مدة القراءة: 5 دقائق | تقارير, سياسة, شتات ومهجر

ماذا تعني سابقة شكوى المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى “الجنائية الدولية” بشأن انتهاكات اليونان بحق اللاجئين؟


فبراير 11, 2021

بيروت – دعا المركز السوري للعدالة والمساءلة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية إلى فتح تحقيق في الانتهاكات التي ارتكبتها السلطات اليونانية والوكالة الأوروبية لحرس الحدود وخفر السواحل (فرونتيكس) بحق اللاجئين السوريين، باعتبارها انتهاكات قد ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية. 

وفي 28 كانون الثاني/ يناير الماضي، قدمت المنظمة السورية غير الحكومية، ومقرها واشنطن، ملفاً يوثق الانتهاكات المرتكبة على مدى السنوات الخمس الماضية ضد اللاجئين على الحدود اليونانية-التركية ومراكز الاستقبال ومطابقة الهوية في اليونان. وبحسب ما ذكرت نسمة باشي، الباحثة القانونية في المركز السوري للعدالة والمساءلة، لـ”سوريا على طول”، فإنه منذ تقديم الشكوى تلقينا “مئات الإخطارات من الضحايا، وتحديداً السوريين، يقولون فيها: لدينا شهود، نمتلك فيديوهات، ونحن مستعدون للإدلاء بشهاداتنا”.

وخلال السنوات الخمس الماضية، عبر أكثر من مليون شخص من تركيا إلى اليونان طلباً للجوء في أوروبا. فيما تستضيف اليونان حالياً 120,000 طالب لجوء ومهاجر، يشكل السوريون نسبة 14% من إجمالي طالبي  اللجوء.

ووفقاً لباشي، فإنه في حال قرر مكتب المدعي العام بالمحكمة الجنائية الدولية فتح تحقيق بهذا الخصوص، “فستكون هذه أول قضية جنائية دولية كبرى متعلقة بدولة أوروبية”. وهو ما أكدت عليه أيضاً ألكسندرا ليلي كاثر، المستشارة القانونية في المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، بأن الشكوى تمثل المرة الأولى التي يتم فيها تناول “المسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم ضد الإنسانية [ارتكبها مسؤولون يونانيون وأوروبيون] بحق طالبي اللجوء واللاجئين والمهاجرين في بلد أوروبي”. 

وقد كانت هناك شكوى سابقة أمام المحكمة الجنائية الدولية لمساءلة الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي لتواطئها في ارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان بحق المهاجرين في ليبيا، إلا أن القضية لم تحقق تقدماً.

ما هي الجرائم المرتكبة ضد الإنسانية في الشكوى؟

تضمنت شكوى المركز السوري للعدالة والمساءلة توثيقاً لانتهاكات تشمل خمس جرائم ضد الإنسانية بموجب المادة 7 من المعاهدة المؤسسة للمحكمة الجنائية الدولية، والمعروفة باسم نظام روما الأساسي:

