مدة القراءة: 7 دقائق | إدلب, تقارير, ثقافة ومجتمع, جندر

كأنهن في سجون الأسد: ناجيات يستذكرن مأساتهن في زنازين هيئة تحرير الشام


ديسمبر 16, 2020

عمان- بعد مضي نحو شهرين على اختفاء الناشطة الإعلامية والعاملة في المجال الإنساني نور الشلو في مدينة سرمدا بريف إدلب الشمالي، انتشرت أنباء، في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، عن إصدار هيئة تحرير الشام، المسيطرة على محافظة إدلب، حكم الإعدام بحق الشلو بتهمة التخابر مع التحالف الدولي (الموجودة قواته شمال شرق سوريا)، وتصوير النساء بملابس غير محتشمة ثم ابتزازهن. وهو ما استدعى تعبير العديد من الناشطين والناشطات عن سخطهم على القرار على وسائل التواصل الإجتماعي، وأطلق عدد منهم وسم (هاشتاغ) “#الحرية_لنور_الشلو” على موقع “تويتر” للمطالبة بالإفراج الفوري عنها. 

أيضاً، عبرت المتحدثة الرسمية باسم المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، رافينا شامداساني، عن قلقها بشأن مصير الشلو، مطالبة “سلطات الأمر الواقع” كما وصفت هيئة تحرير الشام بالامتناع عن “عن ارتكاب أي عمل مؤذٍ، وأن تضمن حمايتها، وأن تفرج عنها فوراً”.

الشلو، البالغة من العمر 30 عاماً، والمهجرة من مدينة الأتارب بريف حلب الغربي، هي أرملة وأم لثلاثة أطفال، عملت في المجال الإعلامي، كما في منظمتي “مسرات” و”دارنا” الإنسانيتين خلال السنوات الماضية. وكانت قد رفعت دعوى قضائية على عائلة زوجها للاحتفاظ بحضانة أطفالها، ما كان سبباً في استدعائها للقضاء واختفائها بعد ذلك من أمام المحكمة.

ورغم نفي المكتب الإعلامي التابع للهيئة صدور حكم الإعدام بحق الشلو، إلا أنه عزا في تصريح نشره على قناته في تطبيق “تلغرام”، في 18 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، أن توقيفها جاء “بعد رفع ادعاء رفع بحقها، وثّق بشهادات”، وأنه بعد “التحقيق والبحث المعمق ثبت تورط المدعى عليها في عدد من القضايا الجنائية والأخلاقية”. مضيفاً أن “ممارسة العمل الإعلامي لا تعني الحصانة من المحاسبة القضائية”.

رداً على ذلك، نشر اتحاد إعلاميي حلب وريفها، في 25 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بيانا أكد فيه عدم صدور حكم إعدام بحق الشلو، ونافياً في الوقت ذاته مزاعم “تحرير الشام” عن تورط الشلو بقضايا أخلاقية.

وتبعا لما فتحته قضية الشلو من جدل حول مصيرها وتقديم أدلة وافية عن التهم الموجهة إليها، أودى ذلك لفتح باب السؤال عما تخفيه سجون هيئة تحرير الشام من اعتقالات تعسفية بحق النساء و بتهم “ملفقة”، وعما يتعرضن له داخل تلك الزنازين خلال فترة الاعتقال.

واحدة من عشرات بتهم “ملفقة” 

الشلو ليست إلا واحدة من عشرات النساء المعتقلات لدى هيئة تحرير الشام. إذ بحسب تقرير الشبكة السورية لحقوق الإنسان الصادر الشهر الماضي عن الانتهاكات بحق الإناث في سوريا، توجد 44 أنثى في سجون الهيئة، من أصل “ما لا يقل عن 10,556 أنثى لاتزلن قيد الاعتقال/الاحتجاز أو الاختفاء القسري، والتعذيب على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا، بينهن 8,474 على يد قوات النظام السوري، و866 على يد قوات سوريا الديمقراطية، و896 على يد المعارضة المسلحة/ الجيش الوطني، و276 أنثى منهن كان قد اعتقلهن تنظيم داعش قبل انحساره، ولايزلن قيد الاختفاء القسري”.

كذلك، فإن اختطاف الشلو لا يمثل الحادثة الأولى من نوعها بحق إعلامية في محافظة إدلب. إذ حصل الموقف ذاته مع الناشطة الإعلامية فاطمة الأسمر المقيمة حالياً بريف حلب الشمالي غير الخاضع للهيئة. 

وكانت الأسمر قد اختطفت في 2 آذار/مارس 2019، من مدينة إدلب، ليتم بعدها “اقتيادي إلى قبو تحت الأرض في مكان مجهول، إذ كنت معصوبة العينين حينها”، كما روت لـ”سوريا على طول”، “لكنني عرفت فيما بعد أنهم عناصر يتبعون للهيئة. وكانت تهمتي حينها تصوير مقار أمنية تابعة لهم من دون الحصول على تصريح منهم بذلك”.

