مدة القراءة: 7 دقائق |

ما هي أوراق المعارضة السورية لمنع مسار التطبيع بين أنقرة ودمشق؟


يناير 23, 2023

باريس- استجابة لأصوات المتظاهرين في شمال غرب سوريا، الرافضين للتقارب التركي-السوري، تحت شعار “لن نصالح”، خرج رئيس الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية، سالم المسلط، في كلمة مصورة، نشرت في الرابع من كانون الثاني/ يناير الحالي، قال فيها أن “نظام الأسد هو نظام إبادة”، معتبراً أنه “نظام فاقد للشرعية”.

وعلى عكس التحركات التركية الأخيرة، الرامية إلى إعادة العلاقات مع الأسد، بعد أحد عشر عاماً من القطيعة، أكد المسلط باسم الكيان الذي يرأسه، وهو أعلى سلطة رسمية للمعارضة، ومقرها تركيا، أن “سبيل الخلاص وإنقاذ الشعب هو بخلاصه من هذا النظام”.

ينسجم موقف الائتلاف مع أصوات المدنيين في شمال غرب سوريا، ومع موقف قيادات في الجيش الوطني السوري (المعارض)، المدعوم من أنقرة، الذين عبّروا عن رفضهم أيضاً، مشددين على شعار “لن نصالح”.

لكن الخيبات التي عاشها السوريون المناهضون للأسد من المعارضة السياسية والعسكرية، لا سيما الجيش الوطني، الذي يعمل تحت نفوذ تركيا وبدعمها وفي إطار أجندتها السياسية والعسكرية، زعزع ثقة المدنيين بإمكانية ثبات المعارضة على موقفها الرافض لـ”التقارب”، وهو ما أكده اللواء السوري محمد الحاج علي، معتبراً أنه “ليس لدى المعارضة السياسية وزن دولي، ولم يعد للائتلاف أي دور، وبالتالي لن يستطيع هو أو الفصائل في التأثير على الموقف التركي، خاصة أن أنقرة هي من تحركهم” وفق أجندتها.

بدأت ملامح تقارب أنقرة مع النظام السوري مع تصريحات وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، في 11 آب/ أغسطس 2022، عندما كشف عن لقائه بوزير خارجية النظام السوري، فيصل المقداد، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، على هامش اجتماع حركة عدم الانحياز التي عقدت في العاصمة الصربية بلغراد.

ورغم التطمينات التركية للسوريين بأنها لن تضعهم في مأزق، وأن “تركيا لن تتخذ أي إجراء ضد الشعب السوري”، كما جاء على لسان وزير الدفاع التركي، خلوصي أكار، في أواخر كانون الأول/ ديسمبر 2022، وأنها تشدد على ضرورة حل الأزمة السورية “وفق القرار الأممي 2254″، إلا أن اللقاء الذي جرى على مستوى الاستخبارات، ومن ثم اجتماع وزراء روسيا وتركيا وسوريا، الذي عقد في موسكو، أواخر كانون الثاني/ ديسمبر 2022، ونية أنقرة عقد اجتماع على مستوى وزراء الخارجية، يزيد مخاوف السوريين في شمال غرب البلاد، حيث يقطن أكثر من أربعة ملايين نسمة نصفهم نازحون، وكذلك نحو مليوني سوري في شمال شرقي البلاد، الواقعة ضمن نطاق التهديدات التركية بعملية عسكرية ضد قوات سوريا الديمقراطية “قسد”.

أوراق المعارضة السورية

سجلت عدة مناطق في شمال غرب سوريا، خروج مظاهرات رافضة لـ”المصالحة” مع النظام، بعد صلاة الجمعة، في 20 كانون الثاني/ يناير الحالي، كما في مدينتي مارع وعفرين بريف حلب الشمالي، الواقعتين تحت سيطرة الجيش الوطني، ومدينة إدلب وبلدة قرقونيا، الواقعتين تحت سيطرة هيئة تحرير الشام. 

يحمل المتظاهرون “رسالة إلى تركيا والنظام والعالم تعبّر عن رفضهم للسياسة التركية”. لكن تأثيرها محدود، وقد لا يتجاوز “الناحية الإعلامية”، وفقاً للواء محمد الحاج علي، معتبراً أن استمرار المظاهرات مرتبط بموقف أنقرة تجاهها، خاصة أن الأخيرة “هي النافذة الوحيدة للسوريين في شمال غرب سوريا، وإذا أغلقت هذه النافذة قد يموتون جوعاً”، كما أنها تتحكم بفصائل المنطقة.

ورغم أن “الاحتجاجات قد تكون محرجة بعض الشيء لتركيا”، لكن كونها “لا تهم الناخب التركي، وإذا كان الناخبون الأتراك غير مهتمين، يعني أن أردوغان غير مهتم، كونه يصب اهتمامه حالياً على الفوز في الانتخابات المقبلة”، كما قال أرون لوند، الباحث في وكالة أبحاث الدفاع السويدية (FOI) ومؤسسة “سينتوري الأميركية”.

