مدة القراءة: 8 دقائق | دمشق, ريف دمشق, مقابلات

في الختام: خمس قصص حب ولوعة بهجران داريا


أغسطس 30, 2016

داريا، خاصرة دمشق التي كانت تُعرف قبل الثورة بعرائش العنب والحب تتدلى وتطل بحلاوة سكرها والتفافها كيفما مشيت، وإبداع النجارين وجمال فنون الخشب المنحوت فيها.

منذ خمس سنوات أصبحت أسطورة الثورة، وإحدى أول البلدات التي انتفضت بوجه نظام الأسد، والموقع الذي احتشدت به أكثر التجمعات سلميةً وحيويةً. واشتهر متظاهروها بأنهم قدموا الورود الجورية لجنود الجيش السوري وسقوهم الماء. واعتقل إثر ذلك الناشط غيث مطر، المنسق المسؤول وعُذِب من قبل قوات أمن النظام حتى الموت.

فتحولت بعدها المظاهرات إلى اشتباكات بالسلاح، وفي أيلول 2012 حاصرت قوات النظام الثوار والأهالي داخل البلدة، والتي تقع بجوار مطار مزة العسكري، في أطراف دمشق.

وحول الحصار والقصف الملازم له، داريا إلى أرض يباب موصدة لأربع سنوات متواصلة.

وفي الأسبوع الماضي، وبعد أربع سنوات من سياسة “الجوع أو الركوع” التي يتبعها النظام. وفي يوم الخميس، كان هناك اتفاق بين النظام والجهات المخولة في البلدة وأتاح النظام لمن تبقى من الأهالي الخروج منها، وهم نحو 8000 من المقاتلين والمدنيين، إلى محافظة إدلب الخاضعة لسيطرة الثوار وإلى بلدة حرجلة الواقعة تحت سيطرة النظام والتي تبعد مسافة 15 دقيقة ليس إلا.

فكيف كان الوداع لبلدتهم، كيف قالوا وداعاً وربما للمرة الآخيرة؟

أحدهم ترك قارورة مياه تدمع بالحب والسقيا على زريعة كان يهواها ويستقي الأمل منها، وآخر حمل حفنة تراب من قبر صديق كان قد زرع قلبه بجواره، فيما تركت فتاة صغيرة دميتها لتحرس منزلها بغيابها وتحميه وتلهو به فالقصف توقف عن الهطول، وتركت سيدة قبلة لحيطان منزلها، التي كانت تحيط بها وبأسرارها ومن ثم أحرقت كل شيء ورحلت.

بعض الأطفال ممن ولدوا مع الحصار، فكانوا كلما مدوا أيديهم للحياة أمسكها وقيدها، تذوقوا البوظة بعد مغادرتهم داريا لأول مرة، ونام البعض بمنأى عن القصف لأول مرة منذ سنين خلت.

داريا. حقوق نشر الصورة لـ يارا النجم والذاكرة الإبداعية.

في هذا الأسبوع، أوولئك الذين تشبثوا بالحياة في الأقبية وتحت ركام الأنقاض، والذين غادروا خلال عطلة نهاية الأسبوع تحدثوا إلى حسام الدين، بهيرة الزرير وإسراء صدر، مراسلون في سوريا على طول.

وإليكم، ماذا اختار خمسة من أولئك الذين غادروا داريا، واثنين منهم تربطهم علاقات قرابة بمراسلي سوريا على طول، أن يحملوا معهم وماذا تركوا ورائهم.

 

فادي محمد، ناشط إعلامي من داريا والآن في محافظة إدلب:

 

تركت قارورة من المياه تقطر على نبتة اعتنيت بها على مدى أربع سنوات، كنت قد أنقذت هذه النبتة من تحت ركام أحد البيوت التي تعرضت للقصف من قبل قوات النظام، اعتنيت بها حتى عادت خضراء، كنت يومياً ألقي عليها تحية الصباح كأنها صديقة مقربة، حين ذهبت تركتها مع ما استطعت ان أتركه من الماء حتى تبقى حية، على أمل أن أعود قبل أن تجف وتذبل، عندي أمل  كبير بالعودة مجدداً الى مدينتي، وإخراج من احتلها.

