مدة القراءة: 6 دقائق | اقتصاد, درعا, دمشق

ما هي دوافع ومآلات قرارات دمشق الاقتصادية المتسارعة؟


أبريل 15, 2021

عمّان – تزايدت في الفترة الأخيرة القرارات الاقتصادية الصادرة عن نظام بشار الأسد وحكومته، والتي توزعت في أهدافها المعلنة بين “حماية” المواطنين السوريين الذين يواجهون صعوبات اقتصادية-اجتماعية غير مسبوقة، وربطاً بذلك السيطرة على عدم استقرار سعر صرف الليرة السورية عقب انخفاضات حادة سابقاً. لكن في التفاصيل والنتائج، قد يكون هناك ثمة محاولة لإحداث تغييرات في بنية الاقتصاد لصالح تيار أسماء الأسد الذي يسود الاعتقاد أنه ورث إمبراطورية رامي مخلوف، ابن خال بشار الأسد، والذي هيمن من بعد والده على الاقتصاد السوري عقوداً عبر بوابة الفساد والإفساد.

البيع المؤجل للدولار

في 11 نيسان/ أبريل الحالي، أوضح علي عقل ونوس، مدير الأسعار في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك، أهداف قرار حكومة دمشق الأخير المتعلق ببيع الدولار الأميركي لمن يحتاجه من التجار والصناعيين لتمويل مستورداتهم، والذي اشترط أن تكون عمليات البيع عبر شركات الصرافة بسعر 3,375 ليرة للدولار الواحد. إذ بحسب ونوس، يضفي القرار “نوعاً من الاستقرار بالأسعار في السوق”. موضحاً إلى أنه في حال كانت الآلية المطبقة فاعلة، “تصبح هناك حالة من الاستقرار في الأسعار، وينخفض سعر الصرف نتيجة وجود فرق ما بين السعر الموازي والسعر الصادر عن المصرف المركزي”. كما أن القرار يعني أنه “لم تعد هناك إمكانية للتجار الذين يشترون القطع الأجنبي من المصرف المركزي بهذا السعر الادعاء أن سعر القطع الأجنبي ارتفع أو انخفض في السوق الموازية”.

في اليوم ذاته، أعلنت شركتا “الفاضل للصرافة” و”المتحدة للصرافة” عن عمليات بيع آجل للدولار للتجار والصناعيين عبر ثلاثة شرائح زمنية خلال شهر رمضان، بحسب ما نشرت غرفة تجارة حلب. والشرائح هي: الشريحة الأولى من 1 إلى 10 رمضان، بسعر 3,250 ليرة للدولار. أما الثانية؛ فمن 11 إلى 20 رمضان، بسعر 3,100 ليرة. بينما الشريحة الثالثة من 21 إلى 30 رمضان، بسعر 2,900 ليرة. على أن تسدد المبالغ كاملة، نقداً، بالليرة السورية للفترات الثلاث ما بين 1 و 5 رمضان.

والبيع المؤجل للعملات الأجنبية هو اتفاقية بيع أو شراء للعملة الأجنبية بناء على سعر صرف وأجل محددين ومن عملة محددة إلى أخرى. وتهدف هذه العملية إلى القضاء على مخاطر تذبذب سعر الصرف.

وبحسب الباحث الاقتصادي في مركز عمران للدراسات الاستراتيجية، مناف قومان، فإن “النظام يحاول عبر هذه الخطوة التأثير على عرض الدولار وربطه بنوافذه، وجذب السيولة المالية نحوه، سواءً كان عبر البيع الآني أو حتى الآجل”. مضيفاً لـ”سوريا على طول” أن “المهم بالنسبة له أن تصل رسالة للتاجر بامتلاك النظام للدولار وأنه قادر على تأمين احتياجاته من القطع الأجنبي بسعر جيد، سواء الآن أو عبر شرائح، وهذا سيعطي النظام بطبيعة الحال قدرة على المناورة وحصر طلب الدولار عبر نوافذه”.

في السياق ذاته، يعد “البيع المؤجل للدولار محاولة لمنع السوق من الانفلات”، كما يشير الباحث الاقتصادي السوري يونس الكريم، “عبر تجميد العرض، كون السوق السورية بحاجة إلى سلع”، بحيث أن “أي سلعة توضع في السوق يتم شراؤها بشكل مباشر لكون الناس بحاجة إليها”.

ومن ثم، فإن البيع المؤجل، كما أضاف الكريم في حديثه لـ”سوريا على طول”، يمثل فرصة للتجار “لتحقيق الربح وتعويض الخسائر الفائتة”، لاسيما بعد القبضة الأمنية المتعلقة بالتعامل بالدولار، إذ “أصبح على النظام توفير متطلبات التجار، ومنع انجرارهم للسوق السوداء”. 

