مدة القراءة: 8 دقائق | تقارير, شتات ومهجر

عقد من الثورة والحرب في سوريا: تداعيات يرصدها المعالجون النفسيون في لبنان


أبريل 8, 2021

بيروت – بعد مضي شهرين على عدم قدرتها النوم، أتت “م.” طالبة دعماً نفسياً. “كانت مرأة منهارة نفسياً ومحطمة”، كما قالت جهينة مسلم، الطبيبة النفسية من مدينة حلب، والتي تعمل حالياً في برامج الصحة العقلية التي تقيمها منظمة “النساء الآن” في لبنان.

“م.” كانت أمضت فترة من الوقت في أحد سجون النظام السوري. وبعد إطلاق سراحها، هجرها زوجها، فتركت سوريا وطفليها هناك، وفرّت إلى لبنان، حيث تزوجت من جديد وأنجبت طفلاً. لكنّ زوجها الثاني هجرها أيضاً. كان وضعها الاقتصادي حرجاً جداً. لقد “عانت الاكتئاب، وكانت تنتابها نوبات هلع حادة. وجميع أعراض اضطراب ما بعد الصدمة كونها باتت وحيدة”، كما أوضحت مسلم.

بعد تسع جلسات علاج نفسي، بالإضافة إلى تلقيها مساعدة مالية لتغطية نفقات العلاج ودفع إيجار مسكنها، بدأت “م.” تستعيد عافيتها وتنهض على قدميها من جديد. “ما رأيته من تبدل في حالها، ترك في داخلي أثراً كبيراً”، قالت مسلم، وهي أيضاً لاجئة سورية، عانت أيضاً “الحرمان من وطني وأعز الناس إلي ومنزلي. وهذا يجعلني أتفهم الألم الذي يقاسيه السوريون”. 

وربما يمكن التغاضي عن حجم هذا الألم النفسي أمام الحصيلة الكبيرة لما شهدته سوريا بعد عشر سنوات من الثورة والحرب: مقتل 227,413 مدنياً، وإخفاء قسري لـ 99,479 شخص، إضافة إلى 5.6 مليون لاجئ و6.6 مليون نازح. رغم ذلك، تظل الحقيقة أن السوريين يعانون جائحة صحية نفسية.  

وبحسب مسح أجرته منظمة “سيريا ريليف“، يعاني 99% من النازحين و73% من اللاجئين السوريين أعراض اضطراب ما بعد الصدمة، والذي يمكن أن يحدث عقب تعرض الشخص لحدث صادم بشكل مباشر، أوعلى مرأى أو مسمع منه.  

وقد أظهر المسح أنّ النساء أكثرعرضة للإصابة باضطراب ما بعد الصدمة. فمن بين أولئك الذين تعرضوا لحادث ينطوي على تهديد للحياة، كانت نسبة النساء اللاتي عانين من عشرة أعراض أو أكثر لاضطراب ما بعد الصدمة هي 52% مقارنة بنسبة 37% بين الرجال، وهو ما “يعود إلى كيفية استجابة النساء للتوتر والصدمة؛ ففي حين أن الرجال يميلون في استجابتهم إلى الاندفاع لفعل ما، تميل النساء إلى الانسحاب وتجنب القيام بأي فعل، ما يزيد من خطر اضطراب ما بعد الصدمة”، كما أوضحت أنجيلا دعبول، اختصاصية علم النفس السريري في مركز”ريستارت” لإعادة تأهيل ضحايا العنف والتعذيب.

ويعد العمر أيضاً من العوامل المؤثرة هنا. إذ “كلما كان الشخص الذي يتعرض للصدمة أصغر سناً، كان احتمال تعرضه لاضطراب ما بعد الصدمة أكبر”، كما أضافت دعبول. ومن مؤشرات اضطراب ما بعد الصدمة لدى الأطفال: التبول اللاإرادي، والكوابيس، وزيادة التصرفات العدوانية أثناء اللعب. وبحسب دراسة حديثة للجنة الدولية للصليب الأحمر، قاسى 47% من شباب سوريا من فقدان قريب أو صديق عزيز في الحرب، فيما يعاني 54% من اضطرابات في النوم والأرق، ويعاني 73% من نوبات القلق. 

ومن أعراض اضطراب ما بعد الصدمة الأكثر شيوعاً “التوجس الدائم، والتصرف أو الشعور كما لو أنّ الحدث الصادم يُعاد من جديد، والنزق المفرط أو نوبات الغضب، ومشاكل في التركيز، وألم نفسي أو عاطفي عميق لدى التعرض لأشياء تُذكر [الشخص] بالحدث الصادم”. كما أوضحت آلاء قدورة، اختصاصية علم النفس في اتحاد الجمعيات الإغاثية والتنموية. 