وعليه، استبعد لوند في حديثه لـ”سوريا على طول” أن تستطيع المعارضة السورية ثني تركيا عن المصالحة مع حكومة الأسد إذا كان قرار أردوغان يسير في هذا الاتجاه.

وذهب د.يحيى العريضي، كاتب وسياسي سوري شغل عدة مناصب في المعارضة السورية، إلى أن أقصى ما تستطيع المعارضة فعله حالياً هو “المداراة”، لكنها بالتأكيد “غير قادرة على الرفض ما لم تملك كلمتها، ولا يمكنها امتلاك الكلمة إلا بقربها من الناس”، كما قال لـ”سوريا على طول”.

يبدو موقف المعارضة السورية ضعيفاً أمام التقارب التركي-السوري، ومع ذلك “لا تنوي تركيا إدارة ظهرها بالكامل للمعارضة أو الانسحاب الكامل من سوريا”، بحسب لوند، لأن “أردوغان يحتاج إلى امتلاك أوراق ضغط في سوريا، ومن هذه الأوراق الوجود العسكري، وهو يعتمد على الفصائل المحلية المسلحة، سواء الجيش الوطني أو هيئة تحرير الشام، ليكون فاعلاً”. كما أن “سيطرة تركيا على المعارضة السياسية هي ورقة أخرى، لأنها تسمح لأنقرة بتشكيل عملية السلام والمساهمة بوضع شروط إعادة التأهيل السياسي للأسد”، وفقاً لقوله.

من جانب آخر، إذا توصلت تركيا إلى تفاهم مع الأسد، “لن تتمكن المعارضة من الوقوف بمفردها ضد القوة العسكرية والجوية للنظام”، كما قال الباحث الأميركي، جوشوا لانديس، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة أوكلاهوما، لأن “المعارضة المتمثلة بفصائل حلب، أو هيئة تحرير الشام، تعتمد على القوات الجوية التركية”.

ومع ذلك، لدى المعارضة السورية أوراقاً يمكن استخدامها للضغط على كلّ من تركيا والمجتمع الدولي، منها ورقة النازحين واللاجئين، وهي “ورقة ضغط ليست على تركيا فحسب، وإنما أوروبا أيضاً”، بحسب لانديس، متسائلاً “ماذا يمكن لتركيا أن تفعل بنحو أربعة ملايين شخص بينهم مقاتلوا المعارضة وعائلاتهم؟” في حال وجود أي تغيير عسكري على آخر مناطق سيطرة المعارضة.

إضافة إلى ذلك، تستند المعارضة في موقفها على الرفض الأميركي للتقارب مع دمشق، إذ دعت الخارجية الأميركية، في الرابع من الشهر الحالي، دول العالم إلى عدم تطبيع علاقاتها مع الأسد، كما جاء على لسان المتحدث باسم الخارجية، نيد برايس، الذي وصف بشار الأسد بـ”الديكتاتور الوحشي”. لكن، وضع الولايات المتحدة في سوريا حرج في الوقت الراهن، خاصة في شمال شرق سوريا، لأن “الجميع يريدها أن تنسحب باستثناء الأكراد”، وفقاً للانديس، مشيراً إلى أن “علاقة الولاية المتحدة بتركيا هي الأهم بالنسبة لها”.

وأمام عدم رغبة بايدن في “عدم الوقوع بشرك الحرب الأهلية، يواصل أردوغان والأسد ضغطهما على الجيب الكردي”، كما أوضح.

ولفت لانديس إلى أن المعارضة تملك “ملف حقوق الإنسان”، كأحد أوراق القوة، معتبراً أن “نظام الأسد غير قادر على التعامل مع المعارضة وفق القانون الدولي، لذلك يمكن للمعارضة أن تلعب على ورقة حقوق الإنسان، وهو ما فعلته بنجاح خلال سنوات الصراع”.

ملف حقوق الإنسان في سوريا  

وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 229119 مدنياً على يد أطراف النزاع والقوى المسيطرة في سوريا، منذ آذار/ مارس 2011 حتى نهاية عام 2022، منها أكثر من 87% على يد النظام السوري، المسؤول عن مقتل 200422 شخصاً، بينهم 22953 طفلاً، و11955 امرأة، بحسب إحصائيات زودتها الشبكة لـ”سوريا على طول”.

وفي الفترة ذاتها، وثقت الشبكة اعتقال أو اختفاء ما لا يقل عن 154398 شخصاً، منهم 135253 معتقل أو مختفٍ قسرياً على يد النظام السوري.

تبرز هذه الأرقام -وهي الموثقة فقط- حجم الانتهاكات في سوريا، واستناداً على هذه الانتهاكات “أُصدرت قوانين، مثل قانون العقوبات الأميركية قيصر، والعقوبات الاقتصادية الأوروبية، كما صدرت تقارير عن اللجان الأممية، التي شكلت إدانة للنظام بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية”، بحسب فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية.