في المقابل، ستدفع المناطق الخارجة عن سيطرة النظام في شمال غرب وشمال شرق سوريا ثمن القرار. إذ ستضطر تلك المناطق إلى “بيع الدولار بسعر مخفض، وبالتالي تحقيق أرباح كبيرة للنظام، وانخفاض أسعار الصرف”، من دون أن يقابل ذلك “توفر للسلع في هذه المناطق، أو خفض لأسعارها، وهو ما يعني إعادة ضغط الشارع على القوة المسيطرة في تلك المناطق، لاسيما مع محاولات روسيا التحكم بالمعابر”.

استقطاب الحوالات

في خطوة مكملة لبيع الدولار الآجل على ما يبدو، رفع مصرف سورية المركزي (البنك المركزي)، أمس الأربعاء، سعر صرف الدولار للبدلات (مثل بدل الخدمة العسكرية) والحوالات الشخصية وتلك الواردة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية والإنسانية إلى 2,500 ليرة بدلاً من السعر السابق البالغ 1,250 ليرة للدولار. والهدف من ذلك هو “سعي المصرف إلى توحيد أسعار الصرف وتشجيع الحوالات الخارجية وجذبها عبر الأقنية النظامية بما يحقق مورداً إضافياً من القطع الأجنبي يتم توجيهه لتحقيق المصلحة العامة”، بحسب ما جاء على صفحة “المركزي” على “فيسبوك”.

ترافق ذلك مع مرسوم رئاسي أقال بشار الأسد بموجبه حاكم المصرف المركزي حازم قرفول، بعد قرابة الثلاث سنوات من تعيينه في المنصب. وهو ما اعتبره الكريم “محاولة من النظام للقول إن هناك تغيرات حقيقية في السياسية النقدية للحكومة السورية، وأن الأمور ستتجه نحو التحسن”.

ويعد سعر الصرف الجديد القريب من سعر السوق الموازية المقدر بـ3,190 ليرة للدولار الواحد، “محاولة لتشجيع الحوالات المالية عبر القنوات الرسمية وطمأنة الشعب الذي يعاني من عدم توفر السلع الأساسية إلا في السوق الموازية”، وفق الكريم، إذ “لم تعد مؤسسات الدولة تستطيع توفير السلع نتيجة انهيار سعر صرف الليرة”.

فيما رأى قومان أن “النظام أدرك أخيراً أنه لا قِبل له على منافسة التجار والسوق السوداء بسعر صرف ضعيف لا يقارن مع سعرهم، فبدأ بالمضاربة على سعرهم وبيع الدولار بسعر أفضل”، وهو ما يعني أن “هناك تغييراً حصل في إدارة سعر الصرف وتوفر الدولار لدى النظام من جانب آخر”.

تضاف إلى ذلك مسألة التوقيت “الذي يلعب دوراً كبيراً”، إذ جاء القرار قبيل شهر رمضان في وقت تكثر فيه الحوالات المالية من الخارج، وهي “فرصة يراها النظام في جذب القطع الأجنبي إلى خزينته”، أضاف قومان.

قانون حماية المستهلك: حبر على ورق

في ريف درعا، لا يكترث اثنان من اصحاب المحال التجارية، تحدثوا إلى “سوريا على طول”، للمرسوم التشريعي الأخير المعروف بـ”قانون حماية المستهلك” الجديد، والذي أصدره بشار الأسد، في 12 نيسان/ أبريل الحالي، وركز بشكل أساسي على تغليظ العقوبات بحق مخالفي القانون.

عدم الاكتراث هذا باعثه كما قال أبو عبد المجيد، صاحب محل لبيع الأدوات الكهربائية في شمال درعا، أن “القانون حبر على ورق”، إذ “لا يحمي التاجر أو المستهلك، وإنما يعزز الرشوة”. موضحاً بالقول: “سابقاً كنا ندفع 2,000 ليرة رشوة لتجنب المخالفة. لكن الآن غالباً جماعة التموين [موظفو وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك] سيرفعون تسعيرتهم [الرشوة] إلى عشرة آلاف”.

مؤكداً أنه “نحن أصحاب المحال لا نستطيع البيع وفق تسعيرة الدولة، لأن ذلك سيتسبب لنا بخسائر كبيرة. العديد من التجار وأصحاب المحال تعرضوا لخسائر كبيرة نتيجة عدم ربط بضاعتهم بالدولار”.

وهو ما أكده أيضاً، أبو وسيم، صاحب بقالة في ريف درعا الغربي. إذ اعتبر أن “وضع هامش للربح من دون ملاحقة سعرف صرف الدولار يتسبب بخسائر من رأس المال لأصحاب المحال”.

وكشف أبو وسيم أن “غالبية المحال تضع تسعيرة وهمية”، فيما “عناصر التموين لا يقومون بتحرير مخالفات لأجل حماية المستهلك، إنما المخالفات تتم بالاتفاق مع أصحاب المحال التجارية”. أي يتم توزيع “المخالفات على المحال بحيث يحصل كل محل على مخالفة خلال مدة معينة لكونه مطلوباً من [موظفي وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك] ضبوط مخالفات، فيحاولون تحرير أقل مخالفة لقاء الحصول على رشوة”.