وفي حين تتوفر سبل الدعم النفسي للاجئين السوريين في الدول الغربية، فإنها قلّما توجد في لبنان، وتكاد تكون معدومة في سوريا بسبب وصمة العار المرتبطة بالعلاج النفسي. وتنحصر نسبة السوريين الذين يتلقون دعماً نفسياً في سوريا ولبنان بسبعة بالمئة.

عشر سنوات من الآلام النفسية

لم يخطر على بال معظم السوريين الذين لجؤوا إلى لبنان في السنوات الأولى من الصراع، والبالغ تعدادهم 1.5 مليون إنسان، أنهم سيمكثون في هذا البلد لعقد من الزمن. 

في بداية الأزمة السورية، كان اللاجئون في لبنان غارقين في “الحيرة والقلق، تنتابهم نوبات هلعٍ عميقة وانهيارات عصبية”، وفق ما أوضحت قدورة. 

“في بادئ الأمر، كانت المسألة تتعلق بمشاكل التأقلم. فبعد أن كان السوريون يعيشون في منازلهم باتوا في الخيام، وكان هناك الكثير من حالات اضطراب ما بعد الصدمة؛ إذ كانت صدمة رؤية المجازر والقصف ما تزال حديثة العهد”، كما أضافت مسلم.

بعد تحول الثورة إلى حرب، ومن ثم إحكام النظام سيطرته على معظم مناطق سوريا، تغلغل اليأس إلى نفس اللاجئين. “في البداية، كان لدى السوريين أمل في أن يخضع النظام السوري للمساءلة عن جرائمه، والإفراج عن المعتقلين، وأن يعودوا إلى سوريا”، قالت مسلم. لكن “هذا كان سابقاً، فيما الآن لم يعد الناس ينتظرون سوى حدوث كارثة أخرى. والخلاص الوحيد الذي يأملونه هو الخروج من لبنان”.

وبعد أن أدرك كثيرون أنّ العودة الآمنة إلى سوريا باتت احتمالاً بعيد المنال، تملكتهم مشاعر الإحباط وخيبة الأمل. “عملنا على توعيتهم بمدى تأثير هذا اليأس عليهم، وحاولنا جعلهم يعدلون عن فكرة أن الحياة ستنتهي فيما لو لم تُقدر لهم العودة [إلى سوريا]؛ لنحاول العثور على الأمل في مكان آخر”، كما قالت ستيفاني حداد، اختصاصية علم النفس في المركز اللبناني لحقوق الإنسان. 

ويتعين على المعالجين النفسيين التعامل مع حقيقة أن اللاجئين السوريين في لبنان يواجهون مستقبلاً ضبابياً. “لا يمكننا تصور ما الذي سيحدث خلال خمس سنوات. لذا نركز على مفهوم التأقلم وما يعايشونه الآن”، بحسب قدورة. مضيفة: “هم دائماً متوجسون وخائفون، ولا يعلمون ما الذي يخبئه لهم الغد”. 

للتعامل مع هذا الغموض والضبابية بشأن المستقبل، على اللاجئين إدراك أن هنالك أشياء خارج سيطرتهم، وفقاً لمايا زغلول،  اختصاصية علم النفس السريري في مركز “ريستارت”. و”حالما يقتنعون أن هناك أمورا معينة ليس بمقدورهم السيطرة عليها، يتسنى لهم التحكم أكثر بما يتملكهم من حيرة وتوتر”. 

وفضلاً عن اضطراب ما بعد الصدمة، تم تشخيص كثير من السوريين على مدى السنوات الماضية. بالإصابة بالاكتئاب والقلق والاضطرابات السلوكية. “بعد عشر سنوات، قد تظن أن الأمور عادت إلى طبيعتها، لكن [الحقيقة] غير ذلك”، وفق قدورة.

“نلاحظ الكثير من الصعوبات والاضطرابات السلوكية لدى الأطفال، والناجمة عن الضغوطات التي يعيشون تحت وطأتها في لبنان، بالإضافة إلى ما مروا به من أحداث صادمة في سوريا”، حسب ما أوضحت جويل وهبي، اختصاصية علم النفس السريري في مركز “ريستارت”.

