مدة القراءة: 8 دقائق | تقارير, حلب, سياسة

فوضى السلاح في مناطق الجيش الوطني تحول حياة المدنيين إلى كابوس


مايو 17, 2022

باريس- في 23 نيسان/ أبريل الماضي، أنهى مصطفى محمد الباش عمله الرسمي في جهاز الشرطة المدنية، التابع للحكومة السورية المؤقتة (المعارضة)، بمدينة عفرين، شمال غربي حلب، ومن ثم استقل سيارته العمومية (الأجرة) حيث يعمل عليها كمهنة أخرى حتى يتمكن من الإنفاق على أسرته.

لكن، رصاصة طائشة، مصدرها نيران اشتباكات بين مجموعتين عسكريتين تابعتين للجيش الوطني السوري (المعارض)، المدعوم من تركيا، أنهت الروتين اليومي للباش، المهجّر من الغوطة الشرقية في آذار/ مارس 2018، بفعل اتفاقية التسوية بين النظام وفصائل المعارضة السورية. وبذلك، تُركت زوجة الباش، وأطفاله الخمسة، أكبرهم لا يتجاوز 12 عاماً، إضافة إلى ابني شقيقه، الذي قتل قبل سنوات في الغوطة، بلا معيل، كما قال شقيقه هاني لـ”سوريا على طول”.

ووقعت الاشتباكات بين مجموعتين من الجبهة الشامية، وسط عفرين، بسبب خلاف على مبلغ مالي، ما أدى إلى مقتل مصطفى الباش، وإصابة مدني آخر بجروح، في ظاهرة مستمرة بمناطق النفوذ التركي، شمال غرب سوريا، تهدد أمن واستقرار المدنيين وتتسبب بحالة هلع ورعب دائمين.

وجاءت هذه الحادثة بعد أيام من تعميم وزارة دفاع الحكومة المؤقتة، المسؤولة إدارياً عن الجيش الوطني، الذي صدر في 12 نيسان/ أبريل الماضي، لضبط حمل السلاح في مناطق سيطرتها، وحصر وجود السلاح في المعسكرات وخطوط المواجهة مع العدو والنقاط الأمنية، على أن يتم الاحتكام إلى القضاء للبت في أي خلاف.

ومنذ مطلع العام الحالي حتى 11 أيار/ مايو الحالي، أدت الاقتتالات الداخلية والمواجهات بين الفصائل والمجموعات العسكرية التابعة للجيش الوطني إلى مقتل 21 شخصاً، بينهم 6 مدنيين، وإصابة 52 آخرين بجروح، بينهم 38 مدنياً، بحسب أرقام حصلت عليها “سوريا على طول” من بسام الأحمد، مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، وهي منظمة حقوقية تعنى بتوثيق الانتهاكات في سوريا.


يوضح الرسم البياني السابق أبرز فصائل الجيش الوطني المشاركة في الاقتتالات الداخلية بمناطق النفوذ التركي، منذ مطلع عام 2022 حتى 17 أيار/ مايو الحالي، ويشير إلى أن فرقة الحمزة جاءت في المرتبة الأولى، بواقع 11 عملية اقتتال للفصيل وعناصره ضد فصائل أو مجموعات أخرى تابعة للجيش الوطني، يليها الجبهة الشامية وحركة أحرار الشام بواقع 5 اقتتالات لكل فصيل.

“لم يتغير شيء”

أشعلت حادثة مقتل مصطفى الباش غضب المدنيين في مناطق سيطرة الجيش الوطني، إذ بعد مقتله بيومين، أعطى مهجرو الغوطة الشرقية في مدينة عفرين الجيش الوطني مهلة 24 ساعة لإزالة مقراتهم العسكرية من المدينة وتسليم العناصر الذين تسببوا في مقتل الباش. 

انقضت المهلة “ولم يتغير شيء حتى اليوم. الحواجز ما تزال منتشرة داخل مدينة عفرين”، وفقاً لهاني الباش، مشيراً إلى أنهم تقدموا بشكوى للشرطة العسكرية، التي أبدت موقفاً إيجابياً، لكن حتى اللحظة لم يتم إلقاء القبض عن المتورطين في مقتل أخيه.

وعلى خلفية مقتل الباش، أصدرت غرفة عمليات القيادة الموحدة “عزم”، في 24 نيسان/ أبريل الماضي، تعميماً، تمنع بموجبه حمل السلاح داخل مراكز المدن والبلدات إلا بموجب مهمة رسمية بهدف حماية الأسواق وتأمين المدنيين، على أن يتم توقيف أي عنصر أو مجموعة تخالف ما جاء في التعميم، وإحالتهم إلى اللجان المسلكية.