حقوق نشر الصورة لـ فادي محمد

أم مياس،عمرها 29 عاما، أرملة وأم لطفلين، مياس 7 سنوات، ومعاذ 4 سنوات ، كان زوجها مقاتلاً في الجيش السوري الحر وتوفي ببرميل متفجر عام2013. وهي حالياً وأطفالها في إحدى مراكز الإستقبال في حرجلة، بلدة خاضعة للنظام جنوب شرق داريا، وتبعد عنها نحو 12كم.

وستمكث هناك وآخرين لمدة خمسة أو أربعة أيام فقط ريثما يصدرون هوياتهم وتتم معاينتهم الصحية. وبعدها يمكنهم أن يذهبوا حيثما يشاؤون. لكنها تريد أن تبقى في حرجلة، لأنها لا تعرف أين تذهب وليس لديها أقارب ولا يوجد لها مكان تذهب إليه.

كيف ودعتِ داريا؟ ومنزلك؟

قبل أن أخرج من داريا ذهبت إلى قبر زوجي، أنا وأبنائي وقبلته، وقلت له أنت  ستبقى في داريا التي ضحيت من أجلها وبذلت دمك وأنا سأخرج منها لأننا وافقنا على إخلاء مدينة داريا وبسبب القصف المستمر والجوع، وبقيت أنت الذي أثبت حبك لداريا ولترابها.

وقمت مع العديد من جيراني بإحراق أثاث منزلي لكي لا يقوم النظام بسرقته وبيعه، وأخذت فقط ملابس لأبنائي، بعض الحقائب فقط، وأنا أحرق أثاث منزلي كنت أبكي بكاءً شديداَ، لأنني سأخرج من بلدي التي ولدت فيها، وتمنيت لو أني متَ قبل هذا اليوم، وأخذت طفلتي مياس لعبتها وعندما قلت لها أننا لن نعود مرة أخرى إلى داريا تركت لعبتها بالمنزل وقالت لدميتها ابق في المنزل انت الآن بأمان لم يعد هناك قصف بالبراميل والصواريخ على داريا واحم داريا من الغرباء.

وعندها صرت أبكي من كل قلبي لأن ابنتي متعلقة بدميتها كثيراً وتركتها لتحمي داريا.

بعد وصولك إلى مركز إيواء الصليب الأحمر كيف شعرت وماذا عن أطفالك؟

بعد وصولنا الى مركز الإيواء وهو عبارة عن غرفة واحدة تم تقديم بعض البسكويت والشوكلا والبوظة للأطفال، كان طفلاي ينظران إلى هذه الأطعمة باستغراب! ويسألوننا عنها ومن ماذا هي مصنوعة، لأننا في داريا لم نكن نأكل سوى وجبة واحدة فقط هي الشوربة، وكانوا يقولون لي هذا الطعام لذيذ لماذا لم تحضريه لنا ونحن في داريا؟

ابني معاذ عمره أربع سنوات منذ تاريخ الحصار على داريا لم ير هذه الأطعمة حتى مياس كانت قد نسيت طعمها، وهذا ليس حال أطفالي فقط بل إن كل أطفال داريا كانت ردة فعلهم مماثلة لأطفالي.

لو أنك رأيت فرح أطفالي بهذه الأطعمة لعلم العالم كله كيف كان أطفال داريا يعيشون. كنا نقضي معظم أوقاتنا في الملجأ محرومين من كل شيء حتى من هذه الأطعمة التي تتوفر لأغلب أطفال العالم.

أول ليلة نشعر أننا بأمان وننام دون أن نخاف من القصف.

