مدة القراءة: 4 دقائق | إدلب, تقارير, شتات ومهجر

في سوريا: الجميع يتاجر بدماء المهجرين حتى المهربين


يونيو 26, 2016

تحت جنح الظلام، مضى مهرب بآلاء وعائلتها عبر جبال محافظة إدلب شمال سوريا، في ليلة السبت.

وشقت العائلة المؤلفة من 15 فردا طريقها بين التضاريس الوعرة، من قرية خربة الجوز الصغيرة باتجاه الحدود التركية.

ورغم كل تطمينات المهرب، إلا أن المجموعة كانت ودون شك على شفا حفرة؛ ففي الشهور الآخيرة اقتحمت السلطات التركية المعابر الحدودية غير الشرعية بعنف وأطلقت النيران وضربت واعتقلت السوريين ممن يحاولون دخول تركيا، ما أسفر عن عدد من الضحايا والإصابات.

وحين وصلت آلاء إلى الحدود التركية أخيراً، كان الوقت قد تجاوز منتصف الليل. وفي نفس اللحظة تقريباً، بدأ حرس الحدود التركي بإطلاق النار نحو المجموعة، وهم يصرخون بالتحذيرات للمهرب.

وقالت آلاء، لسوريا على طول، “أخبرنا المهرب أن لا نخاف ولا نقلق، فالأمر طبيعي وروتيني، ويجب أن نبقي رؤوسنا تحت ضوء كشاف الحرس”.

أحد المصابين على معبر خربة الجوز الحدودي. حقوق نشر الصورة لـ علي عدرا

ولكن ما إن وقفت آلاء وعائلتها على مرآى ونظر حرس الحدود التركي، حتى انسل المهرب من المجموعة وهرب نحو ما يختبئ به.

وقالت آلاء “فبدأ حرس الحدود بإطلاق النار علينا. وقتلوا زوجي، وقتلوا أطفالي الثلاثة”. وتابعت” وثقنا بالمهرب، فخدعنا، قال أننا سنكون آمنين”.

وفي النهاية، أردى حرس الحدود التركي تسعة قتلى، ومن بينهم أربعة أطفال، ليعنون بذلك الحادث الأكثر دموية على معابر الحدود السورية التركية منذ بدء الحرب في سورية.

” ببساطة ليس هناك بديل”

اتخذت تركيا مؤخراً، بدلاً من سياسة الباب المفتوح للاجئين السوريين، نبرة مختلفة كلياً؛ ففي شهر تشرين الأول، بدأت تركيا، التي تستضيف 2.7مليون لاجئ سوري، وأكثر مما فعلت  أي دولة آخرى، بإقامة جدار حدودي طوله 900 كم. وفي أذار أغلقت الحكومة معبر باب الهوى الحدودي، المعبر الرسمي الوحيد إلى سوريا في إدلب التي تقع تحت سيطرة الثوار. كما أن السلطات قامت باعتقال وطرد مجموعات تضم حوالي 100 سوري من الرجال والنساء والأطفال بشكل شبه يومي منذ منتصف يناير، وفق ما ذكرت منظمة العفو الدولية في نيسان.

ومع إغلاق الطرق الرسمية أمام طالبي اللجوء، يتزايد عدد السوريين الذين يتجهون إلى الطرق غير الشرعية في الهجرة، والخطيرة في الغالب.

ويبلغ عدد المدنيين الذين أطلق عليهم الرصاص وهم يحاولون العبور من سوريا إلى تركيا نحو 60 منذ بداية عام 2016، وفق ما ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان.

وأصبحت خربة الجوز مؤخراً، والتي تقع على بعد 50 كم فقط جنوب مدينة أنطاكيا في تركيا، خط الإمدادات الرئيسي إلى تركيا.

وما بين أذار ونيسان 2016، أطلق حرس الحدود التركي النار على اللاجئين السوريين والمهربين أثناء محاولتهم العبور إلى تركيا من خربة الجوز وقتل خمسة منهم ومن بينهم طفل وأصاب أربعة عشر في حوادث متفرقة، وفق ما ذكرت منظمة مراقبة حقوق الإنسان، الشهر الماضي.

