مدة القراءة: 5 دقائق | إدلب, ثقافة ومجتمع, حماة, مقابلات

في عيد الأم: سورية تختلي بحزنها في خيمة على الحدود التركية بعد أن فقدت أبناءها الخمسة


مارس 21, 2017

في عيد الأم، في مخيمات أطمة العشوائية قرب الحدود السورية التركية، تذوي امرآة وحيدة في داخل خيمتها الممزقة لتختلي بحزنها ومآساتها.

“الحرب سلبتني أمومتي” وفق ماقالت أم غالب ذات 58عاماً، لـ بهيرة الزرير، مراسلة في سوريا على طول، مضيفة “بفقداني لأبنائي لم أعد أماً”؛ فأبناؤها الخمسة جميعاً موتى.

“كل عام وأنت بخير يا أمي” لـ رسام حوران الثائر. حقوق نشر الصورة لـ الذاكرة الإبداعية للثورة السورية.

قبل ست سنوات، كانوا يعيشون معاً في قرية البويضة الشرقية في جنوب ريف حماة وسط سورية. ابنها الأكبر كان ملازماً في الجيش العربي السوري، اثنان عملا في منشرة، وأحدهما كهربائي وابنها الأصغر طالب بكالوريا.

وحين وصلت المظاهرات المناهضة للأسد قريتهم. انشق الملازم وانضم إلى الجيش السوري الحر برفقة إخوته الثلاثة.

وحالما بدأت مروحيات النظام بإلقاء البراميل المتفجرة، نزحت أم غالب وابنها الأصغر أحمد بالاتجاه الشمالي الشرقي إلى منزل أخيها في محافظة حماة المجاورة.

وهناك، شرد الاقتتال العائلة مرة أخرى، ولكن ليس قبل أن يختفي أحمد بطريقة غامضة. فيما بعد علمت أم غالب ان ابنها انضم لتنظيم الدولة.

وفي النهاية جرجرت الأم خطاها إلى مخيم أطمة على الحدود التركية في أذار 2016.

اليوم تعيش وحدها، وتعاني من مرض السكري وارتفاع ضغط الدم.

وهنا تسرد أم غالب وبكلماتها كيف انتهى بها الحال “وحيدة وأعاني المرضى وأتمنى الموت”.

كأم خسرت أبناءها الخمسة في هذه الحرب ماهو شعورك اليوم في عيد الأم؟

القهر والألم والبكاء، بدلاً من الفرح، لأن الحرب سلبتني أمومتي، وأنا بفقداني لأبنائي الخمسة لم أعد أماً، فأنا وحيدة أعاني المرض وأتمنى الموت.

 فهذا اليوم من السنة كل الأبناء يحتفلون بأمهاتهم بشكل مميز ويقدمون لهن الهدايا، والأم تشعر بأهميتها عند أبنائها، ولكن أنا شعوري عكس ذلك تماماً. هذا عيد الأم الثاني بدون أبنائي، فاليوم بدلاً من أن أشعر بالفرح والتقدير من أبنائي أصبح يوماً حزيناً أعيشه مع الذكريات بعيداً عن الواقع.

فالحرب حرمتني حتى أن أعرف أين قبور أبنائي، لأذهب لزيارتهم والاحتفال معهم كان ذلك سيصبرني، لا يمكن لعقل أن يتحمل ما حدث معي ولكن هذا أمر الله.  

حدثيني عن حياتك قبل الثورة وكيف تفرقت عن أبنائك؟

كان لي خمسة شباب بعمر الزهور، غالب كان عمره 30 عاما وهو ملازم في الجيش السوري، ولديه طفل، ومعتز عمره 28  وفراس 27 عاماً، يعملان في منشرة أخشاب، وحكمت 24 عاما درس معهد كهرباء وكان يعمل موظفاً في مؤسسة الكهرباء في حمص وآخرهم أحمد عمره 18 عاما كان ينوي أن يقدم امتحان البكالوريا، ولم يستطع إكمال دراسته، بسبب القصف والنزوح، وتنقلنا من مكان الى أخر.

ففي بداية الثورة في سورية كان أبنائي الأربعة، يخرجون بالمظاهرات ضد الأسد. وقالوا لأخيهم الأكبر غالب أنه إذا لم يعلن انشقاقه فلن يعد أخاهم بعد اليوم وسيعاملونه على أنه من النظام، حتى أعلن غالب انشقاقه وانضم الى الجيش الحر الموجود في القرية الذي  يضم الكثير من أبنائها.

وبعدها بدأ النظام بقصف قرية البويضة الشرقية بالبراميل،  فنزح أغلب أهالي القرية إلى القرى المجاورة أو إلى حيث لهم قريب ما.

(استعاد النظام السيطرة على البويضة الشرقية في حزيران 2016).

وخرجت برفقة زوجة ابني غالب، وابني أحمد إلى منزل أخي في خنيفس بمحافظة حماة والتي تقع شمال شرق بلدتنا، وكانت آنذاك تحت سيطرة النظام.