ويبدو أن تعميم غرفة “عزم” هو محاولة لتصدّر المشهد العام في المنطقة، لا سيما أن الحادثة التي قتل فيها مصطفى، جرت بين مجموعتين تابعتين للجبهة الشامية، التي تشكل نواة “عزم”، إضافة إلى أن الغرفة أفرغت من قوتها ودورها بعد التجاذبات والاندماجات في صفوف الجيش الوطني.

ومن جهتها، أصدرت وزارة الدفاع التابعة للحكومة المؤقتة، في 6 أيار/ مايو الحالي، قراراً جديداً، تحصر فيه حل تسوية جميع الخلافات والمشاجرات الحاصلة داخل المؤسسة العسكرية بيد إدارة القضاء العسكري والمؤسسات الرسمية ذات الصلة.

وبعد ثلاثة أيام من ذلك، أصدرت إدارة الشرطة العسكرية في مدينة الباب، تعميماً يمنع إطلاق النار عشوائياً في المدينة، على أن يحال المخالف إلى القضاء، ويُعاقب بالسجن لثلاثة أشهر، إضافة إلى غرامة تتراوح بين الألف والثلاثة آلاف ليرة تركية (63 و189 دولار أميركي بحسب سعر الصرف الحالي).

وأعلنت الشرطة العسكرية تسيير دوريات لها في المدينة، اعتباراً من تاريخ صدور التعميم في 9 أيار/ مايو الحالي، إلى جانب قوات الشرطة المدنية والأمن العام والجيش الوطني.

قبل صدور هذا التعميم بيوم واحد، أفزع إطلاق نار كثيف في مدينة الباب عائلة خليل الحوراني (اسم مستعار)، لدرجة أنهم فكروا بـ”النزوح من المدينة بسبب شدة إطلاق الرصاص”، ليتبين لاحقاً أنها “زفّة عرس”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

وتوقف إطلاق النار في أعراس مدينة الباب لثلاثة أيام، وفقاً للحوراني المهجر من مدينة درعا، إذ “على غير العادة مرّت أعراس المدينة دون إطلاق نار”، نتيجة تسيير دورية من الشرطة العسكرية ترافقها سيارة تابعة للجيش الوطني “لمنع إطلاق النار”.

لكن في اليوم الرابع، اتضح أن القرارات الصادرة عن المؤسسات العسكرية التابعة للمعارضة “لا قيمة لها”، كما قال أبو مأمون العثمان، مدني من مدينة الباب، مؤكداً لـ”سوريا على طول” أن “ظاهرة إطلاق النار في الأعراس عادت من جديد”.

وفي هذا السياق، قال العميد أحمد الكردي، قائد الشرطة العسكرية التابعة للحكومة المؤقتة، وهي الجهة المعنية بتنفيذ قرارات وتعليمات الحكومة المؤقتة ووزارة الدفاع وقيادة الجيش الوطني، “بعد أي قرار يتم إعطاء مهلة زمنية بهدف إيصال التعليمات من القادة إلى عناصرهم، ومن ثم يبدأ التطبيق والمتابعة”، مؤكداً أنه “بدأ سريان هذه القرارات، وخلال فترة قصيرة يصبح الأمر اعتيادياً، وسيلتزم كافة عناصر الجيش الوطني بالتنفيذ”.

وأضاف الكردي لـ”سوريا على طول”: “تقوم الشرطة العسكرية بمتابعة المخالفات، وفي حالة الشغب والفوضى يتم اعتقال الأشخاص المتسببين وتطبق العقوبة المناسبة بحقهم”، أما في حالة حمل السلاح من دون إحداث فوضى “يتم احتجاز الشخص المخالف وتوقيعه على تعهد بعدم تكرار المخالفة”.

“بث الرعب”

في منتصف نيسان/ أبريل الماضي، أثناء خروج أبو مأمون، وزوجته وأطفاله لشراء ملابس العيد في مدينة الباب، وقع تبادل إطلاق نار بين عناصر من حركة أحرار الشام ودورية تابعة لجهاز الشرطة العسكرية، إثر منع الأخيرة دخول عناصر الحركة المسلحين بسلاحهم إلى السوق.

تسببت تلك الاشتباكات “بحالة ذعر بين الناس في السوق، خاصة في صفوف النساء والأطفال”، بحسب أبو مأمون، معبراً عن استيائه، إذ “لا تعلم متى تندلع الاشتباكات، ولا متى ستكون قتيلاً أو جريحاً برصاص مسلحين زعران”، بحسب وصفه.

وبدوره، كان خليل الحوراني شاهداً على عدة حوادث إطلاق نار في سوق مدينة الباب، آخرها في شهر رمضان الماضي، أثناء منع عناصر الشرطة مسلحين من الدخول إلى السوق بسلاحهم. ومع كل حادثة إطلاق نار “تسود حالة من الهلع والذعر بين الناس”، مستذكراً مشهد “ركض النساء والأطفال في الشوارع فزعاً من الرصاص”.

