مدة القراءة: 6 دقائق | إدلب, اقتصاد

قمح شمال غرب سوريا: الموسم لا يكفي احتياجات المنطقة وتهريبه ينذر بكارثة


يوليو 7, 2022

إدلب- قبل أيام، أنهى عبد المنعم أسعد حصاد أرضه المزروعة بالقمح، الواقعة في سهل الروج بريف إدلب الغربي، واصفاً الموسم بـ”الجيد” مقارنة بالعام الماضي، نظراً لارتفاع معدل الأمطار، كما قال لـ”سوريا على طول”.

تراوح إنتاج الدونم الواحد من أرضه، البالغ مساحتها 22 دونماً، بين 400 و500 كيلوغراماً، وهو “متوسط إنتاج الأراضي الزراعية في المنطقة”، على عكس الموسم الماضي، “إذ لم يتجاوز الإنتاج أكثر من 350 كيلوغراماً للدونم الواحد”، وفقاً لأسعد.

صورة جوية (درون) لأرض عبد المنعم أسعد أثناء عملية الحصاد وتعبئة القمح، 28/ 6/ 2022 (عبد المجيد القرح- سوريا على طول)

ويتأثر إنتاج القمح بـ”اختلاف الجو، والجفاف، والأمراض، والصنف”، قال أسعد، موضحاً أن بعض الأراضي يصل إنتاجها إلى 700 كيلوغراماً للدونم الواحد.

وفيما عبّر أسعد عن رضاه بإنتاج الموسم الحالي، فإن إجمالي إنتاج مناطق سيطرة حكومة الإنقاذ، المدعومة من هيئة تحرير الشام، من مادة القمح لهذا العام “يغطي أربعة أشهر من احتياجات المنطقة”، وفقاً لمدير العلاقات العامة في وزارة الاقتصاد والموارد بحكومة الإنقاذ، حمدو الجاسم، ما يعني “حاجة المناطق المحررة [المعارضة] لاستيراد كميات إضافية من القمح لتحقيق الاكتفاء الذاتي”، كما أوضح لـ”سوريا على طول”.

وعادة يتم تعويض النقص “عبر الاستيراد من دول خارجية”، بحسب الجاسم، مشيراً إلى أن “الحرب الروسية-الأوكرانية أثرت على عملية استيراد القمح عالمياً من حيث توفره وسعره، نتيجة زيادة الطلب عليه، كون أوكرانيا توقفت عن تصديره وهي من أكثر الدول المصدرة”.

الحصاد المبكر

بدأ عبد المنعم أسعد حصاد أرضه في أواخر حزيران/ يونيو، متأخراً عن العام الماضي، حيث “أبدأ الحصاد مبكراً، في مطلع حزيران، خشية اندلاع الحرائق نتيجة القصف أو لأسباب أخرى كارتفاع درجات الحرارة، رغم أن الحصاد المبكر يقلل من كمية الإنتاج”، كما قال.

من جهته، بدأ محمد حسن ناصيف حصاد أرضه، البالغ مساحتها ثمانية دونمات، الواقعة في ريف إدلب الغربي أيضاً، في الفترة بين 3 و8 حزيران/يونيو الماضي “حتى لا يطالها القصف أو تتعرض للحرائق، خاصة أننا لا نملك أي وسيلة لحماية محاصيلنا”، قال لـ”سوريا على طول”.

وكما هو الحال بالنسبة لأسعد، تعد الزراعة مصدر الدخل الوحيد لناصيف، ومحصول القمح هو أهم المحاصيل التي يزرعها، لذلك لا يمكن المخاطرة فيه، حتى إن كان الحصاد مبكراً يؤثر على كمية الإنتاج، بحسب قوله.

عمال في أرض عبد المنعم أسعد، أثناء عملهم في تعبئة القمح تمهيداً لنقله، 28/ 6/ 2022 (عبد المجيد القرح- سوريا على طول)

وسبق لناصيف أن خسر كامل محصوله قبل أربع سنوات “حين التهمت النيران كامل المحصول”، مشبهاً ما حدث وقتها بـ”السباق”، حينما “كانت الحصّادة تمشي أمام الحرائق لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القمح قبل وصول الحريق”.

في بداية حزيران/ يونيو ينضج القمح في سوريا ويصبح جاهزاً للحصاد، لكن التأخر في حصاده عن هذا الموعد “أفضل”، إذ “يصبح أكثر نضوجاً، وتعطي الأرض كميات أكبر”، وفقاً لأسعد، إلا أن المزارعين محكومون بـ”سوء الوضع الأمني”، ويتخوفون من “خسارة كامل المحصول بفعل الحرائق”.

الحصّادة أثناء عملية حصاد أرض عبد المنعم أسعد في سهل الروج بريف إدلب، 28/ 6/ 2022 (عبد المجيد القرح- سوريا على طول)

وإلى جانب تأثر القمح بالحصاد المبكر، تسهم أسباب أخرى في انخفاض الإنتاج، من قبيل غلاء الأسمدة، بحسب ناصيف، مشيراً إلى أنه كان يستخدم لكل دونم قمح 50 كيلوغراماً من السماد، لكنه اليوم يستخدم 15 كيلوغراماً للدونم، إذ “يتراوح سعر طن السماد بين 800 و900 دولاراً”.