لذلك “الدول التي تحترم نفسها، وتكترث لسمعتها، غير مستعدة لإعادة علاقاتها مع النظام”، كما أوضح عبد الغني لـ”سوريا على طول”، لأن إعادة العلاقات معه “كلفتها عالية على تلك الدول، ناهيك عن أن السياسي الذي يريد التقارب مع النظام، في الدول المساءَلة أمام شعوبها ووسائل إعلامها، سيتعرض لوصمة أمام شعبه”، والسبب في ذلك ليس إنسانياً فقط، وإنما “حقوقياً وقانونياً”، نتيجة “انتهاكات النظام، الموثقة بشكل منهجي، وبمعايير صارمة”، وفقاً لعبد الغني.

ومع عجز المجتمع الدولي عن محاسبة الأسد نتيجة حق النقد “الفيتو” الروسي، إلا أن السنوات الأخيرة شهدت محاكمة عدد من المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في المحاكم الأوروبية، كما في محكمة “كوبلنز”، التي قضت بسجن رئيس التحقيق السابق في فرع فلسطين، أنور رسلان، مدى الحياة.

وشدد عبد الغني على أن “إعادة العلاقات مع النظام هي انتهاك لحقوق السوريين”، لافتاً أن “التطبيع فيه انتهاك للقانون الدولي، وإعادة العلاقات معه يعني دعمه، وغالبية الدول لا تريد ذلك”، باستثناء “بعض الدول وهي تعد على أصابع اليد الواحدة”. 

تزامن التقارب التركي- السوري الأخير مع تقارب إماراتي-سوري، وحاولت الأردن إعادة علاقاتها مع سوريا، عام 2021، لتصطدم بارتفاع وتيرة تهريب المخدرات من دمشق إلى عمان، عبوراً إلى دول الخليج.

“إنعاش ميت”

في كانون الأول/ ديسمبر 2022، وافق بشار الأسد على مشروع ميزانية 2023، بقيمة 16.5 تريليون ليرة سورية، بزيادة قدرها 24% عن العام السابق، إذا ما احتسبت قيمتها بالعملة المحلية. لكن في الواقع تبلغ قيمة الموازن 3.6 مليار دولار، مقارنة بـ5.3 مليار في عام 2022، و6.8 مليار في عام 2021، وتسعة مليارات في عام 2020.

عانى المدنيون في مناطق سيطرة النظام، خلال عام 2022، من ظروف اقتصادية سيئة، هي الأشد، منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وتنذر ميزانية 2023، والتضخم الذي تشهده البلاد، باستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية.

لذلك، رغم أهمية أي تقارب أو تطبيع بالنسبة لدمشق، إلا أنه لا يمكن أن يسحب النظام من “عنق الزجاجة”، كونه “نظامٌ منتهي حدّ الإفلاس”، وفقاً للواء محمد الحاج علي، معتبراً أن النظام “فقد كلّ شيء، با في ذلك سمعته في صفوف مؤيديه”، لذلك كل الجهود “لن تنجح في إنعاش ميت”.

يمر النظام السوري “بمرحلة حرجة، ولم يكن بهذا العوز خلال كل سنوات الأزمة”، كما قال د.كرم شعار، مدير البرنامج السوري في مرصد الشبكات السياسية والاقتصادية. ومع ذلك، لا يعني أن النظام سيقدم تنازلات سياسية، إذ “سبق أن تعرض لضغط كبير، كالضغط العسكري عامي 2013 و2014، ومع ذلك لم يقدم تنازلات”.

لكن في المقابل، “الوضع الاقتصادي الحالي، قد يدفع بحلفاء النظام للضغط عليه من أجل دخوله في تسوية سياسية”، وفقاً لشعار، معتبراً أن “روسيا وإيران وصلوا إلى مرحلة من التململ، لدرجة أنهما غير مستعدّتين لدعمه اقتصادياً”.

واستدل شعار على ذلك بتصريحات وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، الأخيرة، الذي “رحّب بالتقارب السوري-التركي”. اللهيان اعتبر خلال لقائه مع بشار الأسد، في 14 كانون الثاني/ يناير الماضي، أن الحوار بين دمشق وأنقرة إذا كان جاداً “بأنه خطوة إيجابية لصالح البلدين والمنطقة”.

وختم شعار حديثه: “لا مخرج للنظام حالياً من مأزقه الاقتصادي والسياسي إلا من خلال تسوية سياسية، ولكن قد لا تكون وفقاً للقرار الأممي 2254″، متوقعاً أن تكون التسوية “مجتزأة”، من قبيل أن “تتوافق مع تركيا على التعامل مع التهديد التركي بشمال شرق سوريا، وإيقاف إصدار المخدرات لدول الخليج، على أن يتم القبول بوجود بشار الأسد”.