مدة القراءة: 7 دقائق | تقارير, درعا, سياسة

لماذا يبسط جيش خالد بن الوليد المبايع لتنظيم الدولة في حوض اليرموك سيطرته بهدوء ودون مقاومة؟!


أكتوبر 1, 2017

في بلدة نوى الزراعية الهادئة، على بعد 30 كم شمال غرب مركز محافظة درعا التي سُوّيَ نصفها أرضاً، يعيش فؤاد ذو الخامسة وعشرين عاماً وحيداً.

وكان قد نزح إلى نوى في الشهر الماضي من منزله في تسيل، بلدة في ريف درعا الجنوبي الغربي يسيطر عليها فصيل مبايع لتنظيم الدولة، ولم يعثر فؤاد إلى الآن على عمل في نوى المجاورة، وبالكاد يملك ما يكفي ليغطي نفقات الغرفة المتواضعة التي استأجرها، ولا يزال والداه المسنان يعيشان في تسيل بمفردهما.  

وبالنسبة لفؤاد، فأن تكون مهجوراً منسياً في نوى أفضل بكثير من أن تتجرع بطش جيش خالد بن الوليد المبايع لتنظيم الدولة في تسيل، والتي سيطر عليها الجيش في شباط، حين بسط رقعة نفوذه في ريف درعا الجنوبي الغربي عبر هجوم مباغت.

ويأتي هذا التقدم الذي حققه جيش الوليد بعد مرور سنة تقريباً على تأسيسه في أيار 2016، وفي ذلك الوقت اندمج لواء شهداء اليرموك “المحلي” المبايع لتنظيم الدولة مع حلفاء لهم نفس منهجيته الفكرية، وبذلك أصبح نحو 200 كيلومتر مربع من أراضي حوض اليرموك في الزاوية الجنوبية الغربية لسوريا تحت سيطرة التشكيل الجديد، الذي أطلق عليه اسم “جيش خالد بن الوليد” ويحمل الجيش شعوراً متأصلاً بالانتماء المحلي، إذ تم سحب مقاتليه من البلدات والقرى المنتشرة في حوض اليرموك.

وخاطر فؤاد بالهرب من بلدته في تسيل الواقعة في حوض اليرموك في الشهر الماضي، بعد أن اعتُقل وعُذب مرتين على يد سلطات جيش الوليد منذ شباط، في المرة الأولى احتجزه جيش الوليد لأربعين يوماً عقاباً على عمله لدى جهة مناهضة للتنظيم، والذي كانت تديره المعارضة، وقال فؤاد “تم ربط قدماي للأعلى ورأسي للأسفل وأنا معصوب العينين وبدؤوا بضربي بالعصي”.

وفي المرة الثانية، وبعد مداهمة مباغتة لمنزله تعرض لضرب بكبل كهرباء بعنف شديد لدرجة إصابته بتضرر كلوي إثر ذلك بحسب تشخيص طبيب في نوى لاحقاً.

يذكر أن نوى هي أكبر بلدات ريف درعا الغربي المحرر. ولهذا تسيطر الجبهة الجنوبية هناك، وهي مجموعة من الفصائل التابعة للجيش السوري الحر..

شرطة الحسبة يحرقون أجهزة استقبال التلفزيونية في بلدة نافعة الأسبوع الماضي. تم مشاركة الصورة على الفيسبوك.

وقال فؤاد لسوريا على طول من شقته الصغيرة في نوى والتي يدفع أخوه الذي يعمل في السعودية إيجارها حالياً “هنا تشعر باﻷمن وحرية الحركة والحرية بشكل عام”، ولجأ فؤاد إلى استخدام اسماً وهمياً خشية على أهله الذين لا يزالون في تسيل.

وبعد إطلاق سراحه من سجون جيش الوليد، أضمر فؤاد نية الهرب، وانتظر شهوراً لتجنب إثارة شكوك سلطات “بن الوليد” حوله والذين يحرصون على منع تواطؤ الخارجين عن أمرهم مع قوات الجبهة الجنوبية. وأخيراً وفي شهر آب، طلب فؤاد من سلطات الجيش إذناً بالخروج إلى تسيل من أجل زيارة لأقربائه في الأراضي المجاورة، الواقعة تحت سيطرة المعارضة، ورغم أنه نادراً ما يمنح الشباب إذناً بالمغادرة، إلا أنه تم السماح لفؤاد بالخروج من الحاجز الوحيد الذي يفضي من أراضي جيش الوليد إلى خارجها.

ولكن لا يمكن لفؤاد العودة إلى بلدته خشية الانتقام منه، “حرمت من البقاء في مسقط رأسي بين أفراد عائلتي نتيجة ممارسات التنظيم”، وفق ما قال فؤاد، مشيراً إلى جيش الوليد، كما يسميه العديد من أهالي البلد، نسبة إلى التنظيم الذي ينتمي إليه.