هل لديكِ أمل بأن تعودي إلى داريا؟

عندما خرجت من داريا قبلت جدران منزلي، وكنت على يقين أني لن أستطيع أن أراه مرة ثانية، لأن جميع الفصائل تركوا أهل داريا يقاتلون لوحدهم ولم ينصروا داريا، حتى استسلمنا للنظام وقبلنا بشروطه. الحزن والقهر يتملكني لأنني خرجت من داريا، ولكن ما يعزيني هو رؤيتي لأطفالي سعيدين حتى بتناولهم بعض الأطعمة التي لم يعرفوها من قبل، أتمنى أن تتوقف الحرب ونعيش بسلام. نحن تعبنا من الحرب والجوع والقصف والموت والفقدان. آلا يحق لأطفالنا أن تعيش كأطفال العالم كله أم أن أطفالنا مكتوبٌ عليهم أن يموتوا بالحرب. لقد حُرِم أطفالنا من حقهم بأن يشعروا بالأمان والاستقرار ومن كل حقوقهم في التعلم وحتى أن يأكلوا حتى التخمة.

الأهالي والمقاتلون وهم يهمون بالرحيل عن داريا في يوم الجمعة. حقوق نشر الصورة للمجلس المحلي لمدينة داريا

أبو العز، في العشرين من العمر، مقاتل في الجيش السوري الحر من داريا، غادر المدينة السبت. ترك المدرسة الثانوية وانضم وبعض من أقربائه للواء شهداء الإسلام في تشرين الثاني في عام 2012 وهو حالياً بالقرب من معبر باب الهوى الحدودي مع تركيا.

ما الذي كنت تفكر به وأنت في الطريق بعد أربع سنوات؟ ما هو شعورك؟

لم أصدق بأنني سأخرج يوماً من داريا. الثورة التي عشناها كانت على خلاف باقي المناطق، ذقنا الويلات بينما الحياة في الخارج طبيعية.

الأسلحة التي كان يحملها ثوار داريا هي أسلحة خفيفة ولم يكن هناك كمية كبيرة من الذخائر أو مضادات مدرعات أو مضادات طيران. لم يكن هناك تناسب بالقوة بيننا وبين النظام. نقص الأسلحة جعل الصمود في وجه النظام تحد أكبر.

كنا نعاني من نقص في الغذاء وكنا نتناول وجبة واحدة في اليوم بينما المناطق المحررة تعيش واقعاً مخالفاً للذي عشناه من حيث المساحة الكبيرة المسيطر عليها والعدة والعتاد. شعرت بالحزن و الفرح في نفس الوقت. شعرت بخيبة الأمل تجاه فصائل الجنوب التي لم تهرع لمساعدتنا وشعرت بالفرح للقاء مقاتلي الشمال.

كيف ودعت داريا وأنت مقاتل من أبنائها؟

ودعتها بدموع غزيرة وبحزن شديد على دماء أصدقائنا وأحبائنا التي سقت تراب داريا. كان عزائي الوحيد أنني خرجت بعزة وفخر وأمل بأننا سنعود فاتحين لها. لا أصدق إلى الآن ما جرى. شاهدت بيتنا أثناء طريق الخروج من داريا بعد أربع سنوات. ما زال واقفا لم يتضرر ورأيته قصراً أمام حجم الدمار والركام. ولكنني تمنيت لو أنه دمر كي لا يعبث بذكراه أحد غيري.

حديقة في داريا في بداية هذا الشهر، حقوق نشر الصورة للمجلس المحلي لمدينة داريا

ابو محمد، مزارع من داريا، غادر المدينة الجمعة وهو الآن في إدلب

 

عندما خرجت أنا في الدفعة الآولى كنا على عجلة من أمرنا، تركت بعض المواشي التي كنت أربيها وبعض طيور الدجاج محبوسة في الإسطبل، تذكرتها قبل أن يمشي الباص بقليل، ووصيت أحد المقاتلين القريبين من الباص بإطلاق سراحها حتى تتمكن من الحياة على ما ينبت في الأرض. لن أتركها دون أن يعتني أحد بها، تلك أرواح كانت أمانة في عنقي، أما بعد ذهابنا فالله لا ينسى، سيتكفلها برحمته. المهم ان أؤدي واجبي تجاه هذه الأرواح.