ولكن في خفايا هذه المخاطر، لماذا يستمر السوريون كآلاء في محاولة العبور من خربة الجوز؟

لا يوجد أية بديل، بحسب ما قاله علي عدرا ناشط اعلامي متواجد في بلدة صغيرة على الحدود السورية التركية، لسوريا على طول، يوم الأربعاء.

وأضاف عدرا أن “المهربين يكذبون على الناس، ولا يهمهم حياة الناس ما يهمهم النقود فقط، وهذه ليست أول الحوادث، لكن للاسف الناس تتعلق بأمل صغير للخلاص من وضعها المأساوي فيفرون من الموت إلى الموت”.

الطريق إلى خربة الجوز

مع نفاذ كافة الفرص أمام السوريين وعدم وصول جدار الحدود التركية إلى خربة الجوز، حاول المئات منهم، خلال الأشهر الأخيرة، العبور إلى تركيا عن طريق بلدة حدودية صغيرة.

وبالنسبة للكثير من السكان، فأن الرحلة تبدأ من ادلب أو حلب حيث توجد مكاتب المهربين الرئيسية، ومن هناك يقوم مدير المكتب بإرسال طالبي اللجوء إلى خربة الجوز في سيارة خاصة، وذلك حسب مصادر متعددة مطلعة على شبكة المهربين في المنطقة.

إلى ذلك، قال أبو محمد، مدني من أبناء خربة الجوز أن “مدير المكتب يأخذ مايقارب 400 دولار على الشخص الواحد”.

وأضاف أبو محمد “أنا أعرف جميع المهربين في المنطقة، وهم يخدعون الناس ويأخذون منهم مايستطيعون بحجة الأكل والمصروف وغيرها”.

وتابع “في هذه المرحلة لا يوجد خيار أمامهم ولا سبيل للتراجع بعد أن خاضوا في الموضوع لانهم يدركون أن مادفعوه لن يعود”.

وفي خربة الجوز، يقوم العاملين في شبكة التهريب، بترتيب أمور عبور الحدود.

وأشار أبو محمد “يوم السفر، يقول المهربين للناس أنهم نسقوا مع الجندرما التركية والامور جيدة والطريق آمن”.

ومن جهته، أكد علي عدرا أن “المهربين يكذبون على الناس ولا يهمهم حياة الناس، ما يهمهم النقود فقط”.

وغالباً مايسافر المهربين مع الناس ويكونوا مسلحين بشكل جيد، وذلك من أجل اسكات الفصائل التي من الممكن أن تعترضهم خلال الرحلة.

وعندما اعترض أحد المقاتلين التابع لأحد الفصائل المحلية المهرب قبل بضعة أسابيع “رفع المهرب سلاحه في وجه المقاتل” بحسب أبو محمد، مضيفا “في الحقيقة هؤلاء المهربين هم أفراد عصابة”.

وتحدثت سوريا على طول مع أحد المهربين في خربة الجوز، ويدعى رامي، والذي دافع بشدة عن مهنته، حيث قال “هم يأتون إلينا، وأمر موت الناس برصاص الأتراك ليس خافيا على أحد، لذلك نحن لا نلام، الناس تريد هذا”.

ومع خطورة المعبر الحدودي المتزايدة، واستمرار استغلال المهربين، ليس أمام طالبي اللجوء إلا خيارات قليلة، خلال رحلة خربة الجوز.

إلى ذلك، قالت آلاء “هربنا من التنظيم وقوات سوريا الديمقراطية بحثا عن الحياة، تقطعت بنا السبل ولم نعد نجد طعاما او شرابا ولا حتى مصدر رزق”.

وأضافت “كنت أريد فقط عملا يسد رمق أطفالي، الجميع يتاجر بدمائنا حتى المهربين”.

 

آخر التقارير…