وليست قصة فؤاد فريدة أو استثنائية من نوعها ولا حتى مثالاً على أسوأ ما تم خلال سيطرة جيش بن الوليد على أهالي حوض اليرموك، ففي شهر كانون الأول الماضي، تم إعدام 20مدنياً بقطع رؤوسهم بالسيف أمام الملأ بتهمة السحر وغيرها مما يعتبر “انتهاكاً للقانون الإسلامي”، وفق ماقالأحد أهالي حوض اليرموك لسوريا على طول.

وانتشرت في هذا الأسبوع صوراً على الانترنت لشرطة الحسبة التابعة لجيش الوليد وهم يحرقون أكواماً من الآلات الموسيقية المصادرة وأجهزة الاستقبال التلفزيونية وأقراص تشغيل DVDو.CD

ولكن وبالرغم من انتهاكات الجيش التي لا حصر لها لحقوق الإنسان، إلا أنه لا يقوم بعملياته عموماً دون أي مقاومة تذكر على الأرض من الفصائل الثورية، وهذا ما يجعله يستمر في بطشه وترهيبه لآلاف المدنيين باسم التأويل الدموي للقانون الإسلامي.

وربما يبدو عدم اتخاذ أي إجراء ضد جيش الوليد أمراً مفاجئاً، نظراً إلى موقعه الجغرافي الحساس، فهو يحد الأردن وهضاب الجولان التي تحتلها اسرائيل. ويحيط به خصومه من ثوار الجبهة الجنوبية التي يدعمها الغرب من جميع الاتجاهات.

وقد تم التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق نار ناجح نسبياً برعاية روسيا وأمريكيا في جنوب سوريا ولا يزال قيد التنفيذ الآن، ولم يدخل جيش بن الوليد في وقف اطلاق النار، الذى يقترب حالياً من شهره الرابع، ولا يشمله الاتفاق. وتثيرحالة الهدوءفي هذه الجبهة الراكدة سؤالاً رئيسياً: لماذا لا توجه قوات الجبهة الجنوبية محور اهتمامها نحو إقصاء جيش الوليد.

الجبهة الجنوبية: “النظام هو الأولوية”

و تحظى منطقة حوض اليرموك التي يتخذ منها جيش الوليد معقلاً له بأهمية استراتيجية، تتمثل بموقعها على الحدود السورية الأردنية، وغناها بالثروة المائية التي تضمها التي تعتبر من أهم خزانات المياه الجوفية، وفق ما قال العميد إبراهيم الجباوي، مدير الهيئة السورية للإعلام، موقع إعلامي تابع للمعارضة. 

ومن ناحية التضاريس الجغرافية، تتألف أراضي جيش الوليد في حوض اليرموك بالريف الجنوبي الغربي لدرعا من عدة سهول ويشقها واديين عميقين مما يجعل اجتياح الفصائل المنافسة للمنطقة صعباً.

سكان حوض اليرموك يهربون إلى مناطق شرقي درعا الخاضعة لسيطرة المعارضة، ٦ آذار. تصوير مؤسسة نبأ الإعلامية.

وقال كريس كوزاك، محلل وباحث في ​​معهد دراسات الحرب الأمريكي، ومقره واشنطن، لسوريا على طول، أن “الجغرافيا البشرية” لجيش خالد بن الوليد هي على ذات القدر من الأهمية، وعلى عكس مناطق شرقي سوريا، حيث تتشكل صفوف تنظيم الدولة جزئيا من مقاتلين أجانب يتدفقون من العالم العربي وأوروبا وآسيا، فإن مقاتلي جيش خالد بن الوليد هم سكان محليون ذوي روابط قبلية عميقة في المنطقة.

ويضيف كوزاك “إن طرد [هؤلاء المقاتلين] من مسقط رأسهم أمر صعب للغاية”.

وقتلت مجموعة من الضربات الجوية، منذ حزيران، عددا من كبار القادة في جيش خالد ضمن حوض اليرموك. ولكن إذا كان الهدف هو القضاء على الميليشيات، فإن الآلاف من المقاتلين المحليين لا يزالون يعملون على أرض اليوم.

يقول سكوت لوكاس، مؤسس مدونة EA Worldview المعنية بالشرق الأوسط، وأستاذ السياسة الدولية في جامعة برمنغهام “لن أقارن [مقاتلي جيش خالد] بالهيدرا، إذا قطعت جزءا منها، يظهر جزء جديد، إلا أنه في هذه المرحلة، لا يزال بإمكان جيش خالد أن يملأ صفوفه حتى لو قتل بعض قادته”.

والنتيجة هي أن الجبهة الجنوبية غير قادرة، بسبب الموارد غير المتكافئة، وغير راغبة، بسبب شبكة معقدة من الروابط العائلية، على شن أي هجوم لإخراج جيش خالد من معقله في حوض اليرموك.