ورفض أبنائي غالب ومعتز وحكمت وفراس الخروج وأصروا على البقاء في البويضة الشرقية للدفاع عن بلدتهم.

جلست هناك قرابة 6 أشهر حتى جائني نبأ استشهاد ابني غالب وهو يدافع عن قريته، كنت أبكي والناس من حولي يهدئونني ويقولون لي “البركة بالشباب الباقية الله يخليلك إياهم”. وبعد 3 شهر لم تعد حتى خنيفيس آمنة بسبب اقتراب الجيش الحر منها واستهدافهم لحواجز النظام فيها.

وفي خنيفس كان ابني أحمد يعتزم الالتحاق بالجيش الحر، ولكني كنت أقول له أنني بحاجته، وعند محاولة تنظيم الدولة لاقتحام خنيفيس في نهاية 2013. قررنا الخروج إلى إدلب هرباً من التنظيم، وذات يوم استيقظت ولم أجده، سألت عنه أخي وبحثنا عنه حتى سمعنا من أحد أصدقائه أنه التحق مع تنظيم الدولة، وبعدها نزحت مع أخي وزوجته إلى محافطة إدلب وتلك كانت رغبة أبنائي، لأنها أكثر أماناً واستقريت فيها مع أخي وزوجته وأولاده.

كيف كنت تتواصلين مع أبنائك بعد خروجك إلى إدلب؟

كانوا يتصلون كل اسبوع، زارني ابني حكمت، عدة مرات بعد انتقالي إلى محافظة إدلب، في عام 2014. أما إخوته فراس ومعتز لم أرهم بعد وداعي الآخير لهم في البويضة الشرقية، ولكنهم كانوا بين الحين والآخر يتصلون للاطمئنان علي، وإن كنت أحتاج شيئاً ما وكان ردي دائماً أنا فقط بحاجة أن أراكم.

وفي زيارات حكمت لي كنت اسأله عن إخوته وأوضاعهم ويطمئنني عنهم ويقول لي أن كل واحد منا في جبهة، ادعي لنا بالنصر، وبعد زيارته الآخيرة لي في آواخر الـ 2014، اتصل بأخي وأخبره بأن أخوييه فراس ومعتز، قُتلا في قصف جوي للنظام على أحد الجبهات.

وعندما أخبرني بنبأ استشهاد معتز وفراس، أصبت بجلطة قلبية نقلت بعدها إلى مشفى بإدلب، من شدة حزني على أبنائي، وحتى بعد أشهر من انتقالي إلى إدلب ما زلت أفكر بابني أحمد وأين هو كنت أرفض تصديق أنه انضم إلى تنظيم الدولة.

كان أخي يقول لي يجب أن تنسيه ولا تتذكرينه ابداً، وحين أسأله لماذا يجيبني لأنه انضم للكفار، ولو كان يحبك لما تركك ويجب أن تعتبرينه ميتاً بعد انضمامه لداعش.

حكمت استمر في زيارتي وفي كل مرة يعطيني مبلغاً من المال وكنت كل شهر أنتظر زيارته وأقول له: لم يبق لي أحد سواك، وأبكي. كانت آخر زيارة له لي في شهر 11 من العام 2015 قال لي إذا مت يا أمي لا تبكي عليّ بل افتخري بأنني مت على الحق وليس على باطل.

وبعدها مرَ شهر دون أن يتصل بي، وبدأت بالقلق والبكاء من شدة خوفي عليه وكنت أواسي نفسي أنه مشغول ولا يوجد تغطية في المكان الذي هو فيه. مر شهران دون أي خبر عنه، حتى تكلم معنا أحد من الجيش الحر وقالوا لي أنه مات في مواجهة مع الـpkk .

أخي حاول أن يخفي الحقيقة ولكن حزنه على ابني فضحه ونظر إلي وقال: يا أم الشهداء ارفعي رأسك فحكمت قد استشهد. صدمت ومرت في ذاكرتي صور أبنائي الخمس، وأنا أبكي وأقول الحمد لله.. الحمد لله وأبكي.

بعد سنين من غياب ابنك أحمد ألم تفكري أن تعرفي ماذا حل به؟

كنت أخاف السؤال عنه لأنه مع داعش، وأخي كان قد حذرني أن أسأل عنه ولكنني كنت أتامل بعودته وأن يترك داعش، ولكن بعد استشهاد حكمت بشهر أو أكثر بقليل، سمعت من أحد أقربائنا أن ابني أحمد مات في خناصر في بداية 2016، ووصله الخبر من الذين نجوا في تلك المعارك.

وأخي ايضا توفي إثر نوبة قلبية وامرأته لم تعد تسمح لي بالبقاء بعد وفاته، فلم يكن لدي خيار إلا الذهاب إلى مخيم أطمة وأنا أسكنه منذ سنة.

ترجمة: فاطمة عاشور

آخر التقارير…