مدة القراءة: 5 دقائق | دمشق, سياسة, مقابلات

في سورية: الاختفاء القسري ابتزاز ينتهي بنجاح العملية وموت المريض


نوفمبر 23, 2015

كشف تقرير منظمة العفو الدولية المعنون بـ”ما بين السجن والقبر: حالات الاختفاء القسري في سوريا”، عن تربح الدولة جراء انتشار عمليات الاختفاء القسري بشكل منهجي على نطاق واسع، بما يرقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية، وبروز سوق سوداء من الخداع والحيلة على هامش هذه الممارسات تستغل رغبة أقارب الضحايا وتوقهم المفرط لمعرفة مصير أحبتهم المختفين مقابل حفنة من المال.

ووثقت المنظمة 65 ألف و116 حالة اختفاء قسري، ما بين أذار 2011 وآب 2015، من بينهم 58 ألف و148 مدني. 

أم علاء القاسم، زوجها سائق شاحنة، ورغم أنه لم يكن مؤيداً للثورة، إلا أنه كان إحدى هذه الحالات، اختفى في أيلول 2013، وهو يسلم حمولة لإحدى مؤسسات الدولة في دمشق، سردت لنورا حوراني، مراسلة في سوريا على طول، تفاصيل الألم  والإبتزاز الذي اختبرته.

“اتصلت به  يومها ولم يرد، هنا انتابني شعور غريب عرفت أن شيئا ما حصل. كررت الاتصال لعدة مرات. وفي كل مرة كنت أقترب من فقدان السيطرة على نفسي ألى أن تم إقفال الهاتف، أجهشت بالبكاء بشكل غير إرادي لأنني أدركت أنني لن أراه ثانية”.

بعد 20 يوما اتصل شخص بها، وطلب منها دفع خمسة ملايين ليرة سورية خلال ثلاثة أيام مقابل إطلاق سراح زوجها، ولم تستطع سوى أن تدبر جمع مليون ليرة سورية فقط، المبلغ الذي لم يعجب الخاطفين فقطعوا الإتصال بها، وباتت تدرك أن المسافة للوصول إلى زوجها باتت بعيدة.

ولأن الشحنة، التي كان زوجها يحملها، كان من المفترض تسليمها لإحدى مؤسسات الدولة، ولم يفتح أي تحقيق بشأنها أو يتم  سؤالها من أي طرف كان، أيقنت أم علاء أن النظام كان وراء إختفائه.

تقول أم علاء “وصلت إلى مرحلة اليأس. ودفعت أموالا كبيرة، رشاوي ووساطات لضباط وعسكريين، لأعرف فقط أين هو ولكن دون جدوى. في الحقيقة كنت احس انني صيد سهل لكسب المال والرشوة لكن الغريق يتعلق بقشة”.

وبعد سنة ونصف، من البحث واستنفاذ المشاعر، باعت منزلها بثمانية ملايين ليرة سورية، لتدفعها رشوة لضابط رفيع المستوى، لا تجرؤ بالتلميح عمن يكون، ليسدل  ستار الخيبة على كل لحظات الانتظار والترقب، بجملة وحيدة “زوجك مات من أول شهر في السجن”.

وانتهت إلى القول “أحسست حينها انني دفعت ثمن مقتل زوجي، بيدي وقبلت تلك الأيادي، ومضيت وكل حزن الدنيا بي”.

كيف اختفى زوجك؟ متى؟ وأين؟
زوجي يملك شاحنة لنقل البضائع، وعمله هو التنقل والسفر بشكل مستمر بين المحافظات السورية. في أحد الأيام خرج بحمولته متجها إلى دمشق، كان ذلك في 11 ايلول 2013 كانت تلك هي المرة الاخيرة التي أراه فيما. بعدها علمت من بعض الشهود وأصدقائه في العمل، أنه اختفى على مداخل العاصمة دمشق قريبا من النبك.

كيف علمتي أنه مختف؟ وما هو سبب اختفائه؟

في نفس اليوم. كنت معتادة على الاتصال به للاطمئنان على وصوله، اتصلت به ولم يرد، هنا انتابني شعور غريب عرفت أن شيئا ما حصل، كررت الاتصال لعدة مرات. وفي كل مرة كنت أقترب من فقدان السيطرة على نفسي الى أن تم إقفال الهاتف. أجهشت بالبكاء بشكل غير إرادي لأنني أدركت أنني لن أراه ثانية. في اليوم التالي اتصل بي من هاتفه وأخبرني انه بخير وانه سيتصل بي ويطمئنني عنه، اتصل بي لعدة مرات وكان من الواضح انه لايستطيع الكلام بحرية، وقال إنه بحاجة الى المال حتى يعود. بعد مضىي ما يقارب 20 يوما اتصل شخص اخر وطلب مالاً مقابل اطلاق سراح زوجي. هنا أدركت انه مختطف وستبدأ عملية ابتزازي مادياُ.

