مدة القراءة: 7 دقائق | تقارير, ثقافة ومجتمع, سياسة, شتات ومهجر

للسنة التاسعة على التوالي: مخيمات اللاجئين السوريين في عرسال ضحية لفيضانات الشتاء


ديسمبر 10, 2020

بعلبك-الهرمل- على مدى السنوات السبع الماضية، كانت فاطمة عباس حمد، ذات الثلاثة والخمسين عاماً، تقيم وعائلتها بمنزل في بلدة عرسال بمحافظة بعلبك الهرمل شمال لبنان. لكن مع عدم القدرة على تأمين إيجار المنزل البالغ 270,000 ليرة لبنانية (أو ما يعادل 180 دولاراً بسعر الصرف الرسمي، و33 دولاراً بسعر السوق الموازي)، فقد توجب على فاطمة وزوجها وأطفالهما الستة الانتقال إلى أحد المخيمات العشوائية في المحافظة، ليكون الشتاء الحالي هو الأول الذي يمضونه في خيمة منذ وصولهم إلى لبنان. 

ومن بين 879,529 لاجئ سوري مسجلين لدى مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في لبنان، يقيم 340,000 لاجئ في بعلبك-الهرمل، نصفهم يقطنون في مأوى مؤقت، وما نسبته 78% منهم يعيشون بدخل يقل عما يُعرف بـ”سلة الحد الأدنى للإنفاق” (للبقاء على قيد الحياة). 

في صباح يوم بارد في تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، وفيما تطهو الفاصولياء، بينما يغفو طفلها في غرفة صُمِّمت على نمط مكتبة مرتبة بدقة، تعبر فاطمة عن قلقها من الرطوبة في خيمة مضى على وجودها فيها أسبوعاً واحداً، ويبلغ إيجارها الشهري 70,000 ليرة لبنانية. وكان المجلس النرويجي للاجئين تكفل بتكاليف المواد اللازمة لبناء الخيمة التي ترتفع عن الأرض بمقدار بضع درجات، علّ ذلك يقي العائلة الفيضانات التي تضرب المنطقة في كل فصل شتاء.

 فاطمة عباس حمد تقف أمام خيمتها في بلدة عرسال، 3/ 12/ 2020 (سوريا على طول)

إذ من المتوقع أن تطال فيضانات هذا العام 86% من المخيمات، كما ستواجه 74% من العائلات نقصاً حاداً في مواد التدفئة، إضافة إلى معاناة 66% منها مشاكل في الصرف الصحي، بحسب دراسة حديثة أجراها مركز وصول لحقوق الإنسان.

ويتكون أساس جدران خيمة فاطمة من مجموعة طوب وأحجار وضعت فوق بعضها بعضاً، فيما يتكون الباقي من مواد بلاستيكية وخشبية بالكاد تقيها العواصف الثلجية ودرجات الحرارة المنخفضة إلى حد التجمد، والتي من الطبيعي أن تعرفها هذه المنطقة المرتفعة 1,500 متر عن سطح البحر. 

وبموجب قرار  المجلس الأعلى للدفاع في لبنان، العام 2019، من غير المسموح ارتفاع جزء الطوب في الخيمة عن متر واحد. الأمر الذي أجبر 5,682 عائلة سورية لاجئة (25,000 شخص) على هدم الجدران التي تتجاوز ارتفاعها ذاك الحد. من هؤلاء محمد الحسيكي، اللاجئ من حمص، والبالغ من العمر 41 عاماً. إذ “أخذت المطرقة، وهدمت الجدران فوراً”، كما قال، إضافة إلى اضطراره إلى تغيير سقف الزنك. 

ورغم تغليف خيمة عائلة الحسيكي من داخلها بمواد عزل، فإن “الشتاء هنا قاسٍ جداً، وبرده قارس، وليس لدينا ما يكفي من المازوت”، كما يصف الأب لستة أطفال، والذي يعمل في سوبر ماركت مقابل 15,000 ليرة لبنانية يومياً. مستدركاً: :لكننا باقون، فليس بإمكاننا فعل أي شيء آخر”. 

محمد الحسيكي وزوجته وطفلهما يقفون على باب خيمتهم، 3/ 12/ 2020 (سوريا على طول)

وتتكفل منظمة محلية غير حكومية حالياً بدفع إيجار 19 خيمة في المخيم العشوائي الذي يقطنه الحسيكي. كما بنت منظمة غير حكومية، العام الماضي، سياجاً وفرشت الحصى وأقامت مجموعة من “التلال” درءاً  للفيضانات عن المخيم. لكن ذلك لم يجد في حالة الحسيكي الذي اجتاحت مياه الأمطار خيمته العام الماضي، متوقعاً تكرار الأمر ذاته هذا الشتاء.

