمة بعرسال منذ عام 2017، بعد أن استأجروا شقة في لبنان منذ وصولهم في عام 2015، لكنهم لم يتحملوا تكاليف الإيجار، فانتقلوا إلى مكان إقامتهم الحالي في المخيم، حيث سمح لهم مالك الأرض بالمكوث مجاناً لأنه “إنسان طيب” على حد وصف أحمد. 

وتتلقى عائلة أحمد أيضاً مساعدات مالية شهرية وواحدة شتوية، من مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بيد أن النقود لم تعد تغطي النفقات التي كانت تغطيها سابقاً. “في بادئ الأمر، كان يمكنك أن تدّخر مالاً، خاصة مع وجود مساعدة غذائية من المفوضية، لكن الآن الوضع صعب جداً”، بحسب أحمد، الذي لا يمتلك عملاً يعيل به نفسه وأسرته.

وأضاف “عشرون لتراً من وقود التدفئة لا تدوم سوى ثلاثة أيام، بتكلفة مقدارها 360,000 ليرة لبنانية [18 دولاراً]”. علماً أن أسعار المحروقات في لبنان شهدت ارتفاعاً كبيراً مُذ رفعت الحكومة اللبنانية الدعم عن الوقود في الصيف الماضي.

هذا الشتاء، “تلقى 1.2 مليون لاجئ سوري (260,833 عائلة) مساعدة نقدية شتوية”، كما قالت المتحدثة باسم مفوضية شؤون اللاجئين في لبنان، باولا باراتشينا، لـ”سوريا على طول”. وقد تلقى اللاجئون 930,000 ليرة لبنانية شهرياً، على مدى خمسة شهور. وخصصت المفوضية مبلغ 52.3 مليون دولار استجابة لشتاء 2021-2022، فيما ساهمت منظمات شريكة بتوزيع مستلزمات الشتاء، من قبيل البطانيات الحرارية وحقائب النوم، ومواد لدعم المأوى. رغم ذلك “ما تزال المساعدات المقدمة غير كافية لتلبية احتياجات الأسر”، بحسب باراتشينا. 

ويتولى المجلس النرويجي للاجئين مهمة الاستجابة لحالات الطوارئ في عرسال، وقد وزّع في كانون الأول/ يناير الماضي، 74 مجموعة أدوات لإصلاح الخيم المتضررة، ونصب 14 خيمة جديدة، اثنتين منها بدلاً من خيمتين متهاويتين، و12 خيمة جديدة لعائلات انتقلت من منازل إلى خيام.

ومن ضمن هذه العائلات، محمد الرفاعي وزوجته صفاء أبو زيد، وكانا يعيشان في منزل بعرسال منذ خروجهما من منطقة القلمون بريف دمشق، في عام 2014. غير أن مالك العقار رفع أجرته إلى 100 دولار أميركي، قبل بضعة أشهر، وعندما وجدا أن لا طاقة لهما بدفع المبلغ انتقلا للعيش في خيمة مقدمة من المجلس النرويجي.

ومنذئذ تحاول عائلة الرفاعي التأقلم مع خيمتهم التي تتسرب إليها مياه الأمطار لدرجة أن بللت أرضيتها، وفي العاصفة الأخيرة “كانت الخيمة تتأرجح مع الريح”، قالت صفاء، مضيفة “كنت أرتدي الثياب التي أرتديها خارج الخيمة تحسباً من تطاير الخيمة”.

“الحياة صعبة حتى بالنسبة للبنانيين، فما بالك باللاجئين السوريين؟. لم نتناول اللحم منذ أربعة شهور”، وفقاً لمحمد الرفاعي، الذي منعته إصابةٌ في يده عن العمل.

منذ انتقالهما إلى خيمة، يعاني الزوجان في تأمين الدفء. “لا يمكننا تأمين المازوت للمدفأة”، بحسب الرفاعي، مضيفاً”دفعنا 100,000 ليرة لبنانية [5 دولارات] مقابل سلة صغيرة من الخشب، أوقدناها مع الكرتون والأحذية وإطارات السيارات وأي شيء أعثر عليه”.  

الوضع قاتمٌ في لبنان ولكنه أكثر قتامةً في سوريا

محمد الرفاعي يحاول أن يشعل المدفأة مستخدماً فردة حذاءٍ كوقود للمدفأة،02/ 02/ 2022 (أليثا مدينا، سوريا على طول)

 

ويشعر الرفاعي كما لو أنه سجين، إذ “لا يمكنني العودة إلى سوريا، ولا الذهاب إلى بلدٍ ثالث، وخلال السنوات العشرة التي أمضيتها في لبنان، لم أستطع تأمين ثمن نافذة!” بحسب قوله. 

,”ومهما كان الوضع قاتماً في لبنان”، بحسب أحمد صادق ، فإنه لن يفكر في العودة إلى سوريا “لن أحمل سلاحاً وأقتل شخصاً أو أُقتَل”، ولكن “لو كانت سوريا آمنة لعدت غداً”.

 ووثق تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش مؤخراً المخاطر التي تواجه العائدين السوريين. “أظهر تقريرنا المخاوف والوقائع التي يواجهها الناس في حال عودتهم إلى سوريا”، بحسب ما ذكرت ناديا هاردمان، الباحثة في المنظمة، لـ سوريا على طول، مشددة على أنه “ما دام الأسد موجوداً، فلا نية للناس بالعودة، ولذا تقع على عاتقنا مسؤولية ضمان حياة كريمة للاجئين السوريين في الفترة الراهنة”.

ومن شأن رفِع الحظر المفروض على مواد البناء أو الإنشاء “مساعدة الناس على العيش حياة كريمة”، بحسب هاردمان، مضيفةً إلى أن “هنالك مجتمع إنساني قوي مستعد لعمل نوع من إعادة الهيكلة والاستعداد لفصل الشتاء ببناء مساكن كريمة حقاً”.

“بعد مرور أكثر من عقد على الأزمة السورية، يعيش اللاجئون السوريون ظروفاً مزرية في كل فصل شتاء”، وفقاً لمديرة قسم المناصرة في المجلس النرويجي للاجئين في لبنان، إلينا ديكوميتس، مشيرةً إلى أن “هذا إخفاق جماعي للمجتمع الدولي والحكومة اللبنانية”.

وأكدت هاردمان، الباحثة في هيومن رايتس ووتش، أن الدول المجاورة لسوريا، مثل لبنان والأردن وتركيا ما تزال تتحمل “ويلات أزمة اللجوء”، ودعت إلى زيادة عمليات إعادة التوطين خارج المنطقة، فلبنان على سبيل المثال “في حالة انهيار، وليس بوسعه تأمين حياة كريمة للاجئين”.

تم نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية سلام الأمين

آخر التقارير…