ماهو المبلغ الذي تم طلبه؟ وهل فكرت بالإبلاغ عن الموضوع للسلطات؟

لقد طلبوا 5 ملايين ليرة سورية، ولم يكن معي هذا المبلغ فعمل زوجي مصدر رزقنا الوحيد، وحتى أنهم فرضوا علي مدة 3 ايام لتأمينه وهذه مدة جدا قليلة. حاولت تأمين المبلغ ولكن وضع الناس المادي بشكل عام سيء واستطعت تأمين مليون فقط. بعد مرور الوقت اتصلوا بي لم يبلغوني لاي جهة يتبعون ولم يعجبهم المبلغ المؤمن. بدأت اتوسل أن يأخذوا المبلغ الموجود وان لا يمسوا زوجي بسوء، لكن كان الكلام دون نفع وكأنه يخرج للهواء. في نفس الوقت طبعاً انا قمت بالتبليغ عن اختفائه، وأعطيت معلومات كاملة عن سيارته، حتى أن التاجر المسؤول عن البضائع تواصل معي، وبدوره كلف محام للبحث عن البضائع. بعدها انقطعت أخباره تماما ولم يتصل احد بي منذ ذلك الحين. في كل يوم كنت اشعر أن المسافة للوصول اليه اصبحت بعيدة، وان معرفة اي شيء عنه  كالبحث عن إبرة في كومة قش.

ماذا فعلت بعد ذلك؟ وهل عرفت الجهة التي اختطفته؟

مر على اختفائه 5 اشهر، وانا لم اكل ولم امل من البحث. وكلت محام لمتابعة القضية، ولجأت إلى كل الطرق القانونية للبحث عنه دون جدوى، ولكن الشيء الوحيد الذي لاحظته هو أن الخاطفين توقفوا عن الاتصال منذ أن بدأ التاجر المسؤول عن البضاعة بالسؤال والبحث عن الموضوع. ومن الأشياء الملفتة هي ان الحمولة كان من المفترض تسليمها لإحدى مؤسسات الدولة (أي ان الدولة هي صاحبة البضائع)، ولم يتم استدعائي من أي طرف للسؤال عن البضائع أو التحقيق معي، وبعد الإبلاغ عن البضائع من قبل التاجر بفترة اسبوع أبلغني مركز الأمن أنه تم العثور على الشاحنة على إحدى جوانب الاتستراد محطمة ومسروق منها العديد من القطع. هنا تيقنت ان الجهة التي اختطفته هي النظام لأن اثنين من ابناء عمي تعرضا لنفس الشيء، الأول طلبوا منه 6 ملايين دفعها التاجر وعاد بعد 5 ايام هو وسيارته وبضاعته سالما، والآخر طلبوا منه مليون وكذلك تكفل التاجر بالمبلغ وعاد سالماً، عندها بدأت باسلوب بحث جديد وهو البحث بالفروع الامنية والسجون.

بعد هذا البحث هل توصلت الى مكانه؟

في الواقع وصلت الى مرحلة اليأس، ودفعت أموالا كبيرة رشاوي ووساطات لضباط وعسكريين لأعرف فقط أين هو، ولكن دون جدوى. في الحقيقة كنت أحس أنني صيد سهل لكسب المال والرشوة، لكن الغريق يتعلق بقشة. كثيرون هم الذين وعدوني وأكدوا أنهم شاهدوه أو يعرفون مكانه. الذنب الوحيد الذي ارتكبه زوجي هو انه لا يملك المال. مرت سنة ونصف إلى أن وصلت الى ضابط رفيع المستوى، لا استطيع حتى ان ألمح تلميح من هو، طلب مبلغ 8 مليون ليخبرني بمكان زوجي لم يكن أمامي سوى بيع بيتي، وأقمت عند ابنتي المتزوجة، بعدها ذهبت الى دمشق ودفعت المبلغ المطلوب، أخذني احد العناصر الى احد الفروع الامنية، معصوبة العينين، لم اعرف أي الفروع هو وقاموا بتسليمي هوية وأوراق ثبوتية ومتعلقات زوجي مع جملة بسيطة”زوجك مات من أول شهر في السجن”. أحسست حينها أنني دفعت ثمن مقتل زوجي بيدي، وقبلت تلك الايادي ومضيت وكل حزن الدنيا بي.

هل كان لزوجك أو أحد من ابنائك أي صلة بالثورة؟

على العكس زوجي من بداية الثورة كان يقول نحن مستوريين وهذا سيأتي بدمار البلد، ربما كان يتكهن بالمستقبل. أما أبنائي فالابن الاول كان بخدمة الجيش عندما بدأت الثورة والآن انتهت مدة خدمته ولم يسرح، والثاني اصبح المعيل الوحيد لنا بعد اختفاء والده، ولكن للاسف تم سحبه من داخل عمله للاحتياط. حتى الان لم اخبر ابنائي أن أباهم توفي لم أستطيع ان افعل هذا تركتهم يعيشون الامل.

ما شعورك الان، ولماذا لم تغادري البلد؟

كيف سأغادر البلد وابنائي لمن سأتركهم ؟.أنا أحضر نفسي كل صباح ليصلني نبأ استشهاد احد ابنائي. انهم لا يدافعون عن البلد هم يدافعون عن الأسد، عن قاتل أبيهم ومجبرين على ذلك. نحن وقود لهذه الحرب وذنبنا الوحيد اننا اصحاب هذه البلد، الأسد يدعي محاربة الإرهاب، وهو الإرهاب نفسه.

آخر التقارير…