مدة القراءة: 5 دقائق | المقالات, سياسة, مقال رأي

فيديوهات “الاعتراف” تحت التعذيب: صناعة دكتاتورية متكاملة


يونيو 26, 2022

قبل ربع قرن تماماً، أعلنت الأمم المتحدة 26 يونيو/ حزيران يوماً دولياً للأمم المتحدة لمساندة ضحايا التعذيب، “بهدف القضاء التام على التعذيب وتحقيقاً لفعالية أداء اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة”.

يستمر استخدام التعذيب في أنحاء العالم، إلا أن سوريا تتصدر الدول التي تستخدم التعذيب من حيث عدد الضحايا وبشاعة طرق التعذيب المستخدمة، رغم أنها موقعة على اتفاقية مناهضة التعذيب، ومنذ عام 2011 أعاد النظام السوري استخدام التعذيب المنهجي وواسع النطاق، بشكل غير مسبوق ولا نظير له في العالم أجمع، وقوضت جهود الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والوطنية ودول العالم المتحضر في التصدي للتعذيب.

تستخدم الأنظمة القمعية التعذيب لغايات عديدة، وبأساليب متنوعة، لخدمة بقائها وإحكام سيطرتها على الشعوب، ومن هذه الأساليب، إنتاج فيديوهات اعتراف تحت التعذيب أو التهديد بالتعذيب، لاستخدامها كدليل في الإدانة.

في 21 آذار/ مارس، أطلقت القوات الروسية سراح الصحفية الأوكرانية، فيكتوريا روشينا، بعد أن اعتقلتها في 15 من الشهر ذاته، في بيرديانسك الأوكرانية، وأُجبرت المخابرات الروسية روشينا على الظهور في مقطع فيديو، كشرط للإفراج عنها، بعد أن تعرضت للضرب والإهانة، قائلة إن القوات الروسية أنقذت حياتها.

قال موقع هرومادسكي أن روشينا ستكشف عن الظروف الفعلية لأسرها لاحقاً، لكن بما أن الروس يعرفون أن روشينا ستكشف الحقيقة إذا تم إطلاق سراحها، فما هو الغرض من تسجيل فيديو سيُكشف زيفه قريباً؟

عندما اختطف الرئيس البيلاروسي ألكسندر لوكاشينكو، “آخر دكتاتور أوروبي” كما يسمي نفسه بفخر، الصحفي رومان بروتاسيفيتش، شاهد العالم إلى أي مدى يمكن للدكتاتور إسكات الصحافة ومعارضيه. بعد وقت قصير من اعتقاله من قبل السلطات البيلاروسية، ظهر بروتاسيفيتش في مقطع فيديو، ولديه كدمات على وجهه، يسرد “اعترافاته”، مشيداً بمعاملة السلطات البيلاروسية، ومعرباً عن ندمه عما “فعله”.

في سوريا، استغل نظام الأسد في سوريا مئات الاعترافات الملفقة للصحفيين والمعارضين وغيرهم ممن لم يكن لهم أي نشاط، سوى أنهم اعتقلهم تعسفياً، واستوفوا شروط فيديو “الاعتراف الجيد” تحت التعذيب.

تستخدم الأنظمة الدكتاتورية، مثل الأسد ولوكاشينكو وبوتين وغيرها التعذيب والتهديد به لصناعة فيديوهات اعترافات لعدة أغراض.

تخدم الفيديوهات المفبركة أهدافاً قصيرة وطويلة المدى، بما فيه الترويج لخطاب الأنظمة ونظريات المؤامرة بين الموالين لها وعلى مستوى البلاد، كما تقدم مواداً للدعاية الإعلامية الخاصة بهم، إلى جانب استخدامها لدعم مزاعمهم والرد على الاتهامات في المحافل الدولية، بما في ذلك أروقة الأمم المتحدة، كما فعلت روسيا ضمن حملتها في تشويه صورة “الخوذ البيضاء”.