وبحسب وكالة الأنباء الرسمية السورية “سانا”، يهدف “حماية المستهلك” الذي ضم 83 مادة، إلى “حماية حقوق المستهلك وضمان سلامة الغذاء ومنع الاحتكار”من خلال تغليظ العقوبات التي تراوحت قيمتها ما بين 300 ألف و10 ملايين ليرة سورية.

لكن إضافة إلى الرشى في تحاشي العقوبات في مناطق سيطرة النظام بشكل عام، فإن غالبية مناطق ريف درعا “خارج إدارة النظام. وفعلياً من الصعب تطبيق هذه القوانين من ناحية إدارية فيها، لكون مؤسسات الدولة لا تتواجد بشكل فعلي”، كما أكد أبو وسيم.

على الرغم من ذلك، فإنه “في النظام الاستبدادي مثل النظام السوري توجد دائماً حافة ممنوع تجاوزها من ناحية الغضب الشعبي”، كما لفت زكي محشي، زميل استشاري أول في معهد تشاتام هاوس بلندن ومؤسس مشارك في المركز السوري لبحوث السياسات، بحيث “لا يمكن ترك الأسعار ترتفع، لكون النظام يخاف من أي قلقلة شعبية، لاسيما في المناطق الواقعة تحت سيطرته مثل دمشق والساحل”.

وقد تحولت “حالة التململ في مناطق حاضنة النظام الشعبية إلى حالة خطرة من الانحدار للمشاكل الاجتماعية، ما يشكل تهديداً وجودياً للنظام”، كما أضاف محشي لـ”سوريا على طول”، ما يفسر سعيه إلى “فرض إجراءات عنيفة لتدارك الوضع، مثل قانون حماية المستهلك وتقليص الفجوة في أسعار الصرف وخفضها”، لكن يظل أهم الإجراءات هي تلك “الأمنية كالمعتاد، كون النظام لا يهمه سوى وجوده، وليس الشعب الذي أصبح أكثر من 90% منه تحت خط الفقر”.

أي دور لأسماء الأسد؟

برأي الكريم، فإن إقالة قرفول تأتي “مكملة لسياسات أسماء الأسد بالسيطرة على السيولة النقدية”. إذ ترافق ذلك مع إصدار مجموعة من القوانين، من قبيل قانون حماية المستهلك وقانون البيوع العقارية، التي “تشكل بنية تحتية لتحكم أسماء بالاقتصاد والسيولة”.

وبحسب الكريم، فإن “أسماء الآن تتحكم بالسيولة وبطبقة التجار، وتسعى إلى إعادة تركيب وتشكيل هذه الطبقة والمجتمع السوري عموماً”، كما أضاف الكريم. وهو ما يتضح من زيارتها ولقاءاتها مؤخراً، وشملت وزارة الأوقاف، وغرف التجارة والصناعة، في محاولة منها لـ”تصدر المشهد الاقتصادي … و الجانب الديني والمشهد السني تحديداً”.

فمجمل التغييرات التغييرات الاقتصادية هي، وفق الكريم، بمثابة “بدء نمط جديد من السياسات النقدية في سوريا”، توجت بمغادرة قرفول للمصرف المركزي، و”إيقاع الحجز الاحتياطي على أمواله وعائلته وأموال أخيه واتهامه بالفساد”. 

لكن محشي استبعد أن يكون “خروج قرفول نتيجة للصراعات بين تيارات داخل النظام الذي حينما يصل الموضوع إلى وجوده يتوحد ويصبح كتلة واحدة”. وبحيث لا تعدو الإقالة أن تكون “محاولة للاستثمار بشعبية بشار الأسد؛ بأنه قادر على إزالة الفاسدين، وأنه أمسك المسبب بانهيار سعر الصرف لشهر آذار، وهو قرفول”. 

هكذا، تبرز النقطة الأهم، بحسب محشي، والمتمثلة في “مدى قدرة قرارات النظام [الأخيرة] على تحقيق تأثير اقتصادي مستدام، لاسيما مع عدم وجود ثبات في سعر الصرف، نتيجة هيكلية الاقتصاد التي لا تسمح بذلك”، متوقعاً استقرار سعر الصرف “لشهر أو شهرين عند حد معين بفعل الإجراءات الأخيرة، لكنه سيعود للانهيار”.

إذ “لا يمكن للاقتصاد السوري أن يتحسن في ظل وجود كل عوامل العجز، من قبيل العجز في الميزان التجاري، والعجز في ميزان المدفوعات. فلا يتحسن إلا بطرق أمنية ولفترة مؤقتة”، أكد محشي.

آخر التقارير…