لكن بعد مضي عدة أيام على احتجاز الأسمر والتحقيق معها، بدأت تنهال عليها تهم أخرى “كالعمل لصالح النظام والتحالف الدولي عبر تصوير مقرات الهيئة في إدلب ليتم استهدافها. علما أن المبنى الذي التقطت له صورا، بعد تعرضه لقصف من النظام السوري، كان مهجوراً وليس مقراً لهم بالأساس، لكنهم كانوا يلفقون لي التهم ليطمسوا هويتي في زنازينهم، ويلجموا لساني لأني كنت أنتقد سياساتهم على الدوام”، كما أضافت. مؤكدة أن “هيئة تحرير الشام تتبع هذا الأسلوب مع المعتقلات كافة في سجونها. فعندما تتم عملية الاعتقال تكون المعتقلة أمام تهمة واحدة، وعندما تصبح في سجونهم تنهال عليها الاتهامات”. 

وبحسب الأسمر، فإن كثرة التهم الموجهة للمعتقلة يعود إلى “إعجاب السجانين بها ورغبتهم في بقائها وقتاً أطول” في سجونهم.

غير أن “عناصر الهيئة لا يكتفون بتوجيه تهم جديدة للمعتقلة، بل يعملون على إثباتها بأدلة واهية، من خلال شهادة الشهود في المحاكم التابعة لهم، ليبرروا حجة الاعتقال أمام الناس”، كما ذكرت سمر الشامي، الأرملة والمعتقلة سابقة في سجون “تحرير الشام”.

وكانت الشامي، المقيمة في ريف إدلب، قد اعتقلت في كانون الأول/ ديسمبر 2018، “بتهمة التطاول على زعيمهم أبو محمد الجولاني، والبغي على شباب الأمة”، كما قالت لـ”سوريا على طول”، في أعقاب اشتباكات بين عناصر الهيئة ومقاتلي فصيل آخر، أدت لمقتل “أخي على الفور بعد إصابته بطلق ناري في رأسه. وهو ما جعلني أصرخ بأعلى صوتي في الشارع وعلى مسامعهم: الله لا يوفقكم، الله ينتقم منكم”.

فبعد أيام من الحادثة، داهم عناصر الهيئة منزل الشامي، كما روت، واقتادوها إلى “سجن سري في إحدى المزارع بريف إدلب”، حيث وجهوا لها تهما أخرى تمثلت في “تأييدي النظام السوري، ومحاولتي تهريب أفراد من إدلب لمناطق النظام. وهذا عار عن الصحة تماما”.

انتهاكات بلا حدود 

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان “ما لا يقل عن 32 سجناً ومركز احتجاز تابع لهيئة تحرير الشام”، بحسب ما ذكر مدير الشبكة، فضل عبد الغني، لـ”سوريا على طول”. كما “رصدنا وجود أقسام مخصصة للنساء في 11 مركزاً منها. وبعض تلك المراكز سيطرت عليها قوات النظام السوري خلال حملتها الأخيرة على ريف محافظة إدلب، ويعد سجن العقاب في مدينة حارم أسوأها”.

وتشبه “الممارسات التي تتبعها هيئة تحرير الشام إلى حد كبير سياسة النظام السوري المتبعة في منهجية الاعتقال والإخفاء القسري”، بحسب مديرة قسم الاعتقال والاختفاء القسري في الشبكة السورية لحقوق الإنسان، نور الخطيب. إذ “لا تكشف عن مصير المعتقلين لديها، كما أنها لا تخضع المعتقلين والمعتقلات لديها لأي محاكمة باستثناء المحاكمات الشكلية والسرية التي يجريها الشرعيون لديها”.

كذلك، كما أضافت الخطيب لـ”سوريا على طول”، فإنه “رغم تشكيل الهيئة لحكومة الإنقاذ التي بدورها أنشأت وزارة للعدل والقضاء في إدلب، لا تزال الهيئة تمارس الاعتقالات عبر جهازها الأمني التي يستهدف كل من يناهض سياستها من الإعلاميين والمدنيين”.

أما في سجون الهيئة، فلا يبدو من حد للانتهاكات التي يمكن ارتكابها بحق المعتقلين بمن فيهم النساء. والتي بلغت الاغتصاب في حالة الشامي. 

فقبل أن تنجو من الاعتقال بعد تدخل وساطات من فصائل أخرى، وعدا عن التعذيب والتعرية، “تم اغتصابي مرتين من السجان وأحد العناصر الذين كانوا معه”، كما كشفت. مضيفة أن “العناصر قبل أن يقدموا على اغتصاب الفتيات المعتقلات يسألونهن إن كنّ متزوجات أم لا. فإن كانت متزوجة يغتصبونها، وإن كانت بكراً يكتفون بتعذيبها”. 

أما “في حالة كانت بكراً وتعرضت للاغتصاب من قبلهم، فيتم قتلها على الفور”، كما قالت، “كي لا يتركوا أي دليل عليهم”.