 

رامي، مقاتل في الجيش السوري الحر من داريا والآن في إدلب

 

ليس لدي شيء لأخذه معي من هنا، هناك قبر صديقي فقط هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن أقول له وداعاً، ربما أحمل من قبره حفنة من التراب أو حتى أحمل العبارة الخشبية التي وضعتها للدلالة على مكان دفنه، ذهبت إلى المقبرة لأودعه ولم أتمالك نفسي من البكاء، يعز علينا فعلاً ترك أرواحهم وقبورهم خلفنا، وعدناهم أن نبقى سويا وها نحن راحلون، هم وحدهم من سيبقى في المدينة.

الطيور المهاجرة تحلق في سماء داريا في 26 آب، في أول يوم يهاجرها أهلها. حقوق نشر الصورة للمجلس المحلي لمدينة داريا.

أيهم أبو محمد، صحفي مدني من داريا، وعمل مع المكتب الإعلامي للواء شهداء الإسلام التابع للجيش السوري الحر. وهو حالياً في محافظة إدلب

 

ما هو سبب الخروج بعد سنوات من القصف والحصار؟

 بعد أربع سنوات من القصف والحصار المطبق وتقاعس الجميع عن نصرة المدينة، كان لا بد من أن يتفادى الموجودون فيها مجزرة ثانية أصبحت قريبة بسبب قلة الموارد وانقطاع طرق الامداد ونفاذ الذخيرة، إضافة الى حملة شرسة لم تتوقف من قبل النظام منذ معركة لهيب داريا في شهر آب من عام 2015 وحتى نفس الشهر من عام 2016، استخدمت فيها خبرات عسكرية روسية وأجهزة استطلاع ورصد لم تكن متوفرة لدى النظام سابقاً.

مما جعل من المقاومة أمراً أصعب بكثير وخصوصاً في ظل انقطاع طرق الإمداد وعدم وجود أي نوع من أنواع مضادات الدروع، إضافة الى استخدام النظام لكاسحات كبيرة الحجم لا يمكن مقاومتها بالسلاح الخفيف وتقوم بمسح معالم منطقة بمساحة 500 متر بشكل يومي وتسويتها بالتراب، كل ذلك أضعف القدرة على المقاومة العسكرية، إضافة الى قيام قوات النظام بإحراق المحاصيل الزراعية التي كانت الملاذ الأخير للمحاصرين مما جعل الموت جوعاً هو الخيار الوحيد المتاح على الصعيد الانساني، واضطر المحاصرون إلى قبول عرض قدمه النظام يضمن خروج كل من في المدينة بشكل آمن وبسلاحهم الفردي إلى محافظة إدلب في الشمال السوري.

 من اتخذ القرار وما هي الإجراءات؟

تم الاتفاق مسبقاً في داريا على انتخاب لجنة تفاوض كُلفت هذه اللجنة من قبل الهيئات المدنية والعسكرية والمدنيين الموجودين داخل داريا، وعملت هذه اللجنة على اتخاذ القرار بعد الحصول على تفويض من جميع المتواجدين في المدينة، حيث تم الاتفاق على البدء بإخراج المدنيين الراغبين بالخروج الى مراكز ايواء في ريف دمشق وتصحيح أوضاعهم وعوائل المقاتلين المتواجدين في المدينة إضافة الى المقاتلين إلى مدينة إدلب في شمال سوريا مع أسلحتهم الخفيفة.

 

ترجمة: فاطمة عاشور

 

آخر التقارير…