من جانبه، أشار بسام الأحمد، مدير منظمة “سوريون من أجل الحقيقة والعدالة”، إلى “تسجيل حالات نزوح داخلي مؤقت من الأحياء والمدن إلى أماكن أخرى”، إلى أن تتوقف الاشتباكات “ويتفق الفصيلان على الصلح بينهما”.

وأوضح الأحمد أن بعض المواجهات العسكرية بين الفصائل تتطور إلى “حملات اعتقال بحق مدنيين، بتهمة الولاء للفصيل الخصم أو تقديم مساعدات له”، لافتاً إلى أنها “معلومات غير صحيحة هدفها بث الخوف والرعب في نفوس المدنيين”.

وفي خضم الاقتتالات التي تشهدها المنطقة، قلل الحوراني من أهمية القرارات والتعميمات الصادرة عن وزارة الدفاع والحكومة المؤقتة معتبراً “صدورها من عدمه واحد”، واستبعد العمل بموجبها من الفصائل “لا أحد يهتم لقراراتهم”، لكن الشرطة العسكرية “قد تستطيع تطبيق قرارها على مستوى الأسواق فقط”.

رداً على ذلك، اعتبر العميد أحمد الكردي أن المسألة مسألة وقت، مشيراً إلى أن “الوضع يتطلب منا التدرج في محاسبة المخالفين وتنفيذ العقوبات بحقهم، بدءاً من التعهد وانتهاء بالسجن”.

أسباب الفوضى

في 5 أيار/ مايو الحالي، اندلعت اشتباكات بين فرقة الحمزة وحركة ثائرون، في قرية تل حمو بريف عفرين، على خلفية تعرض مكتب صرافة يديره محسوبون على “ثائرون” للسرقة، واتهام عناصر من فرقة الحمزة بالعملية، وهي واحدة من أصل 24 حادثة رصدتها “سوريا على طول” منذ مطلع العام الحالي.

وتعود الاقتتالات في صفوف الجيش الوطني لأسباب عدة، بعضها نتيجة خلافات بسيطة، من قبيل: خلافات مالية، أو مشاجرات فردية تتطور في بعض الحالات لتصبح مواجهات عسكرية واسعة، فيما تندلع مواجهات أخرى نتيجة خلافات على المعابر أو السلطة والنفوذ.

تعليقاً على ذلك، أوضح الأحمد أن “الفصائل تخوض الاشتباكات في المنطقة لأجل السيطرة على مساحات جغرافية أوسع تضمن لها عوائد اقتصادية عبر التجارة والتهريب”، وهذا يفسر “الاقتتالات على المعابر مع مناطق قسد [قوات سوريا الديمقراطية] كمعبر تفاحة، الذي شهد اشتباكات بين فصائل المنطقة الشرقية في رأس العين، ومعبر منبج-جرابلس”.

وتسهم “العصبية الفصائلية” في تطور بعض الخلافات بين الفصائل إلى مواجهات واسعة، وفقاً لمصدر أمني في الشرطة العسكرية، مشيراً إلى أن “انتماء بعض المقاتلين لفصائلهم أقوى من انتمائه للثورة”، مستدلاً على ذلك بحالة “التحزب عند العناصر عند حدوث أي مشكلة”.

وأضاف المصدر لـ”سوريا على طول”، طالباً عدم الكشف عن اسمه كونه غير مخول بالتصريح لوسائل الإعلام، إن معالجة فوضى السلاح “صارت حاجة ملحة، وبحاجة لتكاتف جميع قادة الفصائل مع وزارة الدفاع”.

في المقابل، تم الحد من بعض المشكلات الفردية والصغيرة، من قبيل دخول المقاتلين بسلاحهم إلى الأسواق، وفقاً للمصدر، معللاً ذلك “بصدور قرارات عن غرفة عزم وثائرون، تلزم المقاتلين بركن سلاحهم في مستودعات السلاح الخاصة بالثكنات العسكرية، ومعاقبة المخالف مسلكياً”.

وأوضح المصدر من الشرطة العسكرية أن “القرار طبق في بعض المناطق بنسبة جيدة، لكن ما زال التطبيق ضعيفاً في أماكن أخرى”، معتبراً أن “الوصول إلى مستوى أفضل من الأمن في المنطقة يحتاج التقدم خطوة بخطوة، خصوصاً في ظل وجود تجاذبات فصائلية”.


أرجع المصدر الأمني من الشرطة العسكرية، أسباب التباين في نسبة فوضى السلاح بين المدن الرئيسية إلى “الكوادر الأمنية والشرطية الموجودة في هذه المدن”، مشيراً إلى أن “بعضهم حقق نجاحاً رغم الظروف الصعبة، نتيجة وضع خطط أمنية دقيقة مع قادة التشكيلات”.