  1. الترحيل والنقل القسري للسكان:
  • انتهك عملاء “فرونتكس” والسلطات اليونانية القانون الدولي بطردهم طالبي اللجوء القادمين براً وبحراً، وحالوا دون تقديمهم طلب لجوء.
  • قام خفر السواحل اليوناني بدفع قوارب اللاجئين وسحبها من المياه اليونانية إلى المياه التركية، معرضاً بذلك الأشخاص الذين على متنها للخطر، ويمثل انتهاكاً للقانون الدولي للاجئين واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS).
  • جرى الترحيل عبر ممارسات قسرية، مثل اللجوء للعنف الجسدي والنفسي.
  1. الاضطهاد:
  • في مسعى لطردهم من اليونان، حُرم اللاجئون من حقوقهم الأساسية. فعلى سبيل المثال، تلقوا معاملة  غير إنسانية وتعرضوا للاعتقالات التعسفية وحرموا من حقهم في مستوى معيشي لائق يحول دون تدهور صحتهم. 
  1. الحرمان غير الإنساني من المساعدات الإغاثية:
  • عملت اليونان على تجريم العاملين في المجال الإنساني باتهامهم بتهريب البشر. على سبيل المثال، في أيلول/ سبتمبر 2020، أُدين 33 عاملاً في منظمات غير حكومية بتسهيل وصول مهاجرين سراً إلى الأراضي اليونانية.
  • شهدت مراكز الاستقبال ومراكز مطابقة الهوية ظروفاً غير إنسانية تم توثيقها، من قبيل قلة الطعام أو سوء الظروف الصحية أو قصور الدعم الطبي وعدم إمكانية الوصول إلى المنظمات غير الحكومية.
  • تجاهل عملاء “فرونتكس” وخفر السواحل اليونانية نداءات قوارب اللاجئين خلال مواقف تنطوي على تهديد لحياة من على متنها.
  1. العنف الجنسي:
  • في مراكز الاستقبال ومطابقة الهوية، ورد أن بعض ضباط الشرطة اشتروا قاصرات وباعوهن لممارسة البغاء. 
  • على الحدود، وثّقت المنظمات حالات ملامسة مخلة بالحياء أثناء عمليات التفتيش، وتم إجبار بعض الأشخاص على التعري.
  1. التعذيب:
  • الروايات عن سوء المعاملة الجسدية يمكن أن يرقى إلى مستوى تعذيب بالممارسة، كما قد ترقى الظروف المعيشية المزرية في المراكز التي أشبه ما تكون بالسجون إلى حد التعذيب.

من هو المسؤول المحتمل؟

إذا تم فتح تحقيق بالشكوى المقدمة، فسيتعين حينها على المدعي العام تحديد من هو المسؤول عن الانتهاكات المرتكبة. لكن كيف يمكن تحديد المسؤولية الجنائية الفردية حينما تكون الانتهاكات المدعاة ناشئة عن سياسة أوسع على المستويين الوطني والأوروبي هدفها إغلاق حدود الاتحاد الأوروبي؟

قد يحاجج المسؤولون عن الانتهاكات ممن هم ضمن المستوى الأدنى من التراتبية بأنهم يمتثلون للأوامر فحسب. مع ذلك، فإن هذا يعني، كما لفتت باشي، أن “هناك سلسلة قيادة، وبما يمكن من اتهام شاغلي المناصب الأعلى”. مضيفة أن هذه الأفعال هي”جزء من هجمات منهجية واسعة النطاق”.

كذلك، كما حاججت كاثر، فإنه رغم اتخاذ اليونان “بعض القرارات القضائية والإدارية وتلك المتصلة بالسياسات التي أدت إلى الوضع الراهن في المخيمات وأججت العنف على الحدود، إلا أنه لا ينبغي أن تكون هي الدولة الوحيدة التي تخضع للمساءلة، لأن القارة الأوروبية بأكملها وجميع الدول شريكة في اتخاذ هذه القرارات”. مع ذلك، رأت كاثر أن

في الملاحقة القانونية فرصة لإنهاء ثغرات الإفلات من العقاب ضمن “نظام تمارس فيها انتهاكات لانهائية لحقوق الإنسان بحق طالبي اللجوء واللاجئين والمهاجرين”.

لماذا المحكمة الجنائية الدولية؟

المحكمة الجنائية الدولية هي أول محكمة دائمة من نوعها في العالم، تم إنشاؤها في العام 2002 بموجب نظام روما الأساسي. وهي تنظر في القضايا التي يحيلها إليها مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، أو واحدة من الدول الاطراف أو المنظمات – كما في هذه الحالة- في نظام روما الاساسي. وتأمل باشي أن يأتي رد المدعي العام للمحكمة خلال هذا العام. 

