مدة القراءة: 5 دقائق | دمشق, مقابلات

طبيب في إحدى مستشفيات دمشق: العمل في المستشفيات أصبح كغيره من الأعمال التجارية أو الحكومية، يخلو من الإنسانية


فبراير 8, 2017

تعاني اثنتا عشرة مستشفى، تابعة للقطاع العام، في دمشق، من زيادة عدد المرضى مقابل عدد أقل من الأسرة لاستيعابهم، وعدم وجود عدد كاف من الأطباء والممرضين والاختصاصيين لمعالجتهم.

حيث تركت ست سنوات من الحرب، أثرها على البنية التحتية الطبية في سوريا التي “تتراجع إلى حد كبير … من تدمير للمستشفيات والعيادات إلى قلة عدد كوادر الرعاية الصحية ونقص الإمدادات”، وفقا لما ذكرته الجمعية الطبية الأمريكية السورية في عام 2016.

وخلص التقرير الصادر عن الجمعية إلى أن أكثر من 70 % من الأطباء السوريين فروا من البلاد نتيجة للحرب الدائرة فيها.

ويقول مصطفى، طبيب مقيم يكمل اختصاصه بجراحة العظام، لمراسل سوريا على طول، محمد الحاج علي  أنه على الرغم من سياسة المستشفيات في دمشق، القائمة على إعطاء الأولوية للحالات الأكثر إلحاحا “إلا أن هناك الكثير من التجاوزات التي تحدث بسبب الوساطات”.

ووفقا لمصطفى، في بعض الأحيان، يعطى الجنود ومسؤولو الأمن أو أقاربهم الأولوية في أسرة  المستشفيات والعلاج، على حساب المرضى الآخرين ممن قد تكون حالتهم أسوأ.

ويضيف “نحاول دائما توفير كل احتياجات المرضى رغم النقص والواسطات الموجودة للأسف  في القطاع الطبي(…) العمل في المستشفيات أصبح كغيره من الأعمال التجارية أو الحكومية، يخلو من الإنسانية”.

لمن تعطى الأولوية في علاج المرضى ومن يقرر ذلك؟

نحاول بشكل دائم أن نعطي الأولوية للأشخاص الذين بحاجة إليها، مثل العمليات المستعجلة أو العناية المشددة، بالرغم من وجود ضغط كبير على المستشفيات في دمشق بسبب العدد الكبير من النازحين من المحافظات الأخرى.

الذين يقررون هم مدير المسشتفى أو رؤساء الأقسام في المستشفى.  وكونهم من الأطباء فدائما يحاولون أن يعطو الأولوية للحالات التي بحاجة إليها. لكن هناك الكثير من هذه التجاوزات التي تحدث بسبب الوساطات التي باتت الآن موجودة حتى في المستشفيات.

تكون معظم الواسطات من قبل ضباط الجيش و الأمن، فيوجد عدد جيد من العسكريين الذين يتم علاجهم في المستشفيات المدنية بسبب وجود ضغط كبير على المستشفيات العسكرية. و أغلب الحالات التي تكون من العسكرية تكون حالات صعبة جدا تحتاج إلى جراحة العظام أو الأعصاب و أيضا قسم العناية المشددة.  

هل يمكن أن تعطيني أمثلة لحالات أعطيت الأولوية فيها للبعض دون الآخر؟

هناك الكثير من الحالات. منذ 3 أشهر كان يوجد ضغط كبير في قسم العناية المشددة، ولا يوجد أي سرير في القسم، وكان هناك حالة موجوة في قسم الإسعاف، رجل في الخمسين من عمره ولديه جلطة في الدماغ ويحتاج للنقل إلى قسم العناية المشددة.

كان الأطباء في قسم الإسعاف يحاولون إقناع ابنه أنه لا يوجد أي سرير في القسم، وأنه بحاجة لينقل إلى مستشفى آخر، لكن كان يصرخ بشكل مستمر ويقول “والله رح وصلها لفوق”.

وبعد جدل كبير قام مدير المستشفى بالاتصال بقسم العناية المشددة وأخبرهم أن يحاولوا البحث عن أقل حالة تحتاج للعناية المشددة ونقلها إلى قسم آخر وإدخال ذلك المرض مكانها، وأخبرهم أنه يجب أن يتم ذلك وإلا ” رح نطير من محلاتنا”.

ومنذ ما يقارب الأسبوعين، كان هناك عسكري لا أعرف رتبته لكنه شاب في العشرين من عمره وكان يحتاج لعملية في ساقه، والمعروف في المستشفيات الحكومية أن العمليات غير المستعجلة تكون بعد التسجيل ويتم إجراؤها حسب الدور الذي يعطى، وهذه العملية لم تكن مستعجلة، وعندما تم إخباره أنه يجب عليه أن يتنظر من أسبوع إلى أسبوعين اتصل مع قائد الكتيبة التي كان يعمل بها وأتي إلى المستشفى وتكلم مع  مدير المستشفى وتم إجراء العملية له في اليوم التالي.

