مدة القراءة: 4 دقائق | اقتصاد, تقارير, دمشق, سياسة

فئة 5000 ليرة الجديدة: دافع اقتصادي وتداعيات ديموغرافية وسياسية


يناير 28, 2021

برلين- في محاولة لمجاراة التضخم المالي الحاصل جرّاء استمرار تدهور قيمة الليرة، طرح “مصرف سورية المركزي”، يوم الأحد الماضي، ورقة نقدية جديدة من فئة 5,000 ليرة، كانت طبعت قبل عامين. وتحمل الورقة الجديدة صورة جندي يؤدي التحية العسكرية، فيما يظهر على الوجه الآخر رسم طائر العقاب، وشعار البلاد، ولوحة جدارية من معبد بعل شمين في مدينة تدمر الأثرية.

وتعد هذه المرة الثانية التي يطرح فيها المصرف المركزي أوراقاً مالية لمواجهة التضخم المتصاعد خلال السنوات الأخيرة، والذي بلغ أواخر العام الماضي، وفق بعض التقديرات، نحو 263.64%. إذ سبق أن طرح المصرف ورقة نقديّة جديدة من فئة 2,000 ليرة في العام 2017. 

مواجهة التضخم أم تعميقه؟

معلوم أن طباعة عملة أي بلد لا تتم بشكل اعتباطي، لأن الإفراط في ضخ فئات نقدية جديدة يضاعف التضخم. ما يعني أن إصدار فئات جديدة يجب أن يتم وفق قواعد علمية، تلخصها معادلة مجموع الإنتاج الوطني السنوي مضروباً بسرعة دوران النقد.
في هذا السياق، أكد وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية في حكومة دمشق، محمد سامر خليل، أن “طرح الفئة النقدية الجديدة لن يؤدي إلى التضخم”، كونه “لا زيادة في الكتلة النقدية والأمر هو استبدال أوراقٍ نقدية بأخرى”؛ من خلال استبدال التالف من فئات العملة السورية الأخرى بفئة الخمسة آلاف.

لكن الخبير الاقتصادي يونس الكريم اعتبر أن الاستبدال غير ممكن، كون “ضخ فئة 5,000 ليرة يتم من خلال الرواتب؛ أي هو إضافة وليس استبدال”. كذلك، يقدر وإن بشكل غير دقيق “حجم الكتلة النقدية المتوفرة في السوق السورية قبل إصدار الورقة النقدية الجديدة بنحو 524 تريليون ليرة، مقارنة بعشرة تريليونات في العام 2011، بحيث يعادل الفارق بينهما التضخم، وعموده الفقري الفئات النقدية 500 و1000 و2000 ليرة” ما ينفي مزاعم الاستبدال، كما أضاف الكريم لـ”سوريا على طول”.

الرأي السابق أكد عليه المحلل الاقتصادي محمد بسيكي، لافتاً في هذا السياق إلى لجوء نظام الأسد إلى “سياسة التعويم المقنع للعملة المحلية، أي التخلي عن سياسة تثبيت سعر صرف الليرة مقابل سلة عملات أجنبية، والمطبقة منذ 50 عاماًَ، وتركها للعرض والطلب. وهو ما سيؤدي إلى تضاعف نسب التضخم”.

وفيما كانت الأمم المتحدة قدرت منتصف العام الماضي نسبة الفقر في سوريا بحوالي 90%، فإن الإصدار الجديد من العملة “سيقود إلى حدوث المزيد من الأزمات الاقتصادية، وانخفاض الدخل والأجور ويؤدي إلى انخفاض معدل مستوى دوران العملة، وتوقف الأعمال، والنتيجة الحتمية المزيد من البطالة والفقر والفقر المدقع”. 

يتضافر مع ذلك احتمالية تفاقم الأمن الغذائي في مناطق سيطرة نظام الأسد، لاسيما على صعيد توفر الخبز، بحسب الكريم، لأن “حكومة النظام تتعامل بالليرة ومناطق استجرار القمح في الشمال الشرقي من سوريا [الخاضعة لقوات سوريا الديمقراطية (قسد)] ستبيع بالدولار”.

لكن تداعيات إصدار الفئة النقدية الجديدة “لا تقتصر على الأفراد والقطاعات الحكومية، بل ستؤثر بشكل مباشر على القطاع الخاص”، وفقاً للكريم، “عبر خسارته الأرصدة الموجودة في البنوك التي ستخسر بدورها قيمة أرصدتها من جهة وقيمة استثماراتها بأذونات الخزينة، ما سينعكس سلبا على حركة الاستثمار وفقدان المميزات التنافسية للصناعات المحلية، نتيجة ارتفاع كلف الإنتاج وصعوبة الحصول على الدولار وتدهور العملة، ما يجعل العمل غير مربح وغير مجد”.