كما أشارت مسلم إلى اضطراب “الرهاب الاجتماعي” أيضاً. إذ يشعر بعض اللاجئين أن “هذا المجتمع لا يتقبلنا؛ يعانون فيه من العنصرية فيلازمون بيوتهم. ويتفاقم هذا الرهاب إلى أن يصبح اكتئاباً”. 

لبنان ليس مكاناً للتعافي

الاضطرابات المتوالية التي شهدها لبنان -احتجاجات العام 2019، وانهيار الاقتصاد، وتفشي وباء كوفيد-19 وانفجار بيروت- تركت وطأتها على الصحة النفسية للاجئين السوريين. 

فالاحتجاجات أججت مشاعر كثير من السوريين، إذ كانت “بمثابة تذكير لهم كيف بدأت الحرب في سوريا، وداهتمهم بالتالي كثير من المخاوف”، بحسب زغلول.  

أما الأزمة المالية، فدفعت 80% من اللاجئين السوريين إلى ما دون خط الفقر. وباتت دوامة الأفكار الانتحارية تتوسع. “هنالك الآن وتيرة أعلى من الأفكار الانتحارية ومحاولات الانتحار. وبعد أن كانت حالات استثنائية، أصبحت هي القاعدة”، كما قالت دعبول. وتقدم مسلم حالياً العلاج النفسي لامرأتين تعانيان اكتئاباً عميقاً وحاولتا الانتحار، مشيرة إلى أنه “حتى في أوساط الشباب، تنتشر الأفكار عن الموت”.

انفجارميناء بيروت في آب/أغسطس 2020، والذي دمر جزءاً كبيراً من المدينة، كان بمثابة الشرارة التي أدت إلى استحضار السوريين “ما مروا به من أحداث صادمة، وكوابيس متكررة، فعادت المشاعر ذاتها التي كانت تنتابهم لدى تعرضهم لأنواع أخرى من الانفجارات في سوريا”. كما أوضحت ستيفاني حداد، التي تحاول أن تفسر لللاجئين السوريين أن ردة فعلهم الآن مرتبطة بما عانوه من صدمات سابقة في سوريا.

وقد كان انفجار بيروت نقطة الانهيار بالنسبة لأحد مرضى حداد، وهو رجلٌ تعرض للتعذيب في سجون الأسد وفرّ بعد خروجه منها إلى بيروت حيث يعمل سباكاً. حينما وصل المركز اللبناني لحقوق الإنسان يطلب العلاج النفسي، “كان يستحضر ذكريات مؤلمة. وكان في حالة اكتئاب، فلا يستطيع النهوض والذهاب إلى العمل، كما يعاني آلاماً في الظهر جراء التعذيب”، كما روت حداد. 

بعد بضعة أشهر من الخضوع للعلاج النفسي والتأهيل الفيزيائي، أظهر الرجل تحسناً ملحوظاً. وللمفارقة، فإن الإغلاق الكامل بسبب تفشي كوفيد-19 ساعده على تخطي شيء من ألمه. إذ إن “رؤية اللبنانيين يختبرون الأمر ذاته منحه نوعاً من المنعة”. لقد وجد شيئاً من الخلاص في الألم الجامع. “نحن بخير، ليس هناك من لا يعاني”، كما نقلت حداد عنه.   

إلاّ أن زوجته الحامل أجهضت طفلها نتيجة انفجار بيروت بسبب الصدمة، وهو ما جعله ينهار. وبعد شهرين من عودته لتلقي العلاج النفسي، بدأ يتماثل للشفاء. لكن فيما كان يتعافى، كان حال زوجته يسوء. “حينما لا يكون بخير، تصمد لأجل أن تسانده؛ وما إن تبدو عليه علامات التحسن، حتى تنتكس هي و ينتابها ما كان به”، كما ذكرت حداد. وقد رفضت الزوجة تلقي علاج نفسي، لذا قرر الزوج “أن لا يحرز تقدماً على طريق الشفاء، لأجل أن تتحسن هي”.  

ولم تعد مناقشة الصحة العقلية من المحظورات في أوساط المجتمع السوري في لبنان بخلاف ما كانت عليه سابقاً. فعلى مدى العقد الأخير، حينما كانت تُعرض عليهم خدمات الصحة العقلية، “كنا نواجه كثيراً من الناس يقولون: نحن لسنا مجانين”، قالت قدورة. أما الآن، وكما أجمعت المختصات النفسيات اللواتي تمت مقابلتهن لإعداد هذا التقرير، فإن العلاج النفسي لم يعد محل خلاف وجدل. 

