مدة القراءة: 6 دقائق |

“لافارج” الفرنسية تواجه تهماً بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية: هل كُسرت سلسلة إفلات الشركات الكبرى من العقاب؟


مايو 30, 2022

بيروت- في 18 أيار/ مايو الحالي، أكدت محكمة الاستئناف في باريس لائحة الاتهامات الموجهة إلى شركة “لافارج” لصناعة الإسمنت، وهي شركة فرنسية متعددة الجنسيات، بتهمة التواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، وهي المرة الأولى عالمياً التي توجه مثل هذه التهم لشركة بصفتها كيان قانوني، ما يعني كسر سلسلة الإفلات من العقاب التي كانت تتمتع بها تلك الشركات لتجاوز الصراع السوري.

بين عامي 2012 و2014، تواردت الأنباء عن دفع “لافارج” الفرنسية 13 مليون يورو للجماعات المسلحة في سوريا، بما في ذلك تنظيم “داعش”، حتى لا يتوقف مصنعها في منطقة الجلابية، شمال شرق سوريا عن العمل، ووجهت اتهامات إلى الشركة بشراء مواد خام من الجماعات المسلحة ودفع رشى لعناصر التنظيم مقابل عبور عمالها السوريين عبر نقاط التفتيش، ولم تعلن “لافارج” عن خروجها من سوريا إلا مع استيلاء “داعش” على المصنع في أيلول/ سبتمبر 2014.

رُفِعت الدعوى ضد “لافارج” في عام 2016، لكنها أُرجئت مراراً بطلبات الاستئناف المتعددة وعمليات التحقيق المطوّلة في الاتهامات الموجهة للشركة -التي اندمجت مؤخراً مع شركة سويسرية- بانتهاك الحظر وتمويل الإرهاب وتعريض حياة موظفيها للخطر عمداً.

المهندس محمد، واحد من موظفي “لافارج” في سوريا، وعمل في الفترة بين عامي 2011 و2012، وهو واحد من أصل أحد عشر مدّعياً شاركوا برفع الدعوى مع منظمة شيربا المعنية بمكافحة الجرائم الاقتصادية والمركز الأوروبي للدستور وحقوق الإنسان (ECCHR).

في تلك السنوات، أصبح الخطف من قبل الجماعات المسلحة والضربات الجوية للنظام السوري عرفاً سائداً في منبج، التي كانت آنذاك تحت سيطرة مجموعات غير حكومية، وكان هناك خطة للشركة الفرنسية “لإجلاء الكوادر الأجنبية والمغتربين”، كما قال محمد لـ”سوريا على طول”، وعندما سأل المهندس، الذي ينحدر من دمشق، المسؤول الأمني في “لافارج” عن مصير السوريين، “أجاب: ليس هناك أي خطة لإجلاء السوريين”.

كان محمد على رأس عمله في “لافارج”، عام 2012، حين اختطفت مجموعة مسلحة مديراً في المصنع، و”طلبوا فدية، لكن لافارج امتنعت عن الدفع، لذا بقي مختطفاً لمدة شهر إلى أن جمعت عائلته المال”، بحسب محمد، مستذكراً حادثة أخرى لعامل كان في طريقه من حلب إلى موقع الشركة “اختفى عند عبوره حاجز للنظام، ولم يكترثوا في لافارج”.

في عام 2012، أخرج محمد عائلته إلى تركيا، ومن ثم عاد إلى منبج ليتابع عمله في المصنع، وبعد خمسة أيام “تعرضت المدرسة المجاورة لمنزلي لغارة جوية مصدرها النظام السوري… كنت على وشك أن أموت”. 

وفي اليوم التالي، أخبر محمد مديرَه بشأن القصف، فجاء الرد: “ماذا تريدني أن أفعل لك؟”، وعليه قرر محمد مغادرة البلاد واللحاق بعائلته في تركيا.

انتقل محمد للعيش في ألمانيا، وعندما سمع بالمبادرة الرامية إلى رفع شكوى ضد لافارج، استبشر خيراً، وصار متيقناً “أن الحقيقة ستسود في النهاية”، قال محمد، متأملاً “أن يتم النظر في القضية ويُحاسب أولئك المسؤولون في لافارج أمام العالم”، ومن أجل ذلك شارك في رفع القضية.

بدأت مرحلة التحقيق بالدعوى منذ خمسة سنوات، وقد تستغرق شهوراً أو حتى سنوات قبل بدء المحاكمة، لكن إن خسرت “لافارج” الدعوى، ربما تصل العقوبات إلى حد “حل الشركة أو منعها من مواصلة أية نشاطات تجارية”، كما قالت كلير تيكسير، مستشارة قانونية كبيرة في المركز الأوروبي للدستور وحقوق الإنسان، لـ”سوريا على طول”، أما على صعيد الأفراد، فإن أي حكم بالسجن سيكون حيزاً قانونياً لا خارطة له كونه سيناريو غير مسبوق. 