وتأجلت بعض العمليات لمرضى كانوا ينتظرون منذ شهر أو شهرين.

إذا كان عليك تأجيل عملية جراحية لأحد المرضى، كيف تخبره بذلك وماذا تقول له؟

نقوم بشكل دائم بالتبرير بطريقة غير مباشرة. نقول للمريض أنه تم تأجيل العملية مثلا بسبب حاجتك للمزيد من العلاج قبل العملية مع أنه يكون جاهز للعملية، وهذا الشيئ يؤثر بشكل كبير على الحالة النفسية للمرضى وخصوصا الذين يحتاجون لعمليات كبيرة مثل مرضى القلب والسرطان.

كيف تبرر للمرضى سبب إخراجهم أو نقلهم إلى أقسام أخرى؟

إذا تم نقل مريض من قسم إلى قسم نقوم  بتبرير ذلك بأن حالته لم تعد بحاجة للبقاء في هذه القسم، مع أنه يكون بحاجة إليه وإلى الأجهزة الموجدة بذلك القسم، والتي لا تكون موجودة بالأقسام الأخرى كأجهزة التنفس وأجهزة مراقبة القلب.

كيف يؤثر عليك شخصيا إخراج المرضى باستمرار؟

في البداية كنت أرفض هذا الشيئ وأحاول أن أخبر أحد زملائي بالقيام بإخبار المرضى، ولكن مع الوقت أصبحت معتادا على هذا الشيئ، و للأسف أصبح شيئا روتينيا واعتدنا القيام به.

نحاول دائما توفير كل احتياجات المرضى رغم النقص والواسطات [العلاقات] الموجودة للأسف في القطاع الطبي.

العمل في المستشفيات أصبح كغيره من الأعمال التجارية أو الحكومية، يخلو من الإنسانية.  

صف لي الوضع في المستشفى. في ظل نقص الأدوية والكادر والمستلزمات الطبية كيف تلبون حاجات المرضى؟

الوضع ليس بالجيد، هناك نقص في بعض الأدوية التي لها علاقة بمرضى السرطان، واللقحات، يوجد بعض الأدوية متوفرة لكن بكميات قليلة جدا.

النقص في الكوار الطبية مشكلة أخرى، يوجد عدد جيد من الأطباء لكن دون تخصص، يوجد نقص في الجراحة العظمية و جراحة الأعصاب.

نقوم بتلبية حاجات المرضى بالعديد من الطرق ، نقوم باستبدال الأدوية الغير موجودة في المستشفى بأدوية أخرى تكون بنفس أو شبه الفعالية. يقوم الأطباء غير المختصيين بالعديد من العمليات أو الإشراف على الحالات التي تكون بحاجة إلى أطباء مختصين.

ما هو سبب النقص في الكوادر الطبية؟

هناك العديد من الأسباب حيث هاجر معظم الأطباء الذين كانوا يعيشون في دمشق بسبب الحرب.  ويوجد نقص في الأطباء بسبب العدد الكبير من المرضى.

كما تضاعف عدد سكان دمشق خلال فترة زمنية قصيرة جدا، بسبب فرار أهالي المحافظات الأخرى  إلى العاصمة، ونتيجة لذلك، لا يوجد عدد كاف من الأطباء.

[ذكرت صحيفة الوطن الموالية للنظام، عام 2016، نقلا عن مجلس محافظة العاصمة أن هناك ما يقارب 8 ملايين شخص يعيشون الآن في دمشق].

أضف على ذلك أن عدد الأطباء المختصين بالعصبية والعظام، والذين يحتاجهم معظم المرضى لدينا، كان قليلا حتى قبل بدء الحرب.

ماذا كان هدفك الأساسي من دراسة الطب؟ وهل تعتقد أنك حققت هدفك في عملك الحالي؟

في البدية كنت أحلم بعد التخرج بالانضمام إلى أحد المنظمات العالمية مثل الصليب الأحمر أو منظمة أطباء بلا حدود، لعلاج المرضى في كل أنحاء العالم. ولكن للأسف قبل تخرجي بعام واحد بدأت الحرب في سوريا، بعدها قررت أن لا أخرج من سوريا وأن أبقى لعلاج المرضى في بلدي لأنها في هذا الوقت تحتاج لي.

أعتقد نعم قد أنجزته في عملي الحالي، فهو لا يتخلف عن عمل هذه المنظمات العالمية، نحن نقوم بشكل يومي بعلاج المرضى من النازحين والمهجرين الموجودين في دمشق .  

ترجمة: سما محمد

آخر التقارير…