تقنيات على طريق الشفاء

“اختصاصيو علم النفس لا يمارسون السحر”، هي عبارة تضطر قدورة إلى تكرارها أمام المرضى الذين رأوا في العلاج النفسي وسيلةً للتخلص من المشاعر المؤلمة، مؤكدة أن “العلاج ليس سحراً يمحو الذكريات، بل هو مرتبط بمدى التكيف والتفكير في المستقبل”.

وقد عملت مسلم، مع منظمة “النساء الآن”، بإنشاء مجموعات دعم من النساء السوريات لخلقِ مساحة آمنة يحاولن فيها التماثل للشفاء سوية، موضحة: “نناقش مع النساء مفهوم الاكتئاب، ونتحدث أيضاً عن فقدان أسرهن والصعوبات الاقتصادية التي يواجهنها؛ فعندما يتحدثن عن الآلام المشتركة، يدركن أنهن لسن وحدهن، وهذا جزء من العلاج”. كما يتعلمن أيضاً كيفية إدارة التوتر والغضب وكيفية “الاعتناء بأنفسهن والانشغال بالأنشطة التي يحببنها حتى لا يمرن بهذه التجارب بمفردهن”.

ويُستخدم العلاج السلوكي المعرفي (Cognitive Behavioral Therapy) على نطاق واسع لمعالجة اضطرابات ما بعد الصدمة، وهو يهدف إلى “تحويل أنماط التفكير السلبي إلى أنماط تفكير إيجابي”، كما أوضحت لانا قلاوون، المعالجة النفسية من المركز اللبناني لحقوق الإنسان. والتغير في الأفكار سيترجم لاحقاً إلى تغير في المشاعر ومن ثم في السلوكيات.

“يتمثل الأمر الأهم في محاولة العثور على الشعور الكامن وراء هذا التفكير الذهني. إذ يعمل العقل عادةً على تقييد المشاعر التي لم تخرج عند حدوث الصدمة،” بحسب حداد، وبمجرد التحررمن هذه المشاعر المكبوتة، يهدأ الألم.

ولمحاربة الذكريات التي تخرج على نحو مفاجئ، واستحضار الأحداث الصادمة، يقوم علماء النفس بتعليم المرضى عدداً من التقنيات الأساسية، من قبيل الاسترخاء وتمارين التنفس والتركيز العالي، حتى يتمكنوا من الشعور بالسكينة والوعي بالحاضر واستيعاب أن ما يشعرون به الآن هو مجرد حدث من الماضي. وتذكر قدورة أن إحدى مريضاتها كانت تعاني نوبات الذكريات المفاجئة، بعد أن تعرضت للاختطاف والاغتصاب ومن ثم الحمل. وعندما تركها زوجها لاحقاً، جاءت مع أطفالها إلى لبنان. 

المريضة ما تزال تخضع لجلسات علاجية. ورغم أنها تعاني للآن من نوبات استحضار الأحداث الصادمة، فقد “وقفت على قدميها”؛ إذ تعلمت الخياطة، وهي تشعر الآن “بأنها عادت منتجةً مرة أخرى لأنها أصبحت قادرة على إعالة أطفالها”.

من التقنيات الأخرى في معالجة الصدمة، “علاج التعرض السردي” (Narrative Exposure Therapy). بحيث يسرد المريض تجربته الصادمة، “فيتسنى له ترتيب الأحداث في جدول زمني، وتأطيرها في الزمن الماضي، ما يساعد بدوره على ترميم الثغرات التي تشظت فيها الذكريات”، كما أوضحت قلاوون.

تقبل الفقدان معركة مريرة. وكانت دعبول تشرف على علاج امرأة سورية تقاسي مأساة موت شقيقها. “كانت يائسة محبطة، وتراودها الكوابيس حول موت أخيها”، كما روت دعبول. لكن في غضون خمس عشرة جلسة “تمكنت من التعامل مع هذا الأسى الذي تحمله، وتمكنت من الحديث عنه دون أن يستغرقها الألم”. في النهاية، أخبرت دعبول أنها رأت أخاها في الحلم موجوداً في حديقة ويخاطبها بالقول: “لا تجزعي، أنا بأمان”. 

“يشير هذا الحلم إلى أنها سلّمت بخسارة [شقيقها]”، وفق ما أوضحت دعبول. وفيما تحولت أحلام السوريين خلال عقد إلى كوابيس، يوفر العلاج النفسي فرصة للبعض لإيجاد شفاء. 

تم إعداد التقرير بالتعاون مع مؤسسة فريدريش إيبرت.

نشر هذا التقرير أصلا باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.

آخر التقارير…