وأشارت تيكسير إلى أن المدّعين مثل محمد يمكن أن يكونوا مؤهلين للحصول على تعويضات اقتصادية “في حال أدينت لافارج بتعريض حياة موظفيها للخطر عمداً”.


لماذا تعدّ القضية إنجازاً مهماً؟

لأول مرة في قضية “لافارج”، توجه تهمة التواطؤ بجرائم ضد الإنسانية إلى الشركة نفسها بصفتها كيان قانوني، وليس إلى مدرائها.

وذكرت المحكمة الفرنسية أن “وجود أغراض تجارية للشركة لا تبرئها من التواطؤ في الجرائم”، بحسب ما أوضحت آنّا كيفر، مسؤولة في قسم المناصرة والتقاضي في منظمة شيربا لـ”سوريا على طول”. هذا يعني أن “لافارج” ما تزال عرضة للمساءلة، حتى لو أنها لم تقصد دعم تنظيم “داعش” بدفع المال الذي انتهى بأيدي عناصره.

وفي هذا “نجاح على صعيد المساءلة القانونية للشركات”، بحسب كيفر، لأنه “يُصعِّب على الشركات الكبرى الاختباء وراء أنشطتها التجارية تملصاً من المسؤولية، ولا يمكنها إغفال منظور حقوق الإنسان تحت ستار تحقيق الربح أو مزاولة نشاط محايد”.

وبدورها، قالت تيكسير “في هذه القضية رسالة إلى كل الشركات بأنّ عليها إجراء تقييم واضح عن مدى احتمالية إسهامها بانتهاك حقوق الإنسان لأنه قد يترتب على ذلك عواقب قانونية”.

وذكرت تيكسير أنّ الحكم الفرنسي الصادر عن محكمة باريس هو إنجازٌ مهمٌ لأنّ الشركة الأم “لافارج” تُساءل عن جرائم “حدثت خارج البلاد من خلال شركة تابعة لها”، واستناداً إلى الأدلة تبين أنّ “الشركة الأم اتخذت العديد من القرارات ذات الصلة بأمن موظفيها السوريين وتحويل الأموال إلى الجماعات المسلحة، وترى المحاكم الفرنسية أن الشركة الأم تتحمل المسؤولية”، وفق تيكسير. 

“كثيراً ما تختبئ الشركات متعددة الجنسيات خلف هيكليتها المعقدة، وتدّعي أن الشركة الفرعية هي من تتحمل مسؤولية موظفيها”، بحسب تيكسير، لذلك قد تعطي القضية زخماً متجدداً للجهود الرامية إلى مساءلة الشركات في جميع أنحاء العالم.

وأضافت تيكسير “إنه لأمرٌ جوهري ألا يُكتفى بالتحقيق مع القادة السياسيين والعسكريين فحسب، وإنما الجهات الاقتصادية الفاعلة أيضاً، بما في ذلك الجهات الاقتصادية الأوروبية الفاعلة”، مقتبسةً عن حكم المحكمة الفرنسية العليا، الصادر في أيلول/ سبتمبر “إن مضاعفات الممارسات القائمة على التواطؤ هي التي تُحدِث جرائم ضد الإنسانية”.

من جهته، رحبَّ الكاتب السياسي السوري والمحامي المقيم في فرنسا، زيد العظم، بما أفضت إليه قضية لافارج، معرباً عن أمله في أن تشكل هذه القضية “بداية إدانة الشركات الأخرى المتورطة في إراقة الدم السوري”.

وأشار العظم إلى وجود قضية أخرى، أحيلت إلى المدعي العام الفرنسي مؤخراً، ضد رجل أعمال “بتهمة تزويد النظام بالمواد الكيميائية”.

مساعي المساءلة الفرنسية

قضية “لافارج” هي واحدة من ثلاث وعشرين قضية جارية حالياً في الدول الأوروبية، ضد أفراد على صلة بالحكومة السورية أو القوات المسلحة غير الحكومية، من خلال مبدأ الولاية القضائية العالمية، وهو مبدأ قانوني يخول السلطات ممارسة نفوذها القضائي لمحاكمة شخص متهم بارتكاب جرائم دولية بصرف النظر عن جنسيته أو مكان ارتكاب الجريمة. وبموجب هذا المبدأ أدانت محكمة كوبلنز الألمانية، في شباط/ فبراير الماضي، مسؤول مخابرات سوري سابق رفيع المستوى بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. 