في الوقت ذاته، ينطوي إصدار العملة الجديدة على استنزاف للسوريين حتى خارج سوريا. إذ تعتمد نسبة كبيرة من العائلات السورية في معيشتها على الحوالات المالية من الخارج، والتي تتم عبر السوق السوداء، لتفادي الملاحقات الأمنية بزعم تمويل إرهاب، كما تآكل القيمة الحقيقية لهذه الحوالات في حال تمت عبر المكاتب الرسمية وفق سعر الصرف الرسمي البالغ 1,256 ليرة للدولار، مقارنة بـ3,000 ليرة في السوق السوداء. رغم ذلك فإن تسليم الحوالة يكون غالباً بالليرة السورية.

مناف اللاجئ في ألمانيا، يرسل لأهله نحو 200 يورو شهرياً، يستلمونها من أحد تجار حلب، بسعر صرف يبلغ نحو 3,000 ليرة لليورو. والإصدار الجديد من العملة، كما قال لـ”سوريا على طول”، هو “طريقة جديدة لسحب المزيد من أموال المغتربين الذين لا يوجد خيار أمامهم سوى مساعدة أهلهم، كون تكاليف الحياة سترتفع أكثر من ارتفاع قيمة العملة [الاجنبية] وبالتالي سيتوجب على المغترب رفع قيمة الحوالة المخصصة للداخل”.
إذ انخفضت قيمة الليرة نحو 1.7% في التداولات بعد طرح الفئة النقدية الجديدة، ليرتفع سعر الدولار إلى 2,960 ليرة، لكن تكاليف الحياة عموما، كما قال مناف، ارتفعت أكثر من هذه النسبة. ضارباً مثلاً بمادة “السكر التي ارتفع سعرها بنحو 300 ليرة ليصل إلى 1800 ليرة، وزيت القلي من 5100 إلى 5500 ليرة”.

دلالات وتداعيات سياسية

بالنظر إلى توقيت طرح فئة 5,000 ليرة قبل الانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها هذا العام، يجعل من هذه الفئة “أشبه بطابع تذكاري يتم إصداره في الأحداث والمناسبات الهامة”، برأي الكريم. موضحاً أن “النظام يسير في الحل العسكري من دون أن يعير اهتماما لأي مسار سياسي”، كما يظهر من “الرموز التي حملتها الورقة النقدية، والتي تضم جندي النظام يؤدي التحية للعلم، أي إن الحل العسكري هو الكلمة الأخيرة في تحديد مصير سوريا القادم. وكذلك الأمر بالنسبة للعقاب الموجود بشكل بارز وكأنه يراقب فريسة، وهو إشارة إلى المؤسسة الأمنية وليس للدولة السورية. وكذلك الأمر بالنسبة للون الورقة القريب من لون اللباس العسكري لجيش النظام والمليشيات المساندة له، لإيصال رسالة مفادها أن الجيش هو الذي يحكم وأن الحل العسكري هو السائد وأن مؤسسة الجيش صاحبة اليد العليا والمال والثروة في سوريا”.

لكن إصدار الورقة النقدية الجديدة قد تحمل دلالات وتنطوي على تداعيات غير اقتصادية أخرى، مقصودة وغير مقصودة. إذ إن طباعة عملة “من فراغ”، غير مدعومة بسلة عملات أجنبية أو معادن ثمينة، قد يعني “سحب مدخرات السوريين، من ذهب وعقارات، عبر أوراق نقدية لا قيمة لها خارج سوريا”، برأي بسيكي. لافتاً إلى “ما نلحظه من حركة شراء عقارات مشبوهة نسمع عنها في بعض المناطق والمدن السورية تهدف إلى تغيير التركيبة الديموغرافية لسوريا بشكل ممنهج”. 

في السياق ذاته، يحذر الكريم من أن “النظام سيوظف الأوراق النقدية الجديدة لدفع تعويض المناطق التي أفرغها من سكانها مثل القابون ومشروع خلف مشفى الرازي في دمشق”.

من ناحية أخرى، وفيما “النظام يعمل عبر وكلائه من الصرافين على سحب القطع الأجنبي من مناطق خارج سيطرته، وشراءها بالليرة التي يطبعها دون قاعدة علمية اقتصادية محددة”، كما أضاف الكريم، فإنه “لاحقا سنشاهد تلك المناطق تطالب باستقلال مالي للمحافظة على القطع الأجنبي الذي يستنزفه النظام، وهذا الأمر يدفع إلى الدولرة على مستوى التعاملات الاقتصادية ومن ثم يمهد لتقسيم ويصبح الانفصال الفيدرالي مطلباً شعبياً”.

آخر التقارير…