أما الأسمر التي تمكنت من الهروب من السجن، وانتقلت بعدها لتعيش في ريف حلب، فروت كيف أنه منذ اليوم الأول للاعتقال “خلعوا عني ملابسي وأنا معصوبة العينين، وبدأوا برشق الماء البارد على جسدي والتحرش بأعضاء جسدي من دون الالتفات لصراخي وشتائمي لهم. وبقيت عارية مدة يومين من دون طعام أو شراب”. 

“في اليوم الثالث، قام أحد العناصر بتغطية جسدي بمنشفة بحجة أن أبو طارق -مسؤول التعذيب في السجن- لا يحبذ النظر لعورة المرأة”، كما استذكرت الأسمر. وقد “قام أبو طارق برميي على أريكة كانت موضوعة في الغرفة، وربط يداي وقدماي من الأطراف وانهال علي بالضرب. أستذكر حينها أني بقيت أصرخ وأتألم مدة ساعتين ومن ثم أغمي علي من شدة الألم”.

في اليوم الرابع، اقتيدت السيدة إلى “جهة مجهولة أخرى، عرفت فيما بعد أنها سجن إدلب المركزي الذي ليس بأفضل حالا من المكان الذي كنت فيه. فأصوات النساء اللواتي يتعرضن للتعذيب بداخله تصدح في المكان. وشعرت في تلك الأيام أني سأموت هنا، إلى أن تعرض السجن لقصف من النظام في نفس الشهر، فوجدناها فرصة ذهبية للهروب من جحيم السجن”.

وقد تواصل “سوريا على طول” مع المكتب الإعلامي التابع لهيئة تحرير الشام للحصول على رد بشأن حصول تلك الانتهاكات، لكن لم يكن هناك أي استجابة من طرف المكتب حتى لحظة نشر التقرير.

أي إمكانية للمحاسبة؟

وفقاً للمحامي السوري المقيم في تركيا حالياً، أحمد الحسين، فإن “الحالة القضائية” في مناطق سيطرة هيئة تحرير الشام تتمثل في “مجلس شيوخ أعلى يشرف على وزارة العدل في حكومة الإنقاذ التابعة للهيئة”. واستناداً لأحكام مجلس الشيوخ المبنية على الاجتهاد، “تقر القوانين من قبل وزير العدل ليتم العمل بها”. مستبعداً في الوقت نفسه تطبيق العدل في تلك المناطق “بسبب هيمنة القوى العسكرية عليها”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

أما الأسمر فاعتبرت أن محاسبة الجناة في مراكز الاعتقال التابعة للهيئة “أمر مستحيل في ظل سيطرة الهيئة، لأن القضاة لا يحكمون بشرع الله، وإنما بحسب مقتضيات القضية”. موضحة استناداً إلى تجربة صديقة لها كما قالت: “إن اشتكت المعتقلة حالة الاغتصاب، وكان للجاني صلة قرابة بالقاضي أو له معارف مقربة من القاضي، فيمكن للأخير تبرئته من دون النظر لأمر الضحية”، بل “ويحتفظون بها لسنوات من دون الإفراج عنها أو حتى محاكمتها، وهذا ما حصل مع صديقتي التي ما تزال محتجزة لديهم”.

لذلك، طالبت الشامي، بدورها، أن تشمل المحاسبة الدولية للمسؤولين عن الانتهاكات في سوريا هيئة تحرير الشام كما النظام. إذ إن “النظام السوري قصف مدينتي وهجّر أهلي وأقاربي، لكن عناصر الهيئة اغتصبوني وتركوا ندوبا في جسدي أيضاً، وآلاما ما تزال ترافقني حتى الآن، بسبب التعذيب الذي سبب لي تمزقاً في الأربطة والتهابات”.

وفيما اعتبر عبد الغني أن “محاسبة هيئة تحرير الشام قضائياً في الوقت الحالي أمر غير محقق”، فإنه أكد السعى إلى “أن تكون هناك محاسبة عادلة تبدأ من إنشاء محاكم خاصة لمحاسبة مرتكبي الانتهاكات التي حصلت في سوريا، مثل التعذيب والإختفاء القسري”. مضيفاً أن وجود حكومة ديمقراطية مستقبلاً في سوريا، “تلاحق مرتكبي الانتهاكات، وهيئة تحرير الشام على رأسها”، سيجعل “من الممكن محاكمتهم محليا وفضح انتهاكاتهم”. 

* تم إخفاء هوية الناجيات من سجون هيئة تحرير الشام، بما في ذلك استبدال أسمائهن الحقيقية بأخرى مستعارة، حرصاً على سلامتهن.

*أنجز هذا التقرير ضمن مشروع “تعزيز ترسيخ النوع الاجتماعي” الذي ينفذه “سوريا على طول” بدعم من الصندوق الكندي للمبادرات المحلية، من خلال السفارة الكندية في عمان.

آخر التقارير…