إلى ذلك، يقول نادر دبو المتحدث باسم مجلس نوى العسكري التابع للمعارضة، لسوريا على طول، إن القرى والبلدات الواقعة غربي درعا تشهد اليوم اشتباكات خفيفة “بين الحين والآخر” مع مقاتلي جيش خالد، لكنها لا تبدو معارك جدية لسحق الفصيل التابع لتنظيم الدولة، ويعزو دبو عدم شن هجوم مستمر ضد جيش خالد إلى “النقصان في الذخائر”.

وقال جيمس ميلر، مدير تحرير موقع إخباري يركز على سوريا وأوكرانيا وروسيا، أن الدعم المالي والعسكري “الضعيف”، للجبهة الجنوبية ترك المجموعة دون دعم إلى حد كبير، خاصة بعد أن أنهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برنامج وكالة الاستخبارات الذي كان يمول جماعات معارضة، في تموز.

يتابع ميلر، اليوم، مقاتلو الجبهة الجنوبية ببساطة “لا يستطيعون مواجهة عدو آخر” – والعدو هو جيش خالد بن الوليد.

ويقول سكوت لوكاس “ولماذا أختار مواجهة مع جيش خالد؟…إن أولوية الجبهة الجنوبية ستكون دائما النظام”.

إذن، أين يكمن تركيز الجبهة الجنوبية؟ منذ إعلان اتفاقية خفض التصعيد الدولية، جنوب سوريا في تموز، أصبحت محافظة درعا هادئة نسبيا. حيث انخفضت وتيرة الغارات الجوية المكثفة، فضلا عن المعارك البرية والقصف المدفعي الذي دمر مناطق سيطرة المعارضة في درعا، في وقت سابق من هذا العام، وبدأ عدد من النازحين بالعودة إلى منازلهم.

ومع استمرار التهدئة، وغياب الضربات الجوية للنظام وروسيا – بدأ سكان آخرون في الريف الذي يسيطر عليه الثوار بإعادة بناء منازلهم المدمرة.

الشرطة الدينية التابعة لجيش خالد بن الوليد تصادر الآلات الموسيقية في نافعة، هذا الأسبوع. وتم نشر الصورة عبر الفيسبوك.

إلا أن قوات الأسد لها أهداف لم تحققها بعد في درعا، وهي على استعداد لفتح معركة جديدة مع الجبهة الجنوبية المتهالكة فعليا. وفي مقدمة أولويات النظام معبر نصيب الحدودي مع الأردن، الذي تسيطر عليه حاليا قوات المعارضة في درعا. وتقبلت كل من دمشق وعمان فكرة إعادة فتح المعبر، في حال استعادت قوات الأسد الجانب السوري من المعبر، وهي خطوة من شأنها أن تقسم مناطق درعا الريفية التي تسيطر عليها المعارضة إلى قسمين.

وقال جوشوا لانديز، رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة أوكلاهوما، ومؤسس مدونة Syria Comment “إن الحكومة السورية تصر على استعادة كل شبر من سوريا”.

وأضاف “ربما يكون ذلك صوابا بالنسبة للجنوب السوري، على طول الحدود الأردنية، ويحتاج الأمر بعضا من الوقت حتى تسيطر سوريا على تلك المناطق وتدمر أي ميليشيات عربية بقيت في المنطقة”.

“ورم حميد”

لا يزال والدا فؤاد، البالغ من العمر ٢٥ عاماً، يعيشان بمفردهما في منزلهما في تسيل، وهما عرضة للانتقام بسبب فرار ابنهما، الذي تعرض للاعتقال مرتين.

يقول فؤاد، من مدينة نوى الآمنة نسبياً كما أسلفنا “لا أنكر أنني تركت والداي وأنا خائف عليهم من بطش التنظيم”.

ولكن عندما يشكل جيش خالد خطراً مباشراً على حياة الآلاف من الناس ممن يعيشون داخل أراضيه، فإنه يشكل تهديدا طفيفا لقوات الجبهة الجنوبية المجاورة والمنافسة التي بدورها ليس لديها ما يجبرها على محاربة الجماعة المتطرفة.

وما تبقى اليوم في حوض اليرموك هو شيء غير مهم، نمو بسيط نسبيا لداعش الذي لا يحظى باهتمام كبير في ظل الاهتمام بتنظيمه الأوسع نطاقا، والذي بدأ يتضاءل، في محافظتي الرقة ودير الزور.

يقول لوكاس “في الوقت الراهن، سيبقى الوضع كما هو إلى حين يبدأ جيش خالد بالتحرك”.

“إن هذا ورم حميد – لا يظهر بالأشعة السينية”.

هذه المقابلة هي جزء من تغطية سوريا على طول عن وضع المنطقة الجنوبية التي ستستمر لشهر بالتعاون مع منظمة كونراد أديناور وفريق من مجموعة مراسلين على أرض سوريا.

لقراءة تقريرنا التمهيدي عن المنطقة الجنوبية لسوريا هنا

آخر التقارير…