شتاء قاس في خضم كارثة اقتصادية

بحلول العام 2021، من المتوقع أن يعاني الفقر أكثر من نصف سكان لبنان التي فقدت عملتها الوطنية 80% من قيمتها، وبلغ معدل التضخم فيه على مدى 12 شهراً، 120% في آب/ أغسطس الماضي. وبحسب أرقام البنك الدولي والأمم المتحدة، فإن 73% من العائلات السورية اللاجئة خفضت استهلاكها الغذائي في إطار مسعاها التكيف مع الأزمة الاقتصادية. 

وفي كل سنة، تنفذ مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين “خطة مساعدة شتوية” قوامها توزيع بطانيات حرارية، وإصلاح أماكن السكن، لتخفيف وطأة الأحوال الجوية القاسية على اللاجئين السوريين. وفي الشتاء الماضي، استهدفت المفوضية بخطتها 860,620 لاجئاً سورياً بميزانية قدرها 74.3 مليون دولار. أما في هذا الشتاء، فقد ازداد عدد السوريين الذين يحتاجون المساعدة كونهم عرضة للخطر إلى 1.1 مليون شخص، فيما تقلصت الميزانية المتاحة إلى 54.3 مليون دولار. وتبلغ قيمة “المساعدة النقدية الشتوية” 173,000 ليرة لبنانية شهريا لكل أسرة (21 دولار بسعر السوق الموازي).

ومع ازدياد أعداد اللاجئين السوريين العاجزين عن دفع إيجار منازلهم، انتقل عدد منهم، كما فاطمة، إلى المخيمات. بينما ارتأى أخرون، مثل محمود علي سوادي، الانتقال إلى مبان “غير صالحة للسكن”. 

فقبل سنة ونصف السنة، تواصل سوادي، 53 عاماً والقادم من ريف حمص، بمالك لبناني لمبنى ما يزال قيد الإنشاء. وقد وافق الأخير على السماح له وعائلته بالإقامة في الطابق الثاني من المبنى من دون دفع أي إيجار لمدة عام.

تالياً، تولى المجلس النرويجي للاجئين تغطية تكاليف تحسين المنزل، من قبيل تركيب أبواب ونوافذ ومغاسل ومراحيض. كما استلمت العائلة مساعدة شتوية لشراء المازوت، لكنها لا تكفي، كما قالوا، في درجات حرارة دون الصفر، بحيث تتجمد المياه داخل الأنابيب وتسد الصنابير. ويعاني محمود وزوجته من حساسية تنفسية تفاقمها الرطوبة المرتفعة داخل المنزل. رغم ذلك، يظل سيناريو العودة إلى سوريا مستبعداً، إذ إن “الذهاب إلى سوريا بالنسبة لنا يعني الذهاب إلى الموت”، بحسب قوله. 

محمود علي سوادي يسير في منزله ببلدة عرسال بعد إدخال تحسينات عليه، 3/ 12/ 2020 (سوريا على طول)

ومنزل سوادي هو واحد من 125 منزلاً كانت لا تتوافر على الحد الأدنى للسكن فيها، وأعاد المجلس النرويجي للاجئين تأهيلها. وكما أوضح مدير مشروع المأوى والاستجابة للطوارئ في المجلس، رودني شمعون: “نحاول توفير الحد الأدنى من المتطلبات الأساسية؛ صقل لجدران وطلاؤها، وتركيب مغاسل وخزانات للمياه ومراحيض. وبعد هذا الاستثمار، يتعين على المُلاك تقديم المنازل للعائلات [اللاجئة] من دون مقابل لمدة اثني عشر شهراً”. 

كذلك، فإن أسعار “جميع مواد [البناء] أصبحت أعلى جراء الأزمة الاقتصادية وانهيار قيمة العملة”، وفق ما لفتت مستشارة المناصرة في المجلس النرويجي للاجئين بلبنان، إلينا ديكوميتيس، في وقت صارت “شبكات التضامن التي كانت موجودة سابقاُ والتي طالما كانت تدعم الأكثر احتياجاً تتحمل الآن أكثر من طاقتها فعلياً”.