بالمقارنة مع ألمانيا، تنهج فرنسا نهجاً محدوداً حيال الولاية القضائية العالمية، ففي قضية إسلام علوش، القيادي السابق في جيش الإسلام، خلصت محكمة النقض، في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، إلى أن فرنسا ليس لها ولاية قضائية على الجرائم ضد الإنسانية المرتكبة في سوريا، نظراً إلى أن هذه الجرائم غير مُقننة بموجب القانون السوري. لكن ما لبثت أن ألغت محكمة الاستئناف في باريس هذا القرار، في نيسان/ أبريل الماضي.

في كانون الثاني/ يناير الماضي، وقعت السلطات الفرنسية اتفاقية تعاون مع الآلية الدولية المحايدة والمستقلة المعنية بسوريا (IIIM)، وهي آلية تابعة للأمم المتحدة، تهدف للمساعدة في التحقيق مع مرتكبي الجرائم الدولية في سوريا وملاحقتهم قضائياً، وهو ما يراه المحامي العظم تطوراً إيجابياً.

لكن في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي، أفلت رفعت الأسعد، عمّ بشار الأسد، الذي عاش في منفاه بفرنسا لعقود، من المساءلة. وأدين الملقب بـ “جزار حماة” نسبةً للفظائع الكبيرة التي ارتكبها في مذبحة حماة عام 1982، بجرائم مالية من قبل محكمة فرنسية، وحكم عليه بالسجن لمدة أربع سنوات، إلا أنه تملص من الاعتقال بالعودة إلى سوريا. 

“صدمنا بهروبه”، قال العظم، مستأنفاً “تسعى فرنسا إلى وضع حد للإفلات من العقاب، ولكن من الناحية العملية، هناك الكثير من إشارات الاستفهام”.

من العراق إلى كولومبيا: خمسة أمثلة على “مساءلة الشركات” في الصراعات

  1. لا توجد سابقة قانونية بخصوص إدانة شركة متورطة بالتواطؤ في جرائم ضد الإنسانية، إذ على مر التاريخ، ظلت معظم الشركات التي تورطت في الصراعات بمنأى عن العقاب، إلا أنّ هناك بعض الاستثناءات، من قبيل:
  2. بعد الحرب العالمية الثانية، حُكم على برونو تيش مالك شركة “تيش وستيبنو” وكارل فينباخر، مديرها التنفيذي، بالإعدام لمساعدتهما وتحريضهما على القتل من خلال تزويدهما النظام النازي بمبيد الحشرات زيكلون ب، مع علمهما أنه كان يستخدم في غرف الغاز. وأدين في محاكمات نورمبرغ، ثلاثة مسؤولين من شركات فليك كونسيرن بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تتمثل في التورط بعمالة العبيد ونهب الممتلكات العامة والخاصة.
  3. في عام 2007، حكمت محكمة هولندية على فرانس فان أنرات، وهو كيميائي ورجل أعمال هولندي، بالسجن لمدة 17 عاماً بتهمة التواطؤ في جرائم حرب، لتزويده حكومة صدام حسين بالمواد الكيميائية اللازمة لتصنيع غاز الخردل، الذي استخدم لاحقاً في قتل مواطنين أكراد شمال العراق في أواخر الثمانينيات.
  4. في عام 2007، أقرَّت شركة تشيكيتا الأمريكية لتجارة الموز بجرمها في تمويل قوات الدفاع الذاتي المتحدة في كولومبيا، وهي جماعة شبه عسكرية يمينية وتعرف بجرائم القتل الوحشي العلني. بين عامي 1997 و2005، دفعت تشيكيتا 1.7 مليون دولار لهذه الميليشيا مقابل حماية أعمالها في كولومبيا.
  5. في عام 2014، رفع عمال مناجم إريتريون دعوى قضائية ضد شركة نيفسون الكندية، على خلفية ارتكاب شركة تابعة لها جرائم ضد الإنسانية وممارسة الاستعباد والتعذيب، أثناء بناء منجم في إريتريا. في تسوية جرت بين الشركة والمدّعين الإريتريين، في عام 2020، تبيّن أن الشركة أجبرتهم على العمل قسراً.
  6. في عام 2018، اتُهِم مُديران تنفيذيان في شركة لوندين للطاقة السويدية، بالمساعدة والتحريض على جرائم الحرب وجرائم ضد الإنسانية ارتكبت في السودان بين عامي 1997 و2003. وما تزال المحاكمة مستمرة.

 

تم نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية وترجمته إلى العربية سلام الأمين