وتقع هذه القضية ضمن الاختصاص الإقليمي للمحكمة الجنائية الدولية لأن اليونان من الدول الأطراف في نظام روما، والجرائم المزعومة وقعت على الأراضي اليونانية. ويمكن للمحكمة مقاضاة الأفراد على جرائم ضد الإنسانية إذا كانت المحاكم الوطنية غير قادرة أو غير راغبة في التحقيق في جريمةٍ ما. ويحاجج المركز السوري للعدالة والمساءلة بأنه ليس بوسع المحاكم اليونانية أو الأوروبية إجراء تحقيق جاد بشان الجرائم المزعومة، لأن الأخيرة جزء من سياسة وطنية يدعمها الاتحاد الأوروبي.

بالإضافة إلى ذلك، تم تجاهل أحكام سابقة بشأن ممارسات اليونان غير القانونية بشأن الهجرة، صدرت عن المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، والمقرر الخاص للأمم المتحدة بشأن حقوق المهاجرين، ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وكذلك الشكاوى المقدمة إلى المفوضية الأوروبية. ولهذا، ينظر المركز السوري للعدالة والمساءلة إلى المحكمة الجنائية الدولية على أنها محكمة الملاذ الأخير.

وكما عبرت باشي، فإن “حقيقة حدوث [هذه الانتهاكات] على الأراضي الأوروبية، القارة التي تدعي أنها الحصن المنيع لحقوق الإنسان، هو امرٌ يمثل إجحافاً”. فيما وصفت كاثر الخطوة بأنها “استراتيجية وجسورة” لمقاضاة دولة أوروبية. كما رأت فيها “تطوراً ضرورياً لترسيخ مصداقية المحكمة الجنائية الدولية. إذ من منظور قائم على مركزية أوروبا، غالبًا ما يُحاجج بأن [مثل تلك] الجرائم تحدث دائماً في مكان آخر، وليس على الأراضي الأوروبية”. ومن الجدير بالذكر هنا أن تسعاً من القضايا العشر المعروضة على المحكمة الجنائية الدولية ذات صلة ببلدان أفريقية.

المآل المحتمل؟

في حال مضي القضية قُدُماً، فإن ذلك “سيبعث بإشارة لا لبس فيها”، بحسب كاثر، إلى الدول الأوروبية التي لا تحمي اللاجئين [على أرضها] من الانتهاكات بأنها “غير محصنة” وأنه “يمكن أن تُتخذ بحقها إجراءات مماثلة”. فيما قالت باشي أن “اليونان هي [الدولة] الأولى فقط، ونأمل أن تعلم إيطاليا وإسبانيا أن هذه الجرائم هي جرائم بكل ما تعنيه الكلمة”.

وتقليدياً، كانت الانتهاكات المرتكبة بحق طالبي اللجوء تندرج تحت مظلة القانون الدولي لحقوق الإنسان. لكن هناك توجه نحو “حيز القانون الجنائي الدولي”، بحسب كاثر، نتيجة “تفاقم العنف على الحدود”.

وفي الأسبوع الماضي، بادر أعضاء في البرلمان الأوروبي إلى فتح تحقيق بشأن المضايقات والعمليات غير القانونية المزعومة التي يمارسها عملاء فرونتكس للحد من وصول الناس إلى الحدود الأوروبية. كما خلصت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، الشهر الماضي، إلى أن إيطاليا لم تحترم مبدأ الحق في الحياة حين لم لم تبادر إلى مساعدة سفينة كانت تغرق في العام 2013. وجاء القرار الأخير رداً على شكوى تقدم بها ثلاثة سوريين وفلسطيني فقدوا 13 من أقاربهم على متن تلك السفينة، والتي بلغت حصيلة الضحايا على متنها 200 غريق. 

كل هذه التطورات “تبعث بإشارة على نطاق أوسع بأن ممارسات العنف، على الحدود البحرية أو البرية، تخضع للرصد، أن إجراءات قانونية سيتم تبنيها [رداً على ذلك]”، كما قالت كاثر.

والآن، فإن الكرة  في ملعب المحكمة الجنائية الدولية.

تم نشر هذا التقرير أصلاً باللغة الإنجليزية، وترجمته إلى العربية فاطمة عاشور.

آخر التقارير…