شبكات التضامن تلك هي من أنقذ نبيلة ادريس مطر، اللاجئة من مدينة القصير، وأطفالها الستة من أن يمضوا شتاءهم التاسع في خيمةٍ تجتاحها أمطار الشتاء. إذ إن “الأحوال الجوية في المخيم لا تناسب الأطفال. وحينما أُغلِقت الطرق [جراء عاصفة ثلجية]، أمضينا أكثر من يومين بدون ماء”، كما استذكرت. لكن في هذا الشتاء، ستغفو مطر وأطفالها في منزل على قمة تلة تُحيط بها النباتات العطرية الفواحة. ويعود الفضل في ذلك إلى أخيها الذي انتقل إلى مبنى ما يزال قيد الإنشاء ومنحها غرفة فيه. 

وكان الأخ يدفع 400,000 ليرة لبنانية إيجاراً شهرياً إلى أن تدخل المجلس النرويجي للاجئين وتكفل بتكاليف تركيب أبواب ونوافذ، مقابل موافقة المالك على تقديم المنزل من دون إيجار لمدة عام. وعدا عن أن منزل نبيلة في سوريا مدمر، فإنها لا تعتزم العودة إليه بأي حال.

معاناة سنوية 

نظراً إلى البنية التحتية الهشة في لبنان، فإن الأمطار الغزيرة غالباً ما تتحول إلى فيضانات. وفي حالة عرسال، تعقد الطبيعة الجغرافية الصخرية للمنطقة استراتيجيات مواجهة الفيضانات. مع ذلك، فإن الظروف المروِّعة التي يقاسيها اللاجئون السوريون في المخيمات ليست ناجمة عن الكوارث الطبيعية، بل هي نتاج سياسات. إذ تجنباً لسيناريو استقرار آلاف اللاجئين السوريين في لبنان، اعتمدت الحكومة هناك سياسة “رفض وجود مخيم لاجئين رسمي وخاضع للتنظيم”، عبر جعل ظروف الحياة صعبة على هؤلاء. 

وعلى سبيل المثال، تتجلى إحدى نتائج هذه السياسة في منع مواد البناء الدائم في المخيمات العشوائية، ما يفرض “تحديات تعرقل تحسين الأماكن التي تضم مخيمات عشوائية غير الرسمية بشكل مستدام”، وفق ديكوميتيس. ولذلك، حينما عرضت بعض المؤسسات فكرة تجريبية لرفع أرضية الخيم في المناطق المعرّضة للفيضانات، اعتبر المشروع غير قابل للتنفيذ لأنه يتطلب مواد بناء تحظر الحكومة اللبنانية استخدامها في المخيمات.  

وحدّد المجلس النرويجي للاجئين 37 موقعاً في عرسال تتعرض للفيضانات على الدوام، من الممكن تنفيذ استراتيجيات لمواجهة الفيضانات في اثني عشر موقعاً منها، فيما يتمثل الحل بالنسبة للمواقع الخمسة والعشرين المتبقية في نقلها إلى مكان آخر. لكن “لسوء الحظ، فإن نقل الخيم في لبنان نادراً ما يكون خياراً متاحاً. فالمواقع البديلة محدودة ويتم تقليصها باستمرار، كما تتطلب موافقة من عدة جهات”، بحسب شمعون.

وحتى في المواقع القابلة لتنفيذ استراتيجيات مواجهة الفيضانات فيها، يواجه المجلس النرويجي للاجئين أحياناً عقبات من قبيل رفض المُلّاك وعداء الجيران. وقد وثق مركز وصول لحقوق الإنسان حالات اعتبر فيها بعض اللبنانيين أي خطة لتحسين مخيم خطوة قد “تؤدي إلى توطين اللاجئين في المنطقة”، الأمر الذي من شأنه تصعيد التوتر، كما أوضحت مديرة البرامج في المركز، ليان الداني.

ويبقى التمويل عقبة أخرى. فتحسين موقع خيمة على نحو أكثر استدامة قد يتطلب نحو 30 ألف دولار، مع بقاء الحاجة إلى متابعة دورية، من قببل أعمال الصيانة والاستعداد لفصل الشتاء، وهي الأمور التي يحجم المانحون عن تمويلها. وفيما يعاني قطاع الإيواء في لبنان تاريخياً من نقص التمويل، كما ذكرت ديكوميتيس، فإن “التمويل الحالي لا يغطي سوى 17٪ من الاحتياجات المحددة سابقاَ في مجتمعات اللاجئين في لبنان”.

هكذا، وللشتاء التاسع على التوالي، سيرى اللاجئون السوريون بشكل شبه مؤكد الفيضانات تجتاح خيمهم.

*تم إنجاز هذا التقرير ضمن مشروع “تعزيز ترسيخ النوع الاجتماعي” الذي ينفذه “سوريا على طول” بدعم من الصندوق الكندي للمبادرات المحلية، من خلال السفارة الكندية في عمان.

نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.

آخر التقارير…