تخدم مقاطع الفيديو هذه السرديات المزيفة لتلك الأنظمة وتستخدم الاعترافات المنتزعة قسرياً فيها كدليل بمحاكمها، في انتهاك للحق في محاكمة عادلة، الذي تكفله الشرعة الدولية بما فيها “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية” الملزم، وسوريا طرف فيه.

قد تحتوي الفيديوهات اعترافات قسرية وادّعاءات مزيفة، بالإضافة إلى شهادات زور من قبل ممثلين مأجورين أو موالين أو موظفين حكوميين.

في عام 2014، قابلتُ صحفياً كان يعمل في قناة “الدنيا” التابعة للنظام السوري، قبل عام 2013، وصف لي عملية صناعة أحد الفيديوهات المفبركة، التي ساعد بنفسه في إنتاجها. حيث استدعت الأجهزة الأمنية الصحفي والمصور لتلقين امرأة، متعاونة مع المخابرات، الادعاء بأنها تعرضت للاغتصاب، بناء على نص مكتوب.

زعمت المرأة في “شهادة الزور” أنها تعرضت للاغتصاب من قبل معارضي الأسد في فيديو مفبرك. لاحقاً، سرّب أحد زملاء الصحفي الفيديو الأصلي غير المحرر، تظهر فيه المرأة وهي تضحك، وتلوم عثراتها أمام الكاميرا على النص المكتوب.

يتألف فريق تزوير الاعترافات والشهادات عادة من: الضحية، الإعلامي العامل في مؤسسات النظام الإعلامية، ورجال الأمن أو فريق التعذيب.

استخدم النظام أساليب الترهيب والترغيب لجعل الضحايا يتحدثون أمام الكاميرا، مقابل وعودٍ بوقف تعذيبهم أو إطلاق سراحهم.

بموجب قوانين المحاكمة العادلة وقواعدها، لا تعتبر أي من مقاطع الفيديو هذه، أو الاعترافات والشهادات المأخوذة قسراً صالحة ما لم يتم تقديم الأقوال بطريقة توضح أن المتحدث لم يتعرض للتعذيب أو التهديد. إثبات ذلك يتطلب شفافيةً في استجواب المتحدث وظروف احتجازه ومعاملته، من خلال استيفاء الشروط القانونية للاحتجاز، بما فيه وصول الأسرة والمحامين إلى المعتقل، والتأكد من سلامته وعدم تعرضه للتعذيب أو التهديد أو العقوبة أو المعاملة القاسية أو المهينة.

في الفيديو الذي بثته القنوات الحكومية البيلاروسية، قال رامان براتاسيفيتش، الذي احتُجز عندما أجبرت طائرات حربية طائرة مدنية كان على متنها على الهبوط في مينسك، بيلاروسيا، إنه يتمتع بصحة جيدة، وإنه لعب دوراً في تنظيم احتجاجات حاشدة في مينسك في عام 2020:

“بالأمس، اعتقلني مسؤولو وزارة الداخلية في المطار الوطني في مينسك (…) أنا في مركز الاحتجاز رقم 1 في مينسك. أستطيع أن أقول إنني لا أعاني من مشاكل في القلب أو أي مشاكل صحية أخرى. تعامل الموظفون معي بشكل سليم تماماً ووفقاً للقانون. ما زلت أتعاون مع المحققين، وأعترف أنني نظمت اضطرابات جماعية في مدينة مينسك”.

أظهر الفيديو علبة سجائر أمام براتاسيفيتش، في إشارة إلى أن الصحفي المنشق يُعامل بشكل جيد وأنه يمكنه حتى التدخين، مع ذلك، كانت هناك كدمات على وجهه.

استخدم نظام الأسد نفس السيناريوهات والعناصر الدرامية، مع التركيز على المعاملة الجيدة لإنكار التعذيب، والاعتراف بالجريمة لتعزيز رواية النظام، وفي نهاية المطاف الاعتراف بالندم، يسبق كل ذلك في بعض الأحيان تحضيرات مطولة، بما فيها التعذيب أو الوعود بوقف بالتعذيب أو بالإفراج عن “المعترف”.