ولأن “الحصّادة لا تأخذ إلا النبتة الناضجة العالية، فإن الحصاد المبكر من أحد عوامل انخفاض إنتاج القمح”، وفقاً لأسعد، ناهيك عن أن ذلك يؤدي إلى “عدم توفر التبن اللازم الذي يستخدم كغذاء للأبقار والأغنام”، وهذا ينعكس أيضاً على “ارتفاع أسعار التبن وتضرر مربي الحيوانات، الذين يضطرون إلى بيع المواشي بأسعار رخيصة لعجزهم عن تكاليف إطعامها”، إذ ارتفع سعر كيلو التبن من ليرتين تركيتين (11 سنتاً) إلى تسعة ليرات (0.52 سنتاً).

أثناء عملية الحصاد وتجميع أكوام من القمح في أرض عبد المنعم أسعد، 28/ 6/ 2022 (عبد المجيد القرح- سوريا على طول)t

خطر من نوع آخر

سنوياً، يشهد شمال غرب سوريا اندلاع حرائق في الأراضي المزروعة بالقمح، كان آخرها اندلاع حريقين في سهل الروج بريف إدلب الغربي، أي بالقرب من أرض عبد المنعم أسعد، في السابع من حزيران/ يونيو الماضي، كما ذكر الدفاع المدني، المعروف باسم “الخوذ البيضاء”.

وفي مواسم حصاد القمح تستنفر فرق الإطفاء التابعة للدفاع المدني، وترفع من جاهزيتها للتعامل مع أي حرائق حال حدوثها، كما تنشر عبر معرّفاتها الرسمية منشورات توعوية للحدّ من الحرائق.

تعدّ الحرائق الخطر الأكبر بالنسبة للمزارعين وتهدد الأمن الغذائي لسكان شمال غرب سوريا، الذين يتجاوز عددهم أربعة ملايين نسمة، نصفهم نازحون داخلياً، إلا أن هناك أشكالاً أخرى لا تقلّ خطورة بالنسبة للسكان الذين يعانون من أوضاع اقتصادية ومعيشية صعبة، منها تهريب محصول القمح إلى خارج مناطق سيطرة المعارضة.

خط طويل من القمح الجاف الجاهز للحصاد في أرض عبد المنعم أسعد، 28/ 6/ 2022 (عبد المجيد القرح- سوريا على طول)

ويفضّل المزارعون بيع محاصيلهم خارج مناطق حكومة الإنقاذ نظراً لارتفاع سعره مقارنة بالسعر المحدد من حكومة الإنقاذ، البالغ 425 دولار للطن الواحد، الذي تم رفعه إلى 450 دولار للطن الواحد، للحد من التهريب، وفقاً لمدير العلاقات العامة في وزارة الاقتصاد والموارد بحكومة الإنقاذ، حمدو الجاسم.

عامل يرفع على ظهره كيس قمح داخل سيارة لنقل محصول القمح من أرض عبد المنعم أسعد، 28/ 6/ 2022 (عبد المجيد القرح- سوريا على طول)

ومع ذلك، ما تزال الأسعار أقل من مناطق النفوذ الأخرى في سوريا، إذ حددت الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا سعر شراء طن القمح بما يعادل 550 دولار أميركي، فيما يبلغ سعر الطن بمناطق النظام بما يعادل 500 دولار.

لذلك، يفضل محمد حسن ناصيف بيع محصوله خارج المنطقة، لكن ذلك غير ممكن بالنسبة له كون “كمية الإنتاج في أرضي لا تتجاوز 2.5 طناً، وهي قليلة” أي فارق السعر ليس كبيراً مقارنة بمناطق النفوذ الأخرى، ناهيك عن أن نقلها إلى خارج المنطقة “يتطلب تأمين طريق ووجود معارف في المناطق الأخرى لبيعها هناك”، كما قال.

عامل يحمل حفنة من القمح بعد حصاده من أرض عبد المنعم أسعد، 28/ 6/ 2022 (عبد المجيد القرح- سوريا على طول)

ونظراً إلى إقبال مزارعي شمال غرب سوريا على بيع محاصيلهم خارج المنطقة، تعالت أصوات المنددين بذلك، واعتبرتنقابة المحامين الأحرار (المعارضة)، التي تنشط في شمال غرب سوريا، أن تهريب القمح من المنطقة “عملاً إجرامياً”، من شأنه أن “ينذر بكارثة تهدد حياة ومصير القاطنين في هذه المناطق”.

وطالبت النقابة في بيانها الصادر، في حزيران/ يونيو، الماضي “السلطات والقوى الموجودة، خاصة الجيش الوطني، المسؤولية الكاملة عن حماية قوت الشعب السوري”، ومتابعة عمليات تهريب القمح التي تجري حالياً.

ويصل إنتاج مناطق نفوذ حكومة الإنقاذ في شمال غرب سوريا نحو 60 ألف طناً من القمح، لهذا العام، وفق تقديرات وزارة الاقتصاد والموارد، ولكن الإنتاج لا يكفي احتياجات المنطقة، ما يعني أن تهريبه ينذر بحدوث أزمة خبز في المنطقة.

آخر التقارير…