ومن الأمثلة الناجحة، وفقاً للمصدر، تسيير دوريات للشرطة العسكرية مع قوى الجيش الوطني “تطوف أرجاء المدينة بشكل دائم، والضرب بيد من حديد على مثيري الفتنة والشغب”. 

بالمحصلة، حتى إن كانت مسؤولية ضبط السلاح والحد من الاقتتالات مسؤولية الكيانات العسكرية والأمنية المنتشرة في شمال غرب سوريا، فإن المسؤولية الأكبر “تقع على عاتق تركيا، كونها تتمتع بنفوذ كبير على الفصائل، سواء بدفعها لإطلاق عمليات عسكرية أو نقل الفصائل للقتال في دول أخرى”.

“وبدلاً من أن نشهد موقفاً تركياً لوقف الفوضى في المنطقة”، وفقاً للأحمد، دعمت أنقرة “عدداً من قادة الفصائل، ووثقت علاقاتها بهم خارج إطار الجيش الوطني”، من أجل تسهيل تنفيذ سياساتها “وتسابق القادة لكسب الدعم التركي بشكل أكبر”.

“اختفت الدعوة”

بعد ست سنوات على مقتل الطفل محمد، 10 سنوات، بقذيفة هاون مصدرها أحد الفصائل العسكرية التابعة لفصائل المعارضة، التي تشكل نواة الجيش الوطني حالياً، سقطت على حي سكني في ضواحي مدينة اعزاز شمال حلب، أواخر العام 2016، وفقاً لأبو محمد، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأسباب أمنية.

وفي تفاصيل الحادثة، تعرض فصيل الجبهة الشامية لهجوم من ست فصائل عسكرية، وهي: حركة أحرار الشام، حركة نور الدين الزنكي، كتائب الصفوة، جيش الشمال، أحرار سوريا، وكتيبة أحمد عبيد، استخدمت الأطراف المشاركة أسلحة ثقيلة، حيث سقطت عدة قذائف على الأحياء السكنية والمخيمات، ما أدى إلى مقتل ثلاثة أطفال وإصابة مدنيين بجروح، كما قال أبو محمد لـ”سوريا على طول”.

وعليه، تقدم أبو محمد بدعوى قضائية إلى المحكمة المدنية في مدينة اعزاز، في كانون الثاني/ يناير 2017، وأوكل محامياً لمتابعة القضية، إلا أن “الدعوى اختفت من سجلات المحكمة”، بحسب قوله، ما دفعه إلى البحث عنها “في كل دواوين محاكم شمال حلب، لكن هناك تهرب دائم، والرد دائما: سوف نبحث عنها في المستودعات”.

وفي حادثة أخرى، أصيب خالد الأحمد (اسم مستعار)، العام الماضي، برصاصة في ساقه، أثناء اندلاع اقتتال بين مجموعتين عسكريتين تابعتين للجيش الوطني في مدينة الباب.

تقدم الأحمد بدعوى قضائية للشرطة العسكرية ضد الفصيل العسكري الذي تنتمي إليه المجموعة المتسببة بإصابته، لكن بعد أيام تلقى الأحمد “تهديداً شفوياً من عناصر الفصيل، بأن: الرصاصة في المرة القادمة ستكون في رأسك”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

واعتبر الأحمد أن المدني قد يحصل على حقه “إذا كان الخصم مدنياً أو عنصراً عادياً غير متنفذ، لكن إذا كان قيادياً أو عنصر متنفذ من الأفضل أن تحافظ على حياتك”، أي يتعين عليك عدم رفع دعوى ضده.

يؤكد ذلك، ما جرى مع القيادي محمد الجاسم، المعروف بـ”أبو عمشة” قائد فرقة السلطان سليمان شاه، حيث طوي ملف محاسبته، رغم إدانته بعدة جرائم، منها: اغتصاب نساء، وفرض إتاوات. 

وأمام حالة العجز هذه، يقتصر دور الحكومة المؤقتة على “التوسط بهدف إيقاف الاشتباكات والجلوس من أجل الصلح”، بمشاركة قيادات الفصائل والفيالق والجيش الوطني، وفقاً لبسام الأحمد، مشيراً إلى أنه “لا يمكن الحديث عن أمان المدنيين واستقرارهم في ظل هذه الاشتباكات وهذه السياسة في حلها”.

لذلك، بالنسبة لأبو محمد، الذي فقد أحد أبنائه، فإن الحكومة المؤقتة، التي تمثل قمة الهرم لمؤسسات المعارضة، بما في ذلك المحاكم في شمال غرب سوريا، “هي مجرد اسم فقط”.

آخر التقارير…