قال والد الصحفي المعارض البيلاروسي إن لغة نجله لم تكن معتادة، ومن الواضح أنه أجبر على قول ما قاله. يتوافق هذا التعليق مع ما قالته والدة الطفلة روان السورية، التي أجبرت على سرد أحداث جنسية واغتصاب على شاشة التلفزيون السوري، إذ شددت والدة الطفلة على أن ابنتها تتحدث بلغة غير معتادة.

اعتقل نظام الأسد روان وهي في الخامسة عشرة من عمرها، لأن والدها كان من قيادات “الجيش الحر” المعارض. بعد ذلك، بثت وسائل الإعلام الحكومية مقابلة معها، تم فيها انتهاك حقوقها كطفلة، وأظهرت مرة أخرى بشاعة نظام الأسد ومؤسساته الإعلامية.

بعد أن أطلِق سراح الصحفية الأوكرانية روشينا، كشفت أن المخابرات الروسية أجبرتها على قراءة نص مكتوب أمام الكاميرا قبل إطلاق سراحها، بعد أن تعرضت للإخفاء القسري والضرب والإهانة.

في سوريا، أثناء اعتقالي في “المخابرات الجوية” بالمزة، ثم في “الفرقة الرابعة”، بسبب عملي في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان، التقيت بعدد من المعتقلين الذين تعرضوا للتعذيب يومياً لساعات طويلة ثم ألقي بهم في زنازينهم، تمهيداً لاعترافهم أمام المحققين والمسؤولين والكاميرات.

إحدى المرات دخل معتقل الزنزانة مبتسماً رغم أن وجهه كان مغطى بالدموع والغبار وجسده مبتل. لم ينتظر حتى لالتقاط أنفاسه، لكنه قال لي مبتسماً: “أخبرني الضابط أنني أقنعته”.

كيف يختار المحققون “المعترفين”

بعد حملة اعتقالات عشوائية في حي شهد مظاهرات أو أحداث عنف، يسأل السجانون المعتقلين عن أدق التفاصيل الشخصية، بما فيها حياتهم وعملهم ومكان سكنهم وعائلاتهم القريبة والممتدة، والمواقف السياسية لأي قريب أو صديق، ثم يرسلون هذه التفاصيل مكتوبة إلى المحققين، ويدرس المحققون بدورهم هذه التفاصيل لاختيار المعتقل “الأنسب” لاتهامه بهذه الجريمة. 

يتعرض المعتقلون للضرب الشديد منذ لحظة وصولهم إلى مركز التحقيق (حفلة الاستقبال). بعد ذلك، يدخلهم السجانون إلى المحقق الذي يتهمهم بجرائم محددة، ثم يسألهم بالتفصيل عن هذه الجرائم المزعومة.

يجب أن يجيب المعتقلون كما لو أنهم ارتكبوا الجريمة، لكن كثيراً منهم لم يتقن “فن الاعتراف”، فيصرخ المحقق: لم تقنعني، ثم يطلب من الجلادين أخذ المعتقل والاستمرار في تعذيبه وإعادته إلى زنزانته، ليتدرب على اعترافه يوماً بعد يوم، وعليه إقناع من يستمع إليه بأنه ارتكب الجريمة الملفقة.

ظهر عدد من النشطاء والصحفيين السوريين في مقاطع فيديو تظهر اعترافات ملفقة وشهادات قسرية تحت التعذيب والتهديد، تهدف لخدمة أكاذيب نظام الأسد، مثل فيديو والد الطبيبة أماني بلور، ومقاطع فيديو لآخرين يدعمون رواية الأسد الكيماوية، التي استخدمها الروس في مجلس الأمن، وفيديوهات اعترافات ملفقة لكثيرين مثل الصحفي علي عثمان، والصحفي شيار خليل ومريم حايد وحازم واكد، وغيرهم كثير ممن أطلق سراحهم أو لم يعرف مصيرهم حتى